ذكرت وسائل إعلام في غزة يوم الجمعة أن فلسطينيا قُتل بعد سقوطه من الطابق السادس لمبنى في رفح جنوبي القطاع. بعد أقل من 24 ساعة، ظهرت تقارير تحدثت عن أن الرجل، في سنوات الـ -20 من عمره، أقدم على الإنتحار.

قبل أسبوع من ذلك، قام شاب فلسطيني يبلغ من العمر (33 عاما)، من سكان بني سهيلا، بسكب مادة قابلة للإشتعال على نفسه وأشعل النار فيها. في البداية ذكرت تقارير بأنه فعل ذلك بسبب خلاف مالي مع والده. والديه نفيا ذلك.

قبل أيام من ذلك، كانت هناك تقارير عن شاب فلسطينن آخر، من وسط قطاع غزة، تم العثور عليه ميتا في حقل. ظروف وفاته لم تتضح على الفور.

هل هذه سلسلة حالات إنتحار عن طريق الصدفة لشبان يعانون من مشاكل نفسية، أم أن هناك إرتفاع في حالات الإنتحار النابعة من وضع إقتصادي وإنساني مريع في غزة؟

مواقع إلكترونية قريبة من حركة فتح تزعم أن هذا الإتجاه المثير للقلق ينبع من الواقع المرير في القطاع الذي تحكمه حماس. هذه المواقع أحصت سبع حالات إنتحار خلال الشهر المنصرم، وأكثر من 20 محاولة إنتحار. وهذا يحدث في مجتمع متدين ومحافظ بمعظمه، ويعتبر الإنتحار محرما.

في حين أن فتح تحاول على الأرجح تضخيم الظاهرة، ولكن قد يكون هناك أيضا شيئا أعمق.

اليأس في القطاع، على عكس الضفة الغربية ربما، لا يظهر أية علامات تراجع. “الوضع الإنساني في القطاع هو الأسوا في السنوات التسعة الماضية”، يقول لي (ي)، صديق قديم. “لا يوجد هناك أمل، يأس فقط. ينظر الشبان من حولهم ولا يرون شيئا. غزة مثل سجن كبير، لا يمكنك مغادرته، ولكن من يبقى فيه لا مستقبل لديه”.

فلسطينيون يقفون بالقرب من طريق غمرته مياه الأمطار في خان يونس جنوبي قطاع غزة في 24 يناير، 2016. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

فلسطينيون يقفون بالقرب من طريق غمرته مياه الأمطار في خان يونس جنوبي قطاع غزة في 24 يناير، 2016. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

ويضيف (ي) أيضا، بأن 20,000 طالبا ينهون دراستهم الثانونية كل عام. “ما الذي بإمكانهم القيام به بحسب إعتقادك؟ لا شيء. لا يوجد هناك عمل. مستوى البطالة هنا مروع. مستويات الفقر غير مسبوقة. كل عام أسوأ من الذي سبقه. لا يوجد هنا كهرباء ولا مياه للشرب في الحنفيات”.

تداعيات هذه المحنة في غزة، كما في الماضي، لا تتوقف عند الحدود. الأزمة الإنسانية هي بالضبط ما قد يدفع سكان غزة لممارسة الضغط على حماس، وخاصة الجناح العسكري للحركة، لمهاجمة إسرائيل – ربما أملا منهم في تحسين الوضع الإقتصادي. وهذا بالضبط ما حدث عشية الحرب في عام 2014 هناك، عندما لم تتمكن حماس من دفع الرواتب لرجالها وتوقعت بأن تنجح الحرب برفع أو تخفيف الحصار الأمني الإسرائيلي عليها.

الكثيرون في غزة يدعون بأن “الشارع” لا يسعى إلى التصعيد. قد يكون ذلك صحيحا. مع ذلك كل من أصغى في الأسابيع الأخيرة إلى الأصوات الخارجة من غزة سمع عددا لا بأس به من الأشخاص الذين يطالبون بالحرب.

يبدو أن الوضع الإنساني سيء إلى درجة تجعل السكان أن يكونوا على إستعداد لتحمل حرب أخرى من أجل فرصة ولو كانت صغيرة لكسر الحصار.

محاصرون

أحد المحفزات الإسرائيلية للشعور بالحصار هو النشاط المصري المكثف الذي يستهدف أنفاق التهريب في منطقة رفح، بين القطاع وشبه جزيرة سيناء. سهلت مئات الأنفاق عبور مئات ملايين الدولارات إلى خزينة حماس شهريا. ولكن ذلك توقف. في الوقت الحالي تبقت بضعة أنفاق فقط.

اعتمد حوالي 40,000 شخص على الأنفاق – بشكل مباشر أو غير مباشر – في معيشتهم. أما الآن فهم عاطلون عن العمل.

إغلاق الأنفاق يمنع تهريب الأسلحة إلى حماس من سيناء، وكذلك يخفف من كمية الأدوية التي يتم تهريبها إلى داخل القطاع. وهكذا، على سبيل المثال، 20 كبسولة ترامادول – مسكنات كانت متوفرة على نطاق واسع في القطاع – كانت تكلف مرة 20 شيكل (5 دولارات) فقط. هذه الأيام، بسبب النقص، ارتفع سعرها بعشرة أضعاف أو أكثر. مع ذلك، على الرغم من الثمن الباهظ، هناك الكثير من الشبان الذين يستخدمون الدواء للهروب من الواقع المرير.

إغلاق الأنفاق أدى أيضا إلى إنخفاض حاد في دخل حماس، التي اعتمدت بشكل كبير على إقتصاد الأنفاق. معدل البطالة ارتفع إلى 38%. أكثر من 100,000 شخص لا يزالون مشردين في أعقاب حرب عام 2014. ليس من الصعب تصور شكل الحياة هناك، والشتاء المنصرم زاد الوضع سوءا فقط.

الكثير من المنازل تحصل على ما بين 3-4 ساعات من الكهرباء في اليوم فقط، لذلك لا يمكنهم إستخدام الكهرباء للتدفئة. الغاز سيكون الخيار الآخر، ولكن هناك أيضا نقص حاد في مصدر الطاقة هذا أيضا.

يقول (أ)، وهو بالأصل من جباليا، “بدأ الناس بحرق الحطب داخل منازلهم”، ويضيف، “ولكن الحصول على الخشب هو أمر شبه مستحيل أيضا – لأن إسرائيل تمنع وصوله” – بسبب خشيتها من إستخدامه في بناء الأنفاق. “ما الذي يمكن للناس إستخدامه بالضبط لتدفئة منازلهم؟”

وأضاف (أ) أن الوضع الإقتصادي أدى إلى إرتفاع عدد النساء اللواتي يعملن في الدعارة – بعضهن متزوجات.

ويتابع (أ)، “يدرك الشبان اليوم أن أحد أفضل الأمكنة للعثور على وظيفة في غزة هذه الأيام هو في الجناح العسكري لحماس”، ويضيف، “لديهم أكثر من 2,000 شخص، وهم يخاطرون كثيرا، ولكن الدفع جيد نسبيا (أكثر من 400 دولار شهريا)”.

كل ناشط في الجناح العسكري، على عكس الموظفين في حكومة حماس، يحصل على 3 وجبات يومية ويحصل على راتبه في الوقت دائما.

مثال جيد على ذلك هم العاملين في بناء الأنفاق، الذي عادوا إلى الساحة مؤخرا عندما قامت حماس بإستخدامهم في حملة دعائية لرفع المعنويات بين مواطني غزة – ويعود ذلك في جزء منه لصرف الإنتباه عن سلسلة إنهيارات الأنفاق مؤخرا.

مقاتلون فلسطينيون من كتائب عز الدين القسام يصّلون بالقرب من جثث سبعة من زملائهم الذين قُتلوا خلال العمل على إصلاح نفق، في جنازة أقيمت في مدينة غزة، 29 يناير، 2016. (Emad Nassar/Flash90)

مقاتلون فلسطينيون من كتائب عز الدين القسام يصّلون بالقرب من جثث سبعة من زملائهم الذين قُتلوا خلال العمل على إصلاح نفق، في جنازة أقيمت في مدينة غزة، 29 يناير، 2016. (Emad Nassar/Flash90)

تعرض حماس العاملين في حفر الأنفاق على أنهم أعضاء في وحدة نخبة ستمكنها من ضرب إسرائيل بقوة في الحرب القادمة. أكثر من 1,000 عامل في حفر الأنفاق تم تشغيلهم من قبل حماس، 6 أيام في الأسبوع، براتب معقول – بمعايير قطاع غزة – مع وجبات منتظمة… وكهرباء لـ -24 ساعة داخل الأنفاق.

إغلاق مصر لأنفاق التهريب، من جهة، وتوقف معظم الدعم الذي كانت تقدمه إيران من جهة اخرى، تسبب بنواقص خطيرة لحماس. ومن هنا جاء القرار بفرض المزيد والمزيد من الضرائب على السكان. خلال أقل من عام، إرتفعت إيرادات حماس من الضرائب الشهرية من 80 مليون شيكل (20 مليون دولار) إلى 140 مليون شيكل (35 مليون دولار).

هناك ضرائب على السجائر – 5 شيكل (1.28 دولار) على كل علبة سجائر. ومعظم الرجال في غزة يدخنون. تفرض حماس الضرائب أيضا على قاعات أفراح ومطاعم: بداية قالت للسكان بأنه لم يعد بإمكانهم إجراء حفلات في الشارع، بإسم النظام العام. وبعد ذلك بدأت بفرض الضرائب على الأماكن التي يُسمح فيها بالإحتفال. قائمة الضرائب تشمل أيضا 10 شيكل (2.56 دولار) على الأجهزة الكهربائية و25% على المركبات الجديدة.

مع ذلك، في حين أنه قد يتم سماع بعض الإنتقادات الموجهة لحماس أحيانا، خاصة على شبكة الإنترنت، عبر مدونين وموقع فيسبوك، تواصل الحركة الإسلامية إظهار قوة في الحكم وفرض القانون والنظام.

لا يوجد هناك معارضين سياسيين في الأفق. تتم مراقبة السلفيين عن كثب. لا وجود لحركة فتح في الشارع تقريبا، ربما بإستثناء رجال محمد دحلان [خصم محمود عباس]. زوجة دحلان تقوم بزيارة القطاع مرة كل بضعة أسابيع محملة بالكثير من المال الذي تقوم بالتبرع به لجمعيات خيرية.

على الرغم من تصاعد حالة اليأس عندهم، لا يبدو أن السكان يتوقون إلى قادة جدد. لا يزال الكثيرون في غزة يتذكرون الأيام الفوضوية لحكم السلطة الفلسطينية، ولا يوجد في قلوبهم حنين لهذه الفترة. للمستقبل المنظور، على الرغم من الصعوبات، حماس لن تذهب إلى أي مكان.