فرك سكان غزة عيونهم أمس (الخميس) مذهولين. بشكل جزئي على الأقل، تحت عيون قوات الأمن التابعة لحماس، احتشد وسط المدينة المئات من مؤيدي فتح للتعبير عن دعمهم لمن كان في السابق شخصا مكروها في صفوف نشطاء حماس، محمد دحلان، من أبرز المسؤولين في فتح (سابقا). لقد احتشدوا للتظاهر ضد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) بسبب قرار قيادة الحركة إلغاء عضوية محمد دحلان وأتباعه في الحركة. رفع المتظاهرون صورا لمحمد دحلان وسمير مشهراوي، في حين لم تكن هناك صور للرئيس الفلسطيني، أو أنه تم إتلاف صور له في بعض الحالات القليلة جدا. يبدو أن التحالفات المفاجئة لا تولد في إسرائيل فقط عشية الإنتخابات، بل في قطاع غزة أيضا بعد الحرب. التظاهرة في الأمس تبين مدى العداء، ليس فقط بين دحلان وعباس، ولكن بين حماس والسلطة أيضا. السماح لمؤيدي فتح في غزة برفع صور مسؤول كبير سابق في فتح، الذي قام في الماضي بملاحقة المئات من نشطاء حماس، هو ليس أمرا يمكن الإستهانة به. هذا يدل على مدى الإنقسام والصدع بين الحركتين، الذي يبدو أنه عميق جدا. وإذا بدى للحظة في شهر مايو أن غزة والضفة تسيران على طريق المصالحة من خلال تشكيل حكومة توافق، يبدو أنه لا يوجد هناك سبب لقلق وزراء الحكومة الإسرائيلية في حينها واليوم: المصالحة ماتت. ظهر الإنقسام على السطح من جديد. حكومة السلطة لا تنجح بالقيام بعملها في القطاع بشكل فعلي، وحماس تمتنع طبعا عن العمل في الضفة.

أحد الأشخاص الذين عبروا عن هذا التوجه هذا الأسبوع، هو أحد قياديي حماس، محمود الزهار، الذي ادعى بعد الإحتفالات بالذكرى السنوية لتأسيس حماس أن “أبو مازن فقد من شرعيته”. ولم يبدي مسؤولون آخرون في الحركة حذرا أكثر في تصريحاتهم. في المقابل، واصلت السلطة الفلسطينية هذا الأسبوع في حملة الإعتقالات ضد نشطاء حماس والجهاد الإسلامي في غزة، مع الحفاظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل، ولكن بهدوء وبسرية أكبر. منعت السلطة حماس من إجراء مسيرات في الضفة الغربية، احتفالا بالذكرى السنوية لتأسيس الحركة. على الرغم من أن بعض قياديي فتح، مثل جبريل رجوب وصائب عريقات تعهدوا بإنهاء التنسيق الأمني بعد وفاة الوزير الفلسطيني زياد أبو عين، ولكن عمليا حوفظ على هذا التنسيق وبشدة. علاوة على ذلك، تبين أن الرئيس لم يُعجب، على أقل تقدير، بتهور رجوب وعريقات وأمر بالمحافظة على التنسيق الأمني، على الأقل في الوقت الحالي. في نظره أيضا التهديد الأكبر على حكمه في المستقبل القريب هو ليس إسرائيل والمستوطنات، بل محاولات حماس لإسقاطه.

تجدر الإشارة إلى أن مكانة أبو مازن قوية تقريبا كما كانت دائما. فلا يوجد لديه منافسين محتملين في الضفة الغربية ولا يوجد هناك تهديد على حكمه. مع ذلك ففي الأسابيع الأخيرة، يبدو أن الإنتقادات ضده من معسكر فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، أو كما يصفه الإسرائيليون “ناقلة الجنود المدرعة”، ارتفعت إلى نغمات لم نعرفها من قبل. بداية كان ذلك في مواجهة علنية مع رئيس نقابة العاملين الفلسطيني، بسام زكارنة (رجل فتح). وتواصل مع أزمة شبه علنية مع أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عبد ربه، الذي تم تقليص جزء من صلاحياته. تلى ذلك تصريحات رجوب وعريقات وكما ذكرنا – التظاهرة في غزة. وما صلة ذلك بالتوجه إلى مجلس الأمن؟ داخل فتح، سُمعت في الأسابيع الأخيرة أصوات متزايدة ضد الخط المتساهل الذي يسير فيه أبو مازن. فالمعسكر الصقوري في الحركة غير مستعد لتقبل سيساسة الإحتواء التي تتبعها السلطة مع إسرائيل، سواء كما حدث بعد وفاة أبو عين أو في الخط المرتبك في كل ما يتعلق بالتوجه إلى مجلس الأمن. على الرغم من أنه تم يوم الأربعاء عرض الطلب الأردني أخيرا أمام أعضاء مجلس الأمن للإعتراف بدولة فلسطين والدعوة إلى إنهاء الإحتلال خلال ثلاث سنوات، ولكن الامتناع عن تحديد موعد للتصويت تسبب مرة أخرى باستياء في صفوف الرأي العام ومؤيدي فتح. التصويت على القرار قد يتم تأجيله عمليا لأسابيع طويلة.

مشتاق اشوفك “للاسمنت”

“يا اسمنت إحنا إلك والله مشتاقين. يا اسمنت إحنا من دونك كلنا مفلسين. يا اسمنت إنت عارفنا إحنا عمال ومشكلتنا مش موظفين… مشتاقين”. كتب هذه الأغنية قبل الحرب في غزة الفنان الشعبي الشهير إسلام أيوب.

في الأيام التي تلت الحرب أيضا، لا تزال كلماتها ذات صلة رغم البدء بأعمال الإعمار، ولكن على نطاق ضيق جدا. قام أيوب قبل أسابيع قليلة بإصدار أغنية تتناول قضية إعادة إعمار غزة بعد الحرب، ويظهر في الفيديو كليب وهو يغني بجانب مدارس الأونروا التي لا تزال مكتظة بعشرات آلاف اللاجئين الذين فقدوا منازلهم في الحرب. يُظهر الفيديو كليب الدمار الهائل في القطاع. تتحدث الأمم المتحدة عن 108,000 منزلا تضرروا بشكل جزئي أو بالكامل في قطاع غزة خلال عملية “الجرف الصامد”. 20,000 من هذه المنازل دُمرت بالكامل، المنازل الأخرى بشكل جزئي. في الأسابيع الأخيرة حصل حوالي 9,200 شخص من أصحاب هذه المنازل على مواد البناء اللازمة لترميم منازلهم، جميعهم تقريبا أصحاب منازل تضررت بشكل جزئي. المشكلة الأكبر التي يعاني منها سكان غزة هي أنه تم تحويل جزء صغير فقط من التبرعات التي تعهدت بتقديمها أطراف دولية. معنى ذلك أن سكان غزة الذين بإمكانهم الآن الحصول على مواد البناء التي حولتها إسرائيل للقطاع، لا يستطيعون القيام بذلك بسبب نقص كبير في الأموال. لا يوجد هناك من سيدفع ثمن الأسمنت والحديد اللازمين لبناء منزل. هذا الوضع يثير قلق كبير في قيادة حماس التي تخشى من تزايد العداء ضد الحركة في غزة وفي إسرائيل أيضا، التي تدرك أنه إذا توقف ترميم القطاع، قد يدفع ذلك حماس إلى الرد بعنف. أو كما وصف ذلك محمود الزهار هذا الأسبوع، “إعمار أو إنفجار”.