واشنطن (جيه تي ايه) – لا تسموها خطة سلام، بل سموها “رؤية اقتصادية”، ولا تصفوا الحدث الذي سيكشف عنها في الأسبوع المقبل بأنه قمة، فهو ورشة. لمصلحة الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين لن يكون أي مسؤول منهم حاضرا هناك.

ستستضيف البحرين، وهي دولة خليجية صغيرة تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وإحدى أكثر الدولة ودية لإسرائيل في المنطقة… اجتماعا في 25-26 يونيو لدعم الاستثمار في المناطق الفلسطينية.

هذه هي الخطوة الأولى في الخطة، الاقتراح أو الرؤية التي صاغها فريق البيت الأبيض بقيادة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره الكبير، لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

يبدو أن اللغة التي استعملها فريق كوشنر في الأسابيع الأخيرة خفضت من سقف التوقعات: “ورشة” هو الوصف المفضل في البيانات الصادرة عن البيت الأبيض، ،ولن يحضرها سوى وزراء مالية وهي “رؤية” وليست خطة.

مع بقاء أسبوع حتى انعقادها، لا تزال هناك الكثير من الأسئلة، وليس فقط حول ما الذي يأمل كوشنر في تحقيقه، ولكن حتى حول من سيحضر الحدث وماذا ستكون النتيجة المرجوة.

من سيحضر القمة؟

ستشارك الولايات المتحدة والبحرين في استضافة القمة، وقائمة الجهات التي أكدت حضورها تشمل وزيري المالية الإماراتي والسعودي. حتى الآن هذ هي قائمة المدعوين الذين أكدوا حضورهم.

عُمان قالت إنها قد تقوم بإرسال وزير ماليتها، وقطر ستحضر المؤتمر كما أوردت تقارير. في الأسبوع الماضي قال مسؤول أمريكي لصحيفة “واشنطن بوست” إن الأردن ومصر والمغرب سيشاركون في القمة، ما أثار عاصفة من الانتقادات في العالم العربي. ولم يصدر عن المغرب ومصر تأكيد على حضورهما للمؤتمر.

حتى الأسبوع الماضي قال الأردنيون إنهم قد يحضرون، وإن كان ذلك فقط لتوضيح أن نتيجة أي صفقة يجب أن تشمل إقامة دولة فلسطينية. تجدر الإشارة إلى أن الأردن، الذي نصف سكانه من الفلسطينيين، في حالة ترنح بسبب تراجع إسرائيل والولايات المتحدة عن حل الدولتين.

من الذي لن يكون حاضرا؟

السلطة الفلسطينية لا تقاطع هذا الحدث فحسب، بل هي تقاطع عملية السلام التي يقودها كوشنر بالكامل. في البداية أعلنت عن دعمها لمبادرة ترامب – حيث اعتقد المسؤولون الفلسطينيون أن أوراق اعتماد ترامب المؤيدة لإسرائيل قد تنتزع من الإسرائيليين التنازلات اللازمة للدفع بالعملية السلمية قدما، إلا أن الأمور ساءت بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يحضر جلسة للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية في مقر المنظمة في القاهرة، 21 أبريل، 2019. (MOHAMED EL-SHAHED / AFP)

وقد أعلن العراق عدم حضوره، معللا ذلك بتضامنه مع الفلسطينيين، وأصدر رجال أعمال فلسطينيون بيانا من خلال مجموعة مظلة أعلنوا فيه رفضهم لنتائج القمة، مؤكدين على أن التطلعات الوطنية تأتي قبل التنمية الاقتصادية.

وقال أسامة عمرو، رئيس المجموعة، لموقع “ذا ميديا لاين”، وهو موقع إخباري متخصص بأخبار الشرق الأوسط، إن “القطاع الخاص يرفض أي محاولات للالتفاف على مسألة حقوق السيادة للشعب الفلسطيني”.

وأعلن أشرف الجعبري، وهو رجال أعمال فلسطيني من الخليل نيته حضور المؤتمر، لكنه على خلاف مع القيادة الفلسطينية.

إسرائيل من جهتها لن تقوم بإرسال مسؤولين، لكن المنسق السابق في الأراضي الفلسطينية، يوآف مردخاي، سيحضر المؤتمر، خلاف ذلك، سيكون عدد “أحادي الرقم” من رجال الأعمال الإسرائيلييين حاضرا.

بداية بدا أن مسؤولين إسرائيليين سيشاركون في القمة، لكن وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، وضح هذا الأسبوع أن الوفد سيضم رجال أعمال فقط.

البريغادير جنرال يوآف مردخاي يتحدث مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حينذاك بيني غانتس، بالقرب من رام الله، 27 فبراير، 2013. (Yonatan Sindel/Flash90)

ما الذي يمنع مشاركة إسرائيل في القمة؟

كبير المفاوضين في فريق ترامب، جيسون غرينبلات، قال إن الصور المشتركة لرجال أعمال إسرائيليين وعرب ستكون سابقة لأوانها.

في حدث نظمته منظمة “شبكة القيم العالمية” التابعة للحاخام شمولي بوتيش في نيويورك قال غرينبلات، بحسب ما نقله موقع “جويش إنسايدر”: “إننا لا نبحث عن مجرد صور فوتوغرافية، إذا صح التعبير. الأمر أكثر جوهرية من ذلك. إن إسرائيل ليست دولة مانحة ولا مستفيدة من المشاريع”.

وقال ديفيد ماكوفسكي، وهو زميل بارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن الدول العربية قد تكون متخوفة من الظهور مع مسؤولين إسرائيليين، خشية أن ينظر إلى أي نوع من المودة على أنه دعم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يجد نفسه حاليا تحت حصار سياسي ويواجه انتخابات صعبة في سبتمبر.

المبعوث الأمريكي الخاص جيسون غرينبلات يتكلم في مؤتمر في مدينة نيويورك، 16 يونيو، 2019. (Marc Israel Sellem/POOL)

وقال ماكوفسكي، الذي سيحضر مؤتمر البحرين بصفة ضيف بدعوة من المنظمين الأمريكيين والبحرينيين: “لا نعرف الإجابة، لكنني أتساءل ما إذا كان الخوف انتاب الدول العربية بسبب الانتخابات الإسرائيلية الجديدة واعتقدت أنه قد يُنظر إليها على أنها تتدخل بطريقة أو بأخرى بالانتخابات الإسرائيلية”.

لقد أصر المسؤولون في إدارة ترامب، ومن ضمنهم كوشنر، ونتنياهو لأشهر على أن الدول السنية العربية تغيرت، وأصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى احتضان إسرائيل. هذه النظرة قد تكون سابقة لأوانها، بحسب ما  تقوله تمارا كوفمان ويتيس، وهي زميلة بارزة في معهد “بروزكينغز” والتي كانت مسؤولة رفيعة المستوى في شؤون الشرق الأوسط في إدارة أوباما.

وقالت: “ما نسمعه من مسؤولي البيت الأبيض منذ قرار نقل السفارة إلى القدس هو رفض فكرة أن الفلسطينيين يشكلون قضية بارزة في العالم العربي”، مشيرة إلى أن المسؤولين في إدارة ترامب سخروا من أولئك الذين توقعوا أن تثير خطوة نقل السفارة أعمال شغب.

وأضافت كوفمان ويتيس: “هذا يكشف عن سوء فهم أساسي للطريقة التي تدور فيها القضية الفلسطينية. إن المسألة هي مسألة شعور عام” لصالح الفلسطينيين، وتابعت قائلة “عندما يشعر هؤلاء القادة العرب بالقلق إزاء أمن نظامهم وشرعيته وقمع الاحتجاجات، فلا يمكنهم السماح لأنفسهم بقمع احتجاجات شعبية تتعلق بفلسطين”.

وقال غرينبلات إن القمة قد تكون مختلفة لو حضرها الفلسطينيون.

وأضاف: “لو كانت السلطة الفلسطينية على استعداد للحضور، فكنا بالطبع سنوجه دعوة لإسرائيل. تواجد كلاهما في القاعة لا يمكن أن يكون إلا ايجابيا”.

وقد يكون هناك عامل آخر وهو اعتبارات نتنياهو الإنتخابية. أي انخراط مباشر للحكومة الإسرائيلية في العملية السلمية، مهما كان أوليا، سيثير على الأرجح اتهامات من أحزاب على يمين حزبه “الليكود” بأن نتنياهو على استعداد لتقديم تنازلات.

من يضغط على من؟

لقد قال مسؤولون أمريكيون، ومن ضمنهم غرينبلات والعضو الآخر في فريق كوشنر، السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، إنه لولا الضغوط التي مارستها السلطة الفلسطينية، لكان رجال الأعمال الفلسطينيون سيحضرون القمة، ولكنهم لم يقدموا أي دليل على ذلك. السلطة الفلسطينية من جهتها قالت إنها تعرضت لضغوط من دول عربية سنية طالبتها بعدم انتقاد الأطراف التي ستحضر القمة، وفقا لما نقله موقع “ألمونيتور” الإخباري.

لقطة شاشة من مقطع فيديو للسفير الأمريكي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، خلال مقابلة أجرتها معه هيئة البث العام الإسرائيلية “كان” وبثتها في 27 سبتمبر، 2018. (YouTube)

ما الذي من المفترض أن يحدث؟

عبر حسابه على “تويتر” ومن خلال البيت الأبيض، أعلن غرينبلات عن مقال رأي كتبه هذا الأسبوع لشبكة CNN قال فيه إن الورشة هي “فرصة في جيل”، لكن المقال لا يوضح  ماهية هذه الفرصة: الفقرات الثلاث الأولى مبهمة وتستخدم كلمات حركية يراها المرء عادة في خطب لأنشطة تواصل اجتماعي (“رؤية”، “تحفيز”، “مشاركة”، “تعزيزات”).

الفقرات الـ 11 المتبقية استُخدمت لمهاجمة صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين الذي تحدث ضد الورشة وكان مرة صديقا لغرينبلات. المقال يهاجم عريقات بقوة، ويخاطبه باسمه الأول.

ويكتب غرينبلات، “حسنا يا صائب، إن السلطة الفلسطينية بالكاد تملك المال بسبب كل الهدر والفساد والمبالغ المدفوعة للإرهابيين”.

امين عام منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات خلال مؤتمر صحفي في اعقاب لقاء مع دبلوماسيين في رام الله، الضفة الغربية، 30 يناير 2019 (Abbas Momani/AFP)

وقد أعلن كوشنر وغرينبلات أن الجزء السياسي من خطتهما للسلام لن يظهر إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية.

وذكرت تقارير أن كوشنر يأمل في الحصول على تعهدات تتراوح قيمتها بين 50-70 مليار دولار على المدى البعيد، ولكن من غير الواضح ما إذا كان يتوقع الإعلان عن هذه المبالغ في هذا المؤتمر.

وقال ماكوفسكي إنه لا يأمل برؤية “رؤية” طويلة الأجل للاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني فحسب، وإنما أيضا أهداف على المدى القريب تعالج حالة البنى التحتية الرهيبة في قطاع غزة، بما في ذلك مياه الصرف الصحي وإمدادات المياه والكهرباء.

وقال: “سواء كانت هذه رؤية أو خطة، فهي في جوهر ذلك”.

وقال جوناثان شانزر، وهو نائب رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن الحصول على تعهدات جوهرية من الدول العربية سيكون بمثابة مكسب كبير.

“إذا كانت هناك التزامات حقيقية من العالم العربي مستمدة من ثروته النفطية الهائلة من أجل تحسين وضع الفلسطينيين والدفع بالسلام، فسيكون هذا المؤتمر مفيدا للغاية”، كما قال شانزر، وهو خبير في الاقتصاد الفلسطيني.

كيف سيتم تحويل هذه الأموال للفلسطينيين هو مسألة أخرى بالنظر إلى الفساد الموثق في الضفة الغربية وسيطرة حركة “حماس”، التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، على قطاع غزة.

تقول دانييل بليتكا، وهي نائبة الرئيس الأولى للسياسة الخارجية والدفاعية في معهد “أمريكان إنتربرايز”، إن حتى الاكتفاء بوضع خطوط عريضة لكيفية عمل الاقتصاد الفلسطيني بصورة معيارية قد يكون مفيدا.

وقالت: “أي شيء يضع الفلسطينيين على الطريق الصحيح نحو اقتصاد أكثر استجابة لاحتياجات شعبهم ليس بالأمر السيء”.