في يوم الخميس الماضي، انتشرت شائعات بان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سوف يقوم بإعلان كبير خلال خطاب امام مؤتمر رؤساء المنظمات الامريكية اليهودية الكبرى، وحتى انه سوف ينادي لانتخابات مبكرة.

قبل اسبوع بالضبط، اوصت الشرطة بتقديم لوائح اتهام ضده بتهم رشوات في تحقيقي فساد، وبعدها، تنامت الادعاءات ضده في تحقيق فساد اخر بشكل كبير. وكان الخطاب امام القادة الامريكيين اليهود فرصته الأولى لمخاطبة الجماهير الإسرائيلية في اعقاب الاتهامات الجديدة. ومتوقعين ردود فعل حادة، او حتى الاعلان عن انتخابات جديدة، وصل اكثر من 70 صحفيا الى فندق عنبال في القدس مع حضور نتنياهو لمخاطبة الامريكيين.

ولكن خيب نتنياهو أمل الاعلام الإسرائيلي، في خطاب استمر حوالي ساعة، بتقديمه للجمهور الامريكي ما توقعوه بالضبط. لم يتحدث عن الانتخابات. لم يذكر توصيات الشرطة. لا شيء عن التهم الجديدة. ولا حتى كلمة غاضبة حول الشرطة أو الاعلام، الذي اتهمه سابقا بنشر “ادعاءات كاذبة ومشوهة للسمعة” وقيادة “صيد ساحرات” ضده.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخاطب مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الامريكية الكبرى السنوي في القدس، 21 فبراير 2018 (Avi Hayoun/Conference of Presidents)

بدلا عن ذلك، فر نتنياهو من مصاعد مشاكله القانونية لبضعة دقائق، وركز بدلا عن ذلك عن مواضيعه المفضلة، تهديد إيران ومكانة اسرائيل المتنامية في العالم، خاصة نظرا لعلاقاته الجيدة مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب. والجمهور المناصر بشدة لإسرائيل استمتع من كل دقيقة، وقاموا بالتصفيق عدة مرات خلال الخطاب، الذي بدون شك تمتعوا منه اكثر لتجنبه ذكر تحقيقات الفساد المزعجة.

وردا على سؤال بعد الخطاب حول المصدر المحتمل للشائعات حول الانتخابات المبكرة، قال الناطق باللغة الانجليزية بإسم رئيس الوزراء، دافيد كيز، لتايمز اوف اسرائيل، “لا اعلم. نحن نركز على ايباك” – المؤتمر السنوي القريب للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية.

وفي يوم الجمعة، تم استجواب نتنياهو وزوجته، سارة، تحت طائلة التحذير كمشتبه بهما، وفقا لتقارير اعلامية عبرية، في تحقيق الفساد في شركة بيزك، المعروف بإسم “القضية 4000”.

ولكن هذا الاسبوع ايضا، قام نتنياهو مرة اخرى بالفرار من تحقيقات الفساد التي يواجهها في اسرائيل من اجل الاسترخاء في دفئ العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة، ملتقيا بترامب في البيت الابيض، ومخاطبة المجتمع الامريكي المناصر لإسرائيل في مؤتمر ايباك.

وبينما تلاشت هذه الشائعات الخاطئة حول الإنتخابات المبكرة (لتستبدلها انباء حقيقية على ما يبدو حول ازمة في ائتلاف نتنياهو قد تؤدي الى اجراء انتخابات جديدة في الاشهر القريبة)، سوف يستغل رئيس الوزراء زيارته الى الولايات المتحدة لعرض صورة قائد قوي ومستقر، بدون اي هموم.

تقسيم غنائم القدس

وفي بيان صدر مساء السبت، ساعات قبل ان يتوجه الى الولايات المتحدة، كشف نتنياهو اجندته المثالية للقائه مساء الاثنين بترامب، في كل من ملاحظاتهم العلنية، ولقائهم المغلق.

أولا، قال نتنياهو، “سأشكره في مقدمة الأمر على القرار التاريخي الذي قضى بنقل السفارة الأمريكية إلى أورشليم في عيد الاستقلال. هذه هي هدية كبيرة جدا لدولتنا”.

وسيتم افتتاح السفارة الامريكية الجديدة في القدس في مايو 2018، لتتزامن مع يوم الاستقلال السبعين لدولة اسرائيل، بحسب تأكيد ادارة ترامب في الشهر الماضي.

صورة لمبنى القنصلية الأمريكية في حي أرنونا في القدس، إسرائيل، 24 فبراير، 2018 .(Yonatan Sindel/Flash90)

وهذه بدون شك ستكون اول مسألة يتباحثها الزعيمان.

وبالنسبة لترامب، انها فرصة للإثبات لناخبيه انه يطبق تعهداته خلال الحملة الانتخابية، وخاصة خلال اسبوع فعل فيه العكس، عبر مخالفته الجمهوريين بدعمه رفع الجيل الادنى لملك السلاح، تشديد فحص الخلفية، ومصادرة بعضا لأسلحة بدون اجراءات قانونية.

وبالنسبة لنتنياهو انها فرصة للإثبات ان استراتيجيته – اغراق ترامب بالامتنان المبتذل وتجنب اي خلاف علني، تقريبا، مع الادارة الامريكية – ناجحة. بمعانقة الرئيس في المكتب البيضوي ووصفه مرة اخرى ب”صديق حقيقي” لإسرائيل، يأمل رئيس الوزراء تبني مسؤولية اعلان ترامب في 6 ديسمبر عن الاعتراف بعاصمة اسرائيل واطلاق المخططات لنقل السفارة الامريكية الى هناك.

جبهة موحدة ضد إيران

بعد الاشادة بالخطوة، قال نتنياهو في تصريحه يوم السبت انه سوف “أبحث معه سلسلة من المواضيع وعلى رأسها إيران وعدوانها وطموحاتها النووية وعملياتها العدوانية في الشرق الأوسط وعلى حدودنا، على جميع حدودنا”.

وقد عبر ترامب عن قلق بأن اجزاء من الاتفاق النووي الإيراني سوف ينتهي مفعولها عام 2026 وأن الإتفاق لا يتطرق الى برنامج إيران الصاروخي، نشاطاتها الاقليمية، او انتهاكاتها لحقوق الانسان. وقد وضع شروط ل”اصلاح” الاتفاق التي يجب تطبيقها كي لا ينسحب منه، تشمل زيادة الفحوصات، ضمان “عدم اقتراب إيران ابدا من الحصول على اسلحة نووية”، وان لا ينتهي مفعول الاتفاق.

وفي شهر يناير، وقع ترامب على تثبيت للاتفاق، ولكنه تعهد ان هذه المرة الاخيرة التي يوقع فيها عليه الا في حال موافقة الدول الاخرى على العمل من اجل تعزيزه. وعلى ترامب التوقيع على التثبيت مرة أخرى في 12 مايو.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعرض قطعة من طائرة مسيرة إيرانية خلال خطاب في مؤتمر موينيخ الامني، 18 فبراير 2018 (Screen capture)

وفي الشهر الماضي، قال نتنياهو لصحفيين ان خطابه حول العداء الإيراني امام مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث عرض جزء من طائرة مسيرة إيرانية تم اسقاطها داخل المجال الجوي الإسرائيلي، “كان يهدف للتطرق الى عداء إيران الحالي في الميدان والتأثير على ما سيحدث في واشنطن خلال بضعة اشهر”.

وادعائه المركزي هو انه في حال اعادة فرض الولايات المتحدة لبعض العقوبات ضد إيران، ستضطر دول في انحاء العالم الاختيار بين الاقتصاد الإيراني، مع ناتج محلي اجمالي قيمته 500 مليار دولار، او الاقتصاد الامريكي، مع ناتج محلي اجمالي يصل 20 ترليون دولار.

وسحق إيران بدون شك هي في مركز مبادرات نتنياهو الدبلوماسية العالمية في تسع السنوات الاخيرة التي تولى فيها منصب رئيس الوزراء، وحتى قبل ذلك. انه منتقد شديد للاتفاق النووي الذي وقع عام 2015، وكانت خلافاته حول الاتفاق مع ادارة اوباما علنية وحادة.

وعداء ترامب المشابه لإيران والاتفاق النووي (وربما الاهم من ذلك، اتجاه أوباما) منح نتنياهو حليف قوي في حملته المستمرة ضد الجمهورية الاسلامية. ولا شك انه يأمل بأن ينتج لقاء يوم الاثنين بجبهة اسرائيلية امريكية مشتركة جديدة ضدها.

سلام ’تاريخي’

وفي خاتمة تصريحه يوم السبت حول اللقاء المخطط مع ترامب، اضاف نتنياهو، “سوف اتحدث مع الرئيس حول دفع السلام”.

عدم الحماس، مقارنة بتصريحاته حول القدس وإيران، تشير الى قلقه بأن علاقته المقربة مع ترامب قد تتضرر نتيجة مبادرة الادارة التي لا تزال مجهولة للسلام، بالإضافة الى تشكيكه بإمكانية تحقيقها اي نتيجة.

المشكلة الوحيدة في علاقة نتنياهو وترامب في اعلام الاخير كانت عند اصدار البيت الابيض لنفي حاد لادعاء رئيس الوزراء في الشهر الماضي بأنه قدم لإدارة ترامب مقترحات لضم الضفة الغربية، وانه ربما حصل على موافقة ضمنية.

وقد اعلن نتنياهو خلال جلسة لحزب الليكود انه يجري محادثات مع البيت الابيض حول مبادرة “تاريخية” لضم مستوطنات في الضفة الغربية، ولكن في رد نادر على ملاحظات صادرة عن رئيس وزراء اسرائيلي، نفى الناطق باسم البيت الابيض تماما هذه الادعاءات.

الدعم الامريكي لهذه الخطوة بمثابة تغيير حاد بسياسة الامريكيين، الذي طالما اعتبروا المستوطنات عقبة امام السلام، بينما يعتبرها معظم المجتمع الدولي غير قانونية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يلتقيان على هامش منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، سويسرا، 25 يناير، 2018. (AFP Photo/Nicholas Kamm)

وكان ذلك سوف يلغي ايضا اي امل باقي لنجاح تخطيط ترامب لتحقيق “صفقة العصر” بين اسرائيل والفلسطينيين.

وقد قضى مبعوث ترامب للمفاوضات، صهره جاريد كوشنير، مع طاقم صغير، العام الاخير بالجهيز لخطة السلام المنتظرة.

ولكن كوشنير يواجه عاصفة سياسية قاسية، خطته لا زالت مجهولة، والفلسطينيين يرفضون حتى الحديث مع البيت الابيض.

في حال خروج ترامب عن النص وحديثه عن الخطة كطريق تمهيد لقيام دولة فلسطينية، يمكنه ان يهدم احلام نتنياهو. ولكن من المرجح اكثر ان يثير الرئيس غضب الفلسطينيين، ورئيس الوزراء يعلم ذلك.

في لقائهما الاخير، في المؤتمر الاقتصادي العالمي في دافوس، قال ترامب، في ملاحظات عفوية، ان الولايات المتحدة لن تقدم مساعدات مالية للفلسطينيين بعد الا في حال مشاركتهم في مفاوضات سلام مع اسرائيل، وانتقد رد فعل القيادة الفلسطينية على قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

“هذه الاموال لن تصلهم الا إن يجلسوا ويتفاوضوا على السلام، لأنني اعلم ان اسرائيل تريد تحقيق السلام، وعليهم ارادة السلام ايضا، والا لن نتعامل معهم ابدا بعد الان”، قال، الى جانب نتنياهو، المتفاجئ بشكل ظاهر، ولكن مبتسما.

تحديد النبرة في ايباك

وبعد لقائه بترامب، سيكون امام نتنياهو يوما كاملا تقريبا بدون اي احداث، كي ينهي تجهيز خطابه امام ايباك، وتحويل الظهور العلني مع الرئيس الى موضوع حديث لـ -18,000 الحاضرين في المؤتمر.

وفي خطابه الأول هناك منذ ثلاث سنوات – خاطب المؤتمر في عامي 2016-2017 عبر الفيديو من اسرائيل – على الارجح ان يلقى ترحيب النجوم.

ولا شك انه سوف يحصل على تصفيق حار، تماما كما حصل في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الامريكية الكبرى.

وعلى الأقل اثناء خطابه، صوت تصفيق الجماهير الحار سوف يغرق عويل سيارات الشرطة في اسرائيل.