من الصعب التهرب من تعريف مخيم شعفاط للاجئين بأنه قنبلة موقوتة. من بين كل الأماكن في الأراضي الفلسطينية، يبدو أنه الأكثر خطورة في هذه الأيام.

هنا، على بعد 400 مترا من بيوت حي “بيسغات زئيف” في القدس، وعلى بعد مئات الأمتار من حي “التلة الفرنسية”. إنه مركز يومي لإلقاء الحجارة، وفي أشهر الصيف الماضية، كان أيضا مركزا لمواجهات عنيفة وواسعة النطاق.

من هنا خرج أحد منفذي هجمات الدهس في القدس، إبراهيم العكاري، الذي كان ناشطا في حماس، وقتل في شهر نوفمبر الماضي شرطيا من حرس الحدود وأصاب 11 آخرين. كميات الأسلحة الموجودة هنا تٌقدر بحسب سكان المخيم بالآلاف. نسبة الجريمة كبيرة بشكل متطرف مقارنة بكل مكان آخر في إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية.

ولكن غير كل ذلك، يبرز المخيم ببؤسه وفي الروائح الكريهة فيه وبمستوى المعيشة المتدني. بكلمات أخرى، أهلا وسهلا بكم إلى الجحيم.

في شعفاط، في الأحياء الجديدة التي تم بناؤها بالقرب من مخيم اللاجئين يعيش اليوم أكثر من 80 ألف نسمة. الكثافة السكانية كبيرة جدا. معظم المباني الجديدة، التي بالإمكان رؤيتها من الشارع المؤدي إلى البحر الميت، تم بناؤها دون تراخيص وبعدة طوابق ودون طريق للوصول إليها. المدينة الفلسطينية الحديثة-القديمة الآخذة بالتوسع بإستمرار محاطة بالجدران والأسوار. معظم السكان يحملون الهوية الإسرائيلية، ولكن جزء منهم فقط يتمتع بمكانة مواطن إسرائيلي.

هذه “المدينة” مقسمة إلى أربعة أحياء أو مناطق رئيسية. أقدمهم هو رأس خميس، الذي تم نقل اللاجئين الأصليين إليه بعد حرب الستة أيام من الحي اليهودي، في عملية منظمة للحكومة الإسرائيلية. بالإجمال، كان في المخيم في ذلك الوقت 450 وحدة سكنية. مع الوقت نزح اللاجئون شرقا إلى أسفل الجبل، إلى منطقة تتواجد فيها حاليا معظم المنازل في المخيم. لدى هؤلاء مكانة “لاجئين” خاصة بحسب تعريف الأمم المتحدة، والمنطقة التي يعيشون بها ليست جزءا من المنطقة التي تقع تحت صلاحية بلدية القدس. من هنا، فإن مسؤولية الإهتمام بالمخيم تقع على عاتق وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينين، أو ما تُعرف بالأونروا.

صورة لمخيم شعفاط من حي بسجات زئيف اليهودي شرقي القدس (Miriam Alster/Flash90)

صورة لمخيم شعفاط من حي بسجات زئيف اليهودي شرقي القدس (Miriam Alster/Flash90)

الحيان الجديدان اللذان يسكن فيهما حوالي نصف السكان، راس شحادة وحي السلام، تم بناؤهما على أرض تابعة لبلدية القدس. سكان الأحياء الجديدة ليسوا لاجئين بالضرورة، بل فلطسينيون جاءوا من المخيم أو من الضفة الغربية: الخليل ونابلس وأماكن أخرى كثيرة غيرها. قرب الميخم من القدس، والأسعار الرخيصة للشقق السكنية، جذبا إلى هنا عددا كبيرا من العائلات. ولأن الحديث يدور عن أرص تابعة للقدس، فمن المفترض أن تكون البلدية مسؤولة عن الإهتمام بمشاكل النظافة العامة والكهرباء والتعليم للسكان. على الرغم من المحاولات لتقديم خدمات كهذه، فهي في أفضل الحالات محدودة وجزئية.

منذ ساعات الصباح الباكر يمتد خط طويل من المركبات على طول الشارع الرئيسي، الذي يفصل بين بيوت المخيم وبين الأحياء الجديدة (أو بين القدس وما هو ليس القدس)، يصل إلى حاجز التفتيش عند المدخل إلى المدينة. بالكاد توجد هنا طرق معبدة ولا توجد أرصفة. قبل أسابيع قليلة فقط قُتلت هنا طالبة بعد دهسها بينما كانت تسير على الشارع لأنه لم يكن لديها خيار آخر.

وربما أكثر الأشياء التي يصعب تحملها هو الرائحة. جبال النفايات تتراكم هنا في كل زاوية وتعلو منها سحب الدخان. يدرك السكان أنه لا يوجد هناك من سيقوم بجمع النفايات، فيقومون بحرق القمامة ويجتاح الدخان المنطقة بأسرها. يقوم مقاولو البلدية بجمع القمامة في الأحياء الجديدة مرتين في الأسبوع فقط، على الرغم من ضرورة جمعها أكثر من مرة باليوم. بالكاد تظهر شاحنات القمامة التابعة لأونروا في مخيم اللاجئين. أحد الجيران أقسم لي أنه لم يتم جمع القمامة من أمام بيته منذ أكثر من 20 يوما.

بين المطرقة والسندان

التقينا مع نور الدين عند مدخل بيته في المنحدرات الشمالية للمخيم، ليس بعيدا عن “بيسغات زئيف”. يجلس هنا منذ ساعات الصباح وينظر إلى كومة القمامة الهائلة التي يعلو منها الدخان أمام بيته.

يقول من دون إعطاء تفاصيل، “أطلب من اللناس أن يتوقفوا عن إلقاء النفايات. هذا مدخل منزلي. الأونروا لا تقوم بجمعها، والكومة آخذة بالإزدياد. أحذر الناس هنا بالتوقف، وأعرف أنه لن يكون أمامي خيارا سوى التصرف”.

اعتُقل نور الدين في أيام الإنتفاضة الأولى وقضى في السجن 12 عاما. يبلغ من العمر (43 عاما)، وهو أب لستة أولاد، وهو ليس بحاجة إلى التعبير عن إحباطه وغضبه بالكلمات. تكفي نظرة صغيرة على كومة النفايات أمام بوابة منزله لفهم كل شيء.

يقول بلغة عبرية متقنة لمقدسي منذ الولادة، “كانت هنا حاوية قمامة من حديد ولكنها كانت صغيرة جدا. مضت عدة سنوات، عدد السكان هنا آخذ بالإزدياد، ولكن الحاوية ظلت كما هي. تتجمع القمامة هنا بالأطنان”، ويتابع قائلا أن “الأونروا لا يقومون بجمع القمامة لأنهم كما يقولون غير قادرين على فعل ذلك. يقولون أنه لا يوجد لديهم عدد كاف من العمال والموارد للإهتمام بإحتياجاتنا. مدير الأونروا في المخيم، الذي يجلس طوال اليوم في المكتب بعيدا عن السكان، يقول أنه منذ عام 1967 لم يتغير أي شيء من حيث مجال عمله”.

“المنظمات الفلسطينية أيضا لا تساهم بأي شيء. [حركة] فتح غير موجودة في المخيم، هذا خيال. توجد هناك ’لجنة شعبية’ من المفترض أن تهتم بالشؤون الجارية في المخيم نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية. ولكنهم لا يقومون بأي شيء. توجهت إلى المؤسسات التي تحول الأموال للجنة الشعبية وطلبت منهم وقف التمويل لأنهم لا يقومون بأي شيء”.

– لماذا الوضع سيء إلى هذه الدرجة؟

شبان فلسطينيون خلال اشتباكات مع شرطة حرس الحدود عند مدخل مخيم شعفاط، 5 نوفمبر 2014 (Hadas Parush/FLASH90)

شبان فلسطينيون خلال اشتباكات مع شرطة حرس الحدود عند مدخل مخيم شعفاط، 5 نوفمبر 2014 (Hadas Parush/FLASH90)

“نحن نقع بين الكراسي. فنحن غير قريبين من السلطة الفلسطينية مثل مخيمات لاجئين أخرى تقوم بالإهتمام بشؤونها، حتى ولو بشكل جزئي. إننا قريبون من القدس. ولكن السكان هنا لا يحصلون على خدمات من البلدية. لا يريدون الجدار. يريدون أن تستثمر البلدية بنا. بعض السكان هنا يدفعون الضرائب. إننا بين المطرقة والسندان. لا يوجد من يهتم بنا. وهذا طبعا يؤدي إلى رد فعل متطرف عند كثير من السكان.

“هناك الكثير من الأشخاص المتعلمين والمثقفين في المخيم الذين يفكرون بطريقة إيجابية. يتحدثون عن حوار مع البلدية، ومع السلطة المحلية في إسرائيل ومع السلطة الفلسطينية. ولكن هناك آخرين أقل هدوءا ويريدون الرد بعنف. حرق وتدمير الأشياء.

“أنا شخصيا أعتقد أنه يجب أن يكون هناك علاج جذري. على الرغم من أن الكثيرين يقولون لي أنه لا يوجد هناك حل لوضعنا. ولكن بحسب رأيي إذا كان هناك تعاون بين كل الجهات قد يؤدي ذلك إلى تغيير: الأونروا وبلدية القدس وسكان المخيم. ولكن حتى ذلك الحين؟ أخجل من دعوة أشخاص إلى هنا، ضيوف من خارج المخيم. أخجل.

“أتريد أن ترى شيئا”، يقول لي، “إتبعني”.

نتبع أنا والمصور يوتام نور. على بعد عشرين مترا من منزله أسمع خرير نهر. تدفق مياه قوي وثابت. يشير إلى حفرة صرف صحي مفتوحة، عرضها متر ونصف وتجري بين المنازل. “نهر شعفاط”. من الصعب تصديق ذلك. أسقف القرميد في “بيسغات زئيف” قريبة جدا منا، وهنا تسير مياه الصرف الصحي للمخيم، بشكل واضح للعيان.

“هل فهمت عن ماذا كنت أتحدث؟ توجهنا إلى الأونروا وقالوا لنا أن ذلك ليس في نطاق مسؤوليتهم لأنه ليس في نطاق المخيم. البلدية قامت بعمل جزئي، غطت قسما من المجاري وأدخلته إلى أنابيب. ولكن ما زال جزء كبير منه يجري بحرية داخل المخيم. انظر، هنا يصب في الوادي. هل تستوعب ذلك؟”

من الصعب تصديق أنه في القدس 2015، يوجد مكان كهذا.

“قبل 15 سنة غرق طفل هنا بعد أن سقط في الحفرة”. جاره علقم سليمان، الذي يعمل في قسم النظافة العامة في بلدية القدس، يتدخل في المحادثة. “نريد من وزارة الصحة في حكومتكم، حكومة اليهود، أن تأتي ويري ذلك. هل تدرك ما هي الأمراض التي ينشرها؟ إذا قام أحدهم بإستخدام دورة المياه في راس خميس (أعلى التل) ينتقل ذلك إلى هنا بالقرب من منزلي. في النهاية لن يكون لدينا خيار آخر. سنقوم بإعغاق هذه الحفرة وسنرى عندها إذا كانوا لن يعملوا على حل المشكلة”.

“الإنتفاضة القادمة ستخرج من هنا”

بهاء نبابتة، ابن الـ (28 عاما)، هو أحد النشطاء المعروفين هنا في إطار “طاقم طوارئ السلام” الذي يعمل على الإهتمام بحالات الطوارئ في الأحياء الجديدة، وكذلك في مخيم اللاجئين. خضع هو وعدد من أصدقائه لدورات تدريبية في إدارة الإطفاء في القدس، في محاولة للإهتمام بحوادث وكوارث قد تقع في المكان. في الشتاء الماضي نجح في إنقاذ عائلة من حريق، ويرجع الفضل في ذلك بجزء منه إلى الدورات التدريبية التي خضعوا لها. الفكرة وراء تشكيل هذا الطاقم كانت، أنه ونظرا لإمكانية إشتعال حرائق وحالات طبية أو حالات طارئة أخرى – وبسبب إمتناع المؤسسات الإسرائيلية من دخول المخيم – فعلى سكانه أن يوفروا ردا سريعا بأنفسهم.

يضم الطاقم أكثر من 20 عضوا. أحيانا يقومون بتقديم الإسعافات الأولية ونقل المرضى إلى الحاجز، حيث يلتقون هناك بسيارات إسعاف إسرائيلية لا تدخل المخيم. أحيانا يساعدون في إخلاء الطرق في أيام تساقط الثلوج، أو يقدمون المساعدة للمسنين الذين يقعون في محنة.

ويقول النبابتة: “الإنتفاضة القادمة، إذا أتت، ستخرج من هنا. وليس من رام الله أو بيت لحم (…) أنظر إلى القرية المجاورة لنا، عناتا. الوضع هناك مختلف كليا”.

عناتا، القرية التي تقع على الحدود الشرقية لمخيم اللاجئين، تُعتبر قرية تقع تحت السيادة المدنية للسلطة الفلسطينية. في اليوم الذي زرنا به شعفاط، جرت هناك، بموافقة إسرائيلية، حملة لقوى الأمن الفلسطينية في أعقاب جريمة قتل وقعت في القرية.

متظاهرون فلسطينيون بين دخان الغاز المسيل للدموع خلال مواجهات في شعفاط في القدس الشرقية، 4 يوليو 2014 (AFP/ THOMAS COEX)

متظاهرون فلسطينيون بين دخان الغاز المسيل للدموع خلال مواجهات في شعفاط في القدس الشرقية، 4 يوليو 2014 (AFP/ THOMAS COEX)

القرية أنظف من المخيم دون أي وجه للمقارنة. والإستثمار هناك يبدو واضحا. يتساءل نبابتة غاضبا، “في مدرستهم هناك ملعب كرة قدم، فلماذا لا يوجد عندنا؟”، ويضيف أن “نسبة السلاح الموجودة هنا في المخيم غير معقولة. منذ بداية العام قُتل عندنا 4-5 أشخاص. عدد حوادث السرقة كبير جدا. يسرقون هنا الجميع: المحلات التجارية والمسنين والمسنات ويطلقون النار على المنازل ويحرقون السيارات.

مضيفا: “كنا نسمع عن الجواريش في الرملة. هنا الوضع أسوأ. لا توجد هنا شرطة إسرائيلية ناهيك عن السلطة الفلسطينية. كل شخص هنا يشعر بأنه ملزم بالدفاع عن نفسه وحمل السلاح. ومن غير الممكن تحديد نوع السلاح، أهو قومي أو جنائي. بهذا السلاح يطلقون النار في حوادث جنائية وفي الأعراس، وبعد ذلك في حوادث أمنية أيضا. قبل أسبوعين أطلقوا النار على شاب يبلغ من العمر (17 عاما)، إسمه منتصر. لماذا؟ بسبب جدال تافه”.

“عندنا في المخيم كميات هائلة من المخدرات وتجار المخدرات. الجميع يعرف أين يعملون وأين يقفون. والشرطة لا تحرك ساكنا. السموم هنا دمرت عائلات كاملة، خاصة ’نايس غاي’. ولكنا يوجد هنا كل شيء. يوجد هنا بيوت تنتج ’نايس غاي’، مصانع صغيرة، أتفهم ما أقوله؟ ومرة أخرى، الشرطة تعرف عن هذه الأماكن ولا تقوم بالتصرف. في نهاية المطاف، إذا لم تقم إسرائيل بالتصرف، هي من سيدفع الثمن.

“على إسرائيل أن تقرر، هل الأرض تحت سيطرتها أم لا. إذا كان الجواب لا، ليسمحوا إذا للسلطة الفلسطينية بالعمل هنا وأعدك أنه خلال أسبوع ستكون الأمور على ما يرام. أو أن يأتي الإسرائيليون لفرض النظام وفي هذه الحالة أيضا أعدك بأن يهدأ الوضع. ولكن في الوقت الحالي قرروا ألا يقرروا. الوضع هنا في المخيم على حافة الإنفجار. وبدلا من العمل هنا كما يجب، يقومون ب’حملة’ وبعدها يهربون”.

مشكلة القدس بشكل عام

الوضع في مخيم شعفاط للاجئين هو الأسوأ. صحيح أنه لو كانت مشاكل القدس تتلخص بذلك، لكان الوضع الأمني أفضل بكثير. في أماكن أخرى أيضا في البلدة الشرقية هناك حالة غليان ضد السلطات الإسرائيلية وكثُر الحديث عن إنتفاضة، على عكس الوضع في الضفة الغربية حيث أن فكرة “الإنتفاضة الثالثة” آخذ بالإبتعاد أكثر وأكثر.

العيساوية والرام وضاحية البريد وكفر عقب وأبو ديس والطور، كل هذه الأحياء والقرى في القدس الشرقية يتم ذكرها أكثر وأكثر في السنة الأخيرة في سياق عمليات ومواجهات وعنف.

اقرباء واصدقاء محمد ابو خضير، 16، يحملون جثمانه الى المسجد خلال جنازته في مخيم شعفاط، 4 يوليو 2014 (AFP/ Thomas Coex)

اقرباء واصدقاء محمد ابو خضير، 16، يحملون جثمانه الى المسجد خلال جنازته في مخيم شعفاط، 4 يوليو 2014 (AFP/ Thomas Coex)

مصدر الغليان هو في المسجد الأقصى، ولكن لجريمة قتل الفتى محمد أبو خضير في شهر يوليو الماضي دور رئيسي في تدهور الوضع في المدينة.

إلى هذه الأمور يجب أن يُضاف عدم وجود قيادة فلسطينية معروفة وقوية (يوم الإثنين صادف مرور 14 عاما على وفاة فيصل الحسيني، أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية البارزين والذي كان يُعتبر قائد المنظمة في القدس)، والوضع الإقتصادي والإجتماعي الصعب للشباب الفلسطيني في المدينة.

كل ذلك يخلق شعورا مقلقا: من بين كل الأماكن في الضفة الغربية، إذا “حلت كارثة” لا سمح الله في يوم من الأيام، فإن القدس الشرقية هي التي ستؤدي إلى تصعيد التوتر.