في رحلتها إلى الخارج مؤخرا، تحدثت التايمز أوف إسرائيل مع مصادر إنفاذ القانون التي أكدت ما إشتبهنا به منذ فترة طويلة ولكن فضلنا عدم تصديقه. في الوقت الذي تكرس فيه هيئات إنفاذ القانون في الخارج جهودا وموارد كبيرة لمعالجة صناعة الخيارات الثنائية، الفوريكس، والتشفير التجريبي وغيره من عمليات الاحتيال المالي المنبثقة من إسرائيل، فإن الشرطة الإسرائيلية وهيئات إنفاذ القانون الأخرى لا تتعاون بفاعلية مع هذه الجهود، وفي بعض الأحيان تعمل بنشاط على تقويضها.

الطلبات من الخارج للمساعدة لإحضار عملاء الخيارات الثنائية إلى العدالة، على سبيل المثال، تقابلها استجابة بطيئة وجزئية للغاية، وفي بعض الحالات دون رد على الإطلاق، حسب ما تم إخبار التايمز أوف إسرائيل. إن التأكيد على “أننا حظرنا الخيارات الثنائية” كثيرا ما يعبر عنه المسؤولون الإسرائيليون، كما أخبرنا موظفون مكلفون بإنفاذ القانون في الخارج، كما لو أن حقيقة أن إسرائيل أصدرت قانونا في أكتوبر الماضي يحظر هذا النوع من الاحتيال يعني أنه لا داعي لجلب عدة آلاف من الجناة إلى العدالة.

على مدى العقد الماضي، أصبحت إسرائيل مركزا عالميا لعمليات الاحتيال الاستثماري، حيث تستخدم أكثر من 10 آلاف مواطن – كثير منهم من المهاجرين الجدد والمتحدثين بلغة أجنبية – في مراكز في جميع أنحاء البلاد، حيث تباع خيارات ثنائية احتيالية، عقود عملات أجنبية، عقود مقابل الفروقات (عقود الاختلافات) واستثمارات عملة خفية عبر الهاتف والإنترنت لأشخاص في الخارج. يتم إغراء الضحايا بالاستثمارات تحت ذرائع زائفة، وتفقد الأغلبية العظمى أموالهم. عندما يحتج الضحية، يختفي “الوسيط” في كثير من الأحيان مع المال. وقدر أن الاحتيال في الخيارات الثنائية وحده كان يكسب ما بين 5-10 مليارات دولار في السنة قبل أن يحظره قانون الكنيست الذي بدأ سريانه في 26 يناير من هذا العام. لقد تجاهل بعض عملاء الخيارات الثنائية الحظر، واستمروا في العمل من إسرائيل، في حين أن آخرين يبيعون الآن العملات الأجنبية المزورة أو الاستثمارات في العملات الأجنبية، وما زال آخرون الذين قاموا بنقل مراكزهم إلى بلدان مثل روسيا، أوكرانيا، الفلبين، بنما، بولندا، ألبانيا، بلغاريا، قبرص، وصربيا.

ما الذي يمكن أن تمتلكه إسرائيل، وهي دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 9 ملايين نسمة تعتمد بشكل كبير على العلاقات التجارية والدبلوماسية والعسكرية مع الدول الغربية، لإعاقة جهود حلفائها لإحباط مجرمي إسرائيل الذين يحتالون على هذه الدول إلى العدالة؟ في الواقع، ألا ينبغي لإسرائيل أن تكون شاكرة لأي مساعدة يمكن أن تحصل عليها في معالجة ما اعترف به ضابط شرطة إسرائيلي كبير أنه مشكلة الجريمة المنظمة المتصاعدة في إسرائيل؟

مفتش الشرطة غابي بيتون في جلسة للجنة الإصلاحات في الكنيست مخصصة لمناقشة قضية شركات الخيارات الثنائية في إسرائيل، 2 أغسطس، 2017. (Simona Weinglass/Times of Israel)

إن مصادر إنفاذ القانون في الخارج التي تحدثت معها التايمز أوف إسرائيل صُدمت بصراحة بسبب المدى الثابت لعدم التعاون الإسرائيلي، ولا يمكن أن تجد تفسيرا مقبولا لذلك. على سبيل المثال، احتجاز الأطراف المذنبة في احتيال الخيارات الثنائية – الذي تم توثيقه في دفعه أعداد هائلة من الضحايا في جميع أنحاء العالم إلى أزمة مالية، بل وأدى إلى حالات انتحار. مع ذلك، لم يتم توجيه الإتهام ضد أي محتال في الخيارات الثنائية من قبل إسرائيل.

وقد تطلب الأمر مشاركة مباشرة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من أجل شن حملة ضد لاعبين رئيسيين مزعومين هنا. إن ما يجب أن يكون عملية مباشرة بالنسبة إلى ضحايا الإحتيال الإسرائيلي في الخارج من حيث تقديم شكاوى جنائية هنا، هو مستنقع بيروقراطي شبه مستحيل. فشل تطبيق القانون الإسرائيلي بشكل روتيني في الرد، كما قيل لنا، حتى على أكثر الطلبات المحددة للحصول على مساعدة من جهات إنفاذ القانون في الخارج في تقديم المجرمين المزعومين إلى العدالة.

يقول الخبراء الذين تحدثت معهم التايمز أوف إسرائيل بأغلبية ساحقة أنه ليس من مصلحة إسرائيل أن تترك الآلاف من المحتالين الماليين يخرجون من الخطاف بينما يعوقون جهود الحكومات الأجنبية لمقاضاتهم. وقدموا تفسيرين محتملين لماذا قد يحدث هذا بالرغم من ذلك.

عدم الكفاءة؟

التفسير الأول هو عدم الكفاءة. وفقا لهذا التفسير، قد يكون لإنفاذ القانون الإسرائيلي نوايا حسنة، ولكن بسبب نقص التمويل والإهمال على مدى سنوات عديدة، تدهورت أجهزة الشرطة وغيرها من هيئات إنفاذ القانون هنا إلى درجة تكاد لا تعالج فيها الجريمة على الإطلاق. في حين أن الشوارع في إسرائيل آمنة نسبيا، فإن الحالات التي تتطلب تحقيقات معقدة، أو حتى تحقيقات بسيطة، تميل إلى أن تكون بلا حل أو غير مكتوبة. تتم مقاضاة واحد فقط من كل خمسة مجرمين مشتبه بهم في إسرائيل، مقارنة بثلاثة من كل خمسة في دول متطورة أخرى، وفقاً لدراسة حديثة أجرتها وزارة المالية الإسرائيلية.

سمعت التايمز أوف إسرائيل من عدد لا يحصى من الضحايا الإسرائيليين لجرائم كبيرة وصغيرة، في جميع المجالات، الذين تلقوا رسالة بعد عدة أشهر من تقديم شكوى من الشرطة بأن قضيتهم قد أغلقت بسبب “عدم التعرف على الجاني”، أو لأنه كان هناك “عدم اهتمام للجمهور”.

على سبيل المثال، تحدثت تايمز أوف إسرائيل مؤخرا إلى شخصية سياسية بارزة تلقت تهديدات بالقتل بسبب آرائها السياسية وطلبت المساعدة من الشرطة. “عذرا”، أخبرتها الشرطة، “لم نتمكن من التعرف على مرتكب الجريمة”.

مثال آخر، يزعم النشطاء أن تقاعس الشرطة أدى إلى تحول إسرائيل إلى ملاذ للمتحرشين بالأطفال من جميع أنحاء العالم. “إن نظام العدالة الجنائية غير فعال ومُكسر على كل المستويات. مع استثناءات نادرة، يستغرق الأمر 6 إلى 24 شهر (إن حدث أصلا) من تقرير موثوق به عن الاعتداء الجنسي على الأطفال حتى يتم القبض على جاني”، كما قال تسيفيكي فليشمان، وهو ناشط في منظمة ’لو تيشتوك‘ (لا تسكت) الأرثوذكسية المتطرفة، لصحيفة التايمز أوف إسرائيل. “حتى هذه النقطة، لا يخضع المشتبه به لأي قيود أو رقابة ويمكن أن يسيء إلى أطفال آخرين”.

بالعودة إلى عالم الاحتيال المالي، وصف نمرود عسيف، المحامي الإسرائيلي لضحايا العملات الأجنبية وضحايا الخيارات الثنائية الزيارة التي قام بها مؤخراً إلى مقر قيادة جرائم الإنترنت في تل أبيب – والذي قال إنه تم تكليفه من قبل الشرطة الوطنية بالتحقيق في خيارات الخيارات الثنائية – لتقديم شكوى نيابة عن العديد من الضحايا الأجانب ضد شركة خيارات ثنائية إسرائيلية.

“أنت تهدر وقتك”، قال عسيف أن ضابط الشرطة الذي أخذ ملف الشكوى أخبره. “الضحايا ليسوا حتى في إسرائيل. كيف تتوقع منا التحقيق في هذا؟”

“إلى جانب ذلك”، إستمر ضابط الشرطة، “كيف يفترض أن نثبت أن مندوبي المبيعات كانوا في إسرائيل؟” قال ضابط الشرطة لعسيف إن الخيارات الثنائية هي مسألة القانون المدني، وليس القانون الجنائي. “إن الأمر مثل زوجين يدفعان ثمن قاعة حفل الزفاف ثم تفلس قاعة الزفاف”، قال ضابط الشرطة.

نمرود عسيف. (فيسبوك)

“إنها لا شيء من هذا القبيل. أنها إحتيال”، قال عسيف، لكن ضابط الشرطة لم يستمع.

لمفاجأة عسيف، بعد ثلاثة أسابيع، تلقى مكالمة هاتفية من محقق إلكتروني للشرطة الإسرائيلية. “أرى أنك قدمت لنا صفحات من المراسلات بين شركة الخيارات الثنائية والضحية المزعومة”، قالت. “هل يمكنك ترجمتها إلى العبرية؟”

“أدركت أن الشرطة قد عينت محققًا في القضية كان غير مؤهل بشكل بارز لهذا المنصب”، قال عسيف لصحيفة التايمز أوف إسرائيل. “أي محقق احتيال سيبراني لا يعرف كيف يقرأ الإنجليزية؟”

فيما يتعلق بفشل التسلسل الهرمي لإنفاذ القانون الإسرائيلي في التعاون مع نظرائهم الأجانب، يعتقد عسيف أن السبب في ذلك هو نقص الموارد والخبرة.

“هذه الحالات صعبة”، قال. “في كل مرة أريد فيها اتخاذ إجراء قانوني ضد إحدى هذه الخيارات الثنائية أو شركات الفوركس، يتعين علي إجراء تحقيق كامل لمعرفة من هو الشخص الفعلي وراء طبقات من الجبهات الواضحة والشركات الصغيرة. من الواضح لي أن محقق الشرطة الإسرائيلي الذي لا يستطيع قراءة اللغة الإنجليزية سوف يغرق في هذه المواد”.

الفساد؟

غير أن بعض المراقبين في تطبيق القانون الإسرائيلي لديهم تفسير مختلف وغير أخلاقي للعجز في المعركة ضد الاحتيال المالي: فهم يخشون أن يكون الفساد قد اخترق التسلسل الهرمي لإنفاذ القانون في إسرائيل.

قال رونين بار إيل استاذ الاقتصاد في الجامعة المفتوحة في اسرائيل وناقد نادر استعد للتحدث علانية لصحيفة التايمز أوف اسرائيل لماذا لديه مخاوف من أن يكون هذا هو الحال.

“دعني أخبركم قصة تبدو غير متصلة ولكنها مرتبطة بشكل كبير. أنا أعرف امرأة تعمل في أحد البنوك. يوم واحد جاء أحد العملاء برفقة مُقرض. جلس المُقرض إلى جوار العميل وتحدث نيابة عنه كما لو كان محاميه. قال: ’اسمعي، هذا الشخص مدين لي بالمال، ونريد منك أن تسقطي ديونه حتى يكون لديه ما يكفي من المال للدفع لي”. أضاف المُقرض بشكل تهديدي: ’إذا لم تفعلي ذلك، فقد يحدث شيء ما‘. ذهبت المرأة إلى مدير البنك وأخبرته عن التهديد. قالت إنها شعرت بالخوف. قال مدير البنك: ’حسنا، افعلي ما يطلبه‘”.

رونين بار إيل (فيسبوك)

أخبر بار إيل صحيفة التايمز أوف إسرائيل أنه سأل المرأة بعد ذلك السؤال الواضح: “وماذا عن الشرطة؟ لماذا لم تذهبي إلى الشرطة؟

“مدير البنك يعلم من تجربة أنه لا فائدة من الاتصال بهم”، أجابت.

في حين أن هناك العديد من الحالات التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة عن قيام الشرطة الإسرائيلية بأخذ أموال من الجريمة المنظمة، فإن الظاهرة، إلى الحد الذي توجد فيه، من المرجح أن يتم الإبلاغ عنها بشكل غير كاف، حسبما ذكر بار إيل، بما أن من غير المرجح أن تحقق الشرطة الفاسدة في تحقيقاتها.

وفقاً لتقرير الفساد العالمي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2013، يعتقد 51% من الإسرائيليين الذين شملهم الاستطلاع أن الشرطة الإسرائيلية فاسدة أو فاسدة للغاية. (إن استطلاع 2013 هو أحدث استطلاع يتضمن بيانات خاصة بإسرائيل).

يتأثر الإدراك العام للفساد بالعديد من العوامل وقد يرتبط أو لا يرتبط بمستوى الفساد الفعلي للبلد. ومع ذلك، فإن الرقم الإسرائيلي يضع إسرائيل في مصاف الدول الأقل نمواً مثل ألبانيا (58%) وشيلي (53%) والجمهورية التشيكية (54%) ولاتفيا (47%) ورومانيا (54%). في المقابل، اعتقد 5% من المشاركين في فنلندا أن الشرطة كانت فاسدة أو فاسدة للغاية، 13% اعتقدوا ذلك في سويسرا و32% اعتقدوا ذلك في المملكة المتحدة. على الجانب الآخر، يعتقد 90% من المستجيبين في المكسيك أن الشرطة كانت فاسدة أو فاسدة للغاية، في حين رأى 89% من الروس ذلك.

لقد صادفت التايمز أوف إسرائيل العديد من رجال الشرطة من ضمنهم المتقاعدين ولديهم أقاربهم في مجال الخيارات الثنائية، ورجال شرطة متقاعدين يعملون في هذه الصناعة أنفسهم كمفتّشين لجهاز كشف الكذب أو مزودي خدمات أمنية. كانت تالي يارون إلدار، وهي مفوضة سابقة لضرائب الدخل، مؤسسة أول شركة خيارات ثنائية لإسرائيل، وهي شركة أيتريدر، التي انفصلت فيما بعد عن شركة أنيأوبشن. هل تسخّر هذه الروابط لضمان عدم التحقيق مع الجناة وتقديمهم إلى العدالة؟ ليس لدينا إجابة محددة.

وقد تم إخبار صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن عدة حالات قامت فيها الشرطة بإجراء تحقيقات رئيسية في محتالين لخيارات ثنائية، لكن التحقيقات لم تؤد إلى توجيه لوائح اتهام حتى الآن لأن المدعي العام للدولة فشل في اتخاذ إجراء بشأنها. هل هذا نتيجة للفساد في مقاضاة الدولة، كما زُعم لصحيفة التايمز أوف إسرائيل من قبل مصدر واحد مطلع على هذه التحقيقات، أم أن هناك تفسيرا أقل ضررا؟ مرة أخرى، ليس لدينا إجابة محددة في هذه المرحلة.

لم يتم إصدار القانون الذي يحظر الخيارات الثنائية إلا بعد أن قامت التايمز أوف إسرائيل بتفصيل الاحتيال إلى كل من هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية ولجنة مراقبة الدولة في الكنيست، وبعد أن أثار نشر صحيفة تايمز أوف إسرائيل غضباً من سلطات إنفاذ القانون في الخارج. لكن النص الأولي للتشريع، الذي كان سيحظر ليس فقط صناعة الخيارات الثنائية بالكامل، ولكن أيضًا شركات الفوركس وعقود الفروقات التي تعمل من إسرائيل دون ترخيص، قد خفّ في عملية غير شفافة شملت إجراء مشاورات مع الأشخاص العاملين في نطاق واسع في الصناعة الاحتيالية نفسها، وخلق ثغرة يمكن من خلالها لشركات الخيارات الثنائية الاحتيالية أن تعدل ببساطة المنتج الذي تقدمه وتستمر في العمل. ما هو الاستنتاج الذي يجب استخلاصه من هذه العملية السرية؟ يمكن للقراء أن يقرروا بأنفسهم.

عضو الكنيست من حزب كولانو راحيل عزاريا، 6 نوفمبر 2017 (Miriam Alster/Flash90)

حتى أن القانون المخفف، ينبغي الإشارة أيضا، قد احتج عليه أحد المشرعين الإسرائيليين البارزين: في أغسطس الماضي، بعد وقت قصير من موافقة لجنة إصلاح الكنيست على النص النهائي للقانون لقراءته الثانية والثالثة في الكنيست، حضر رئيس الكنيست عضو الكنيست ديفيد بيتان (الليكود) الذي كان رئيس الائتلاف آنذاك إلى قاعة اللجنة في اللحظة الأخيرة، وحاول إعادة فتح النقاش وإضعاف القانون أكثر، ثم هدد بتأخير تمريره. “لقد وصل الأمر إلى هنا مع قانون مكافحة غسيل الأموال”، قال بيتان. “لم يعد بإمكانك فعل أي شيء في هذا البلد بعد الآن”. رئيسة اللجنة، عضو الكنيست راحيل عزاريا (حزب كولانو)، أخبرت بيتان أن النص نهائي، ولن يتم تغييره، ويجب تقديمه إلى الكنيست بشكل عاجل.

في سياق حديثهما، قال بيتان لعزاريا ومسؤولين حكوميين آخرين إن أسرة متورطة بشكل كبير في الخيارات الثنائية هي من بين قادة الفصيل الجورجي في لجنة الليكود المركزية، وأنه بحاجة إلى دعمهم للحفاظ على منصبه في حزب الليكود. بعد فترة ليست طويلة من هذه المحادثة، ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض على بيتان للاشتباه في تلقيه رشاوى من شخصيات الجريمة المنظمة التي لا علاقة لها بصناعة الخيارات الثنائية. بعدها استقال من رئاسة الائتلاف للتركيز على تطهير اسمه.

ماذا يقول هذا الحادث عن تسرب الفساد إلى المستويات السياسية؟ مرة أخرى، يمكن للقراء الحكم. في هذا السياق، قد نذكر أنه في العام الماضي، قدّر عضو كنيست لصحيفة التايمز أوف إسرائيل أن ثلاثة أرباع الـ 120 نائباً في البرلمان يتعرضون لمطاردة جماعات المصالح الخاصة، الذين يتجمهر أفراد جماعات الضغط والعلاقات العامة الخاصة بهم في قاعات الكنيست، مغرقين بذلك المصلحة العامة.

وفقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية حول الفساد العالمي المذكور أعلاه، فإن 53% من الإسرائيليين يعتقدون أن الكنيست فاسد أو فاسد للغاية، ويشعر 60% بأن المسؤولين الحكوميين وموظفي الخدمة المدنية فاسدون، ويعتقد 79% من الإسرائيليين أن الأحزاب السياسية فاسدة أو فاسدة جدا. وهذه أرقام منذ خمس سنوات.

والواجهة بين المحتالين الماليين والسياسيين البارزين والشخصيات العامة مفتوحة في بعض الأحيان ليراها الجميع. مثال على ذلك: قبل ثلاث سنوات، عقد الكنيس الكبير في تل أبيب احتفالا بمناسبة الذكرى التسعين لتأسيسه وترميمه. كان من بين الشخصيات البارزة رئيس الكنيست يولي إدلشتاين، بيتان المذكور أعلاه، عضو الكنيست أورين حازان، وزير العلوم والتكنولوجيا أوفير أكونيس، وزير المساواة الاجتماعية غيلا غمليل، عمدة تل أبيب رون هولداي، والحاخام الكبير في تل أبيب يسرائيل مئير لاو، قائد شرطة منطقة تل أبيب السابق غابي لاست وغيرهم من كبار ضباط الشرطة.

وقد تم التبرع بأربعة مخطوطات للتوراة، وأقيم احتفال تقليدي أكملت فيه الشخصيات كتابة الحروف النهائية للمخطوطات، وبعد ذلك رقص حشد سار بالتوراة في الشوارع والى الكنيس.

حفلة لمخطوطات التوراة قرب الكنيس الكبير في تل أبيب برعاية شركة الخيارات الثنائية سبوتأوبشين، 24 أغسطس 2015 (Facebook screenshot)

بشكل يدعي للسخرية لم يعيه معظم أعضاء الحشد، تم عرض مخطوطات التوراة – المنقوشة بأهم نص مقدس في اليهودية، بما في ذلك التحذير الذي يحظر السرقة – أمام شعار سبوت-أوبشن. كانت سبوت-أوبشن في قلب صناعة الخيارات الثنائية في إسرائيل، كمورد لمنصات التداول عبر الإنترنت. ووفقًا لإفادة مكتب التحقيقات الفيدرالي التي صدرت في العام الماضي، تزعم سبوت-أوبشن أنها “عمل بشكل مشترك” مع الشركات التي تعطيها الخدمة “لزيادة احتمالية خسارة عملاء معينين للمال في الصفقات” و “ضمان أن العملاء الذين كانوا يحققون نسبة نجاح عالية في الصفقات المستقبلية”. تدعي سبوت-أوبشن، في إفادة خطية أخرى، أنها عملت على “تعديل إعدادات مخاطر العملاء” و “إرجاع التلاعب بالخيار”.

عضو الكنيست ديفيد بيتان في حفل مخطوطات التوراة برعاية، من بين شركات أخرى، شركة الخيارات الثنائية سبوت-أوبشن، 24 أغسطس 2015 (Facebook screenshot)

عندما منحت الحكومة مئات الآلاف من الشواقل من أموال دافعي الضرائب – وهو مبلغ لا يستهان به لصناعة الخيارات الثنائية – في منح موقع سبوت-أوبشن للتوسع في الصين، كان الوزراء الذين وافقوا على الدفع يأخذون الأموال من الخزينة العامة إلى إثراء صناعة تنشر الاحتيال. لماذا فعلوا ذلك عندما تم تحذير وزارة الاقتصاد التي منحت هذه المنح – والتي استمرت حتى بعد قيام مكتب رئيس الوزراء بإغلاق صناعة الخيارات الثنائية بأكملها – مسبقا حول ما هو مزعوم؟ هل عاد هذا المال منذ ذلك الوقت؟ ليس بقدر ما هو معروف. هل تم التحقيق في المدفوعات من قِبل مراقب الحسابات في الوزارة أو مراقب الدولة؟ مرة أخرى، ليس بقدر ما هو معروف.

في زيادة للمخاوف بشأن تسرب الفساد إلى السلطة التشريعية الإسرائيلية هناك قانون الضرائب الإسرائيلي، المعروف باسم “قانون ميلشان”، الذي جعل إسرائيل، على حد تعبير المسؤول الذي كان حتى عهد قريب يتولى إدارة مصلحة الضرائب في إسرائيل، “أكثر الملاذات الضريبية سخاء في العالم”:

موشيه آشر، مدير مصلحة الضرائب الإسرائيلية (Courtesy)

خلال العقد الماضي، حافظت إسرائيل على سياسة ضريبية تعفي المهاجرين الجدد والعائدين الإسرائيليين، ليس فقط من دفع ضريبة لمدة 10 سنوات على الدخل المكتسب في الخارج (حافز غير معقول لتشجيع الهجرة) ولكن أيضًا من إعلان مصادر هذا الدخل – مغناطيس حقيقي للمجرمين، وتشجيع تدفق الأموال القذرة. قال موشيه آشر، الذي تنحى في وقت سابق من هذا العام كمدير لسلطة الضرائب الإسرائيلية، لصحيفة التايمز أوف إسرائيل إنه حاول كل عام تعديل القانون، لكنه لم يتمكن من الحصول على الدعم اللازم في الكنيست. “نحن لا نفي بمعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، حذر في مقابلة في وقت سابق من هذا العام. “في كل مرة نخضع فيها لفحص من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يظهر هذا الموضوع”.

أرنون ميلتشان (وسط الصورة) مع شمعون بيرس (من اليسار) وبينيامين نتنياهو، 28 مارس، 2005. (Flash90)

وقد عارض وزير الهجرة صوفا لاندفر (حزب إسرائيل بيتنا) علانية إجراء تغييرات في القانون. وبدلاً من دعم جهود رئيس سلطة الضرائب، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في واحدة من تحقيقات الفساد ضده، بمحاولة توسيع لإعفاء من الضرائب والإبلاغ عن الدخل الأجنبي من 10 سنوات إلى 20 سنة، من أجل مساعدة صديقه الملياردير. ينفي نتنياهو ارتكاب أي مخالفات في كل قضايا الفساد التي يخضع لها.

قبل 20 سنة كاملة، كانت الشرطة الإسرائيلية تحذر من الجهود التي تبذلها عصابات الجريمة المنظمة للاستفادة من قانون العودة الإسرائيلي الجدير بالثناء، الذي يمنح الجنسية التلقائية لأي شخص لديه جدي يهودي، من أجل الحصول على الجنسية وصب الأموال القذرة. حذر الضباط من أن مليارات الدولارات تتدفق، وأن الأموال كانت تستخدم من قبل المجرمين، ولا سيما من الاتحاد السوفييتي السابق، لكسب النفوذ في النظام المصرفي، في وسائل الإعلام وصناعات الاتصالات، في العقارات ، وحتى في السياسة. من الأمثلة البارزة على هذه الحالة هنالك حالة غريغوري ليرنر (زفي بن عامي)، المحتال المدان وغاسل الأموال. هناك حالة أخرى هي قضية أركادي غايدماك، وهو أحد المشاهير ومالك نادي كرة القدم بيتار القدس، الذي خاض الانتخابات لمنصب رئيس بلدية القدس قبل عشر سنوات قبل أن يغادر البلاد وسط فضيحة مالية ثم سجن في فرنسا في عام 2015 بتهمة التهرب الضريبي.

لم يتم القيام بأي شيء إستراتيجي منذ 20 عاما لمعالجة المخاوف. (أصدرت إسرائيل قانونًا لمكافحة غسيل الأموال في عام 2000، لكن المجرمين وجدوا طرقًا لا تعد ولا تحصى للتحايل عليه). في الواقع، وكما قال ضابط سابق في مكتب التحقيقات الفدرالي لتايمز أوف إسرائيل في وقت سابق من هذا العام، فإن المجرمين ينجذبون إلى إسرائيل بسبب “إنفاذ القانون والفساد المتراخيين”.

وقد وصفت الشرطة في إسرائيل والولايات المتحدة النشاط الاحتيالي لخيارات تداول العملات الأجنبية والنشاط الثنائي كمثال على “الجريمة المنظمة عبر الأوطان” النابعة من التلقيح المتقاطع للمجرمين الإسرائيليين مع عصابات الجريمة من الاتحاد السوفيتي السابق وفرنسا وأماكن أخرى. هل مجرد عدم كفاءة هو تفسير معقول للفشل المتواصل في مواجهة القوى الإجرامية التي استغلت إسرائيل واستهدفتها لمدة 20 سنة؟ أو هل يشير هذا الفشل الاستراتيجي إلى التواطؤ؟

حفل لتكريس التوراة في تل أبيب برعاية، من بين شركات أخرى، شركة الخيارات ثنائية سبوت-أوبشن، 24 أغسطس 2015 (تصوير: Israel Bardugo)

أرض الإفلات من العقاب

تحدثت التايمز أوف إسرائيل إلى العديد من المسؤولين في وزارة العدل والشرطة وغيرها من هيئات إنفاذ القانون حول ما إذا كان الفساد قد اخترق التسلسل الهرمي. كلهم أصروا على أن مكان عملهم نظيف؛ وأشار البعض بقلق إلى الآخرين.

قال أحد المصادر أن الاحتيال المالي كان معقدا بشكل غير قابل للتحقيق – وبالتالي لا يستحق الموارد اللازمة. “هذه مسألة أولويات”. على سبيل المثال، “هذه التحقيقات في الخيارات الثنائية معقدة للغاية والجريمة صغيرة نسبيا. لماذا نأخذ فريقا يمكن أن يحقق في فساد رئيس الوزراء ويطلب منهم التحقيق مع مجموعة من المهاجرين الفرنسيين في شقة في مكان ما؟”

وقال مصدر آخر إن من مسؤولية وزارة العدل توجيه الشرطة إلى جعل التحقيقات في الاحتيال المالي أولوية، وأنها فشلت حتى الآن في القيام بذلك.

وقال مصدر ثالث إن مواد الشرطة كانت تضعف دون قصد مع المدعي العام للدولة.

لا أحد من أولئك الذين تحدثنا معهم يمكن أن يفسر الرفض المطلق للتعاون مع قوات تطبيق القانون في الخارج، وعدم تنفيذ القانون الذي يحظر الخيارات الثنائية بشكل فعال، أو رفض تعديل التشريعات التي تجعل الحياة سهلة للمهاجرين ذوي أموال قذرة.

ومن المحتمل أن تواجه إسرائيل عقوبات من حكومات أجنبية بسبب إخفاق دائم في التعاون مع هيئات إنفاذ القانون في الخارج بشأن الخيارات الثنائية والتحقيقات الأخرى المتعلقة بالاحتيال المالي. لكن خبراء أمريكيين قالوا للتايمز أوف إسرائيل إن هذا أمر مستبعد للغاية بسبب التحالف السياسي القوي بين إسرائيل والولايات المتحدة. على حد قولهم، على إسرائيل أن تجد الإرادة الداخلية لتنظيف إسطبلاتها.

على الرغم من سرقة مليارات الدولارات من ملايين الضحايا في جميع أنحاء العالم، إلا أن الخيارات الثنائية لإسرائيل، ومحترفي الفوركس، والعملات المشفرة، قد تمتعوا حتى الآن بالإفلات التام من العقاب هنا. هذا يرسل إشارة إلى كل من المحتالين المحليين والأجانب أن إسرائيل هي مكان مضياف للقيام بأعمال تجارية. بمرور الوقت، ستؤدي هذه الإشارة إلى نمو الطبقات الإجرامية في إسرائيل من حيث الحجم والتأثير، وجعل الحياة غير سارة على نحو متزايد للجميع.

“إذا لم يعيد الإسرائيليون مسار الفساد”، قال رونين بار إيل للتايمز أوف إسرائيل، “ستزداد عائلات الجريمة قوة وستصل أذرعها الطويلة إلى كل زاوية – بما في ذلك الحكومة والكنيست والشرطة”.

وفي النهاية، حذر قائلا: “إذا لم يقم بلد ما بالعدول عن الفساد، فإنه ينتهي به المطاف مثل البرازيل أو روسيا”.

 

ملاحظة: تعاملات تايمز أوف إسرائيل مع سلطات إنفاذ القانون في إسرائيل

بينما سعت إلى فضح الفساد، تكشفت تعاملات التايمز أوف إسرائيل مع بعض هيئات تطبيق القانون والطبقات التشريعية في إسرائيل على النحو التالي في العامين الماضيين:

هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية: أثبتت سلطة الأمن الداخلي أنه يمكن التواصل معها؛ كان مسؤولوها الرئيسيون متاحين للتحدث إلى المراسلين. يبدو أنها شعرت بالقلق إزاء الجريمة، وقد لعبت الدور الرئيسي في صياغة تشريع العام الماضي الذي يحظر الخيارات الثنائية.

النائب العام: لقد أثبت مكتب المدعي العام أنه غير مفيد. نائب النائب العام السابق (الإنفاذ المالي)، الذي تشمل مسؤولياته معالجة غسل الأموال، وافق في البداية على الإجابة عن أسئلة الصحفيين حول الاحتيال المالي وجهود مكتبه، أو عدمها، لمعالجة ذلك، ولكن تم منعه من القيام بذلك، بأمر من المتحدث بإسم وزارة العدل.

سلطة الضرائب الإسرائيلية: تحت إشراف مديرها السابق موشيه آشر، كانت السلطة في متناول أيدي الصحافيين وكانت على استعداد لتقديم تفاصيل عن جهودها غير الناجحة لإغلاق الثغرات في غسيل الأموال.

أعضاء الكنيست والوزراء ومكتب رئيس الوزراء: أعضاء الكنيست كارين الحرار (يش عتيد) وراحيل عزاريا (كولانو) كانتا أساسيتين في إقرار قانون الخيارات الثنائية. وأيد رئيس الوزراء ومكتبه التشريع، وأصدروا بيانا هاما في أواخر 2016 يحثون فيه على إغلاق كامل صناعة الخيارات الثنائية في جميع أنحاء العالم.

الشرطة الإسرائيلية: مع بعض الاستثناءات البارزة، كانت الشرطة الإسرائيلية ولا تزال غير مفيدة بشكل لافت للنظر وغير متاحة للصحفيين الذين يحاولون الحصول على معلومات حول جهود الإنفاذ المتعلقة بالاحتيال المالي. كبار ضباط الشرطة، من مفوض الشرطة إلى الأدنى، يرفضون إجراء مقابلات حول هذه القضية.