أ ف ب – في إسرائيل يتم قمع أي معارضة للحرب على غزة بشدة، ويتعرض القلائل الذين يجرؤون على إنتقاد تلك الحرب لمضايقات وترهيب، أو حتى الطرد من وظائفهم، بينما اختفى التيار اليساري الإسرائيلي الذي كان قوياً في يوم من الأيام.

الإحتجاج المهم والوحيد الذي جرى تنظيمه في إسرائيل وشهد مشاركة آلاف في وقت متأخر من الخميس، طالباً بإنهاء الهجمات الصاروخية التي تشنها حركة حماس، ومعرباً عن عدم الرضا عن الوضع الراهن بعد إنسحاب القوات البرية من مناطق في غزة وتمديد وقف إطلاق النار.

وانتقدت صحيفة “هآرتس” الليبرالية اليوم الجمعة ما وصفته ب”ملاحقة” اليساريين ومنظمات الحقوق المدنية، بعد أن أبلغ “سار شالوم جيربي” مسؤول سلطة الخدمة الوطنية المدنية في إسرائيل، منظمة بتسيلم الحقوقية بأنه تم وضعها على القائمة السوداء كجهة توظيف.

وكتب “جيربي” في رسالته “أشعر أنه علي أن أمارس صلاحياتي، وأوقف المساعدات الحكومية التي تقدم لمنظمة تعمل ضد الدولة، وضد الجنود الذين قدموا حياتهم ببطولة لحماية سلامة ورفاه جميع المواطنين”.

واتهم “بتسيلم” بنشر الأكاذيب والتشهير وتهديد أمن الدولة، ونشر معلومات تشجع أعداء إسرائيل، وتؤدي إلى أعمال معادية للسامية ضد اليهود في أنحاء العالم.

واعتبرت المنظمة تلك الخطوة هجوماُ على “الديموقراطية الإسرائيلية”، وطلبت من أنصارها التوقيع على عريضة على الإنترنت لدعم حرية التعبير والديموقراطية.

ويقول “ييزهار بير” من مركز “كيشيف” لحماية الديموقراطية في إسرائيل: إن التعبير عن معارضة أصبح أصعب الان أكثر من أي وقت مضى في بلد يفاخر بأنه الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

ودعمت الغالبية العظمى من الإسرائيليين الحرب على غزة، وأظهر إستطلاع أجراه معهد إسرائيل للديموقراطية الشهر الماضي، أن 95 بالمئة من الإسرائيليين اليهود يعتقدون أن الحرب كانت عادلة.

وفي بلد تفرض فيه الخدمة العسكرية الإجبارية على الجميع، فإن لكل يهودي إسرائيلي صديق أو قريب في الجيش.

وأصبحت الصواريخ  هاجساً لملايين الإسرائيليين، إذ بثت الخوف والقلق بين سكان المناطق الحدودية رغم أن مئات من تلك الصواريخ تم إعتراضها قبل أن تسقط، كما لم يلق سوى ثلاثة مدنيين حتفهم منذ تموز/يوليو في تلك الحرب.

وفي إسرائيل، كما في أي بلد يشهد حالة حرب، كان الإعلام من أبطال الهجوم الوطنيين الذي سعى الى توحيد الجنود على الحدود، وإرسال لهم الهدايا ويسلط الضوء على معاناة المواطنين الإسرائيليين، ويقلل من معاناة الجانب الاخر.

أما القلائل الذين علت أصواتهم بالمعارضة فقد تعرضوا للتهديد أو وصفوا بالخيانة.

فبعد أن اتهم معلق صحيفة هارتس “جدعون ليفي” طياري القوات المسلحة بإرتكاب أعمال وصفها ب”الأشد وحشية وبشاعة” ضد “الضعفاء والعجزة في غزة، قامت الصحيفة بتعيين حراس شخصيين لحمايته.

وأقدم القراء على إلغاء إشتراكاتهم، وأصبح الناس يوقفونه في الشارع لإهانته، كما وصفه النائب الحكومي “ياريف ليفين”: يأنه كاذب “وبوق للعدو” داعياً لمحاكمته بتهمة الخيانة.

وصرح ليفي لوكالة فرانس برس من مكتبه الضيق في صحيفة هآرتس في تل ابيب بعيداً عن المقاهي التي يخشى أن يلقى فيها الإهانات: “لم أواجه في حياتي مطلقاً مثل رد الفعل العدائي هذا”. وأضاف: “لا أحد هنا يهتم بالمعاناة في غزة، والأكثر من هذا فإنك إذا تجرأت على الإعراب عن التعاطف، تصبح حائناً”.

ويشتكي بعض الإسرائيليين الذين إنتقدوا الحرب حتى على صفحاتهم الخاصة على موقع فيسبوك من تعرضهم للنبذ.

وجرى وقف ممرضة من عرب إسرائيل عن العمل فترة قصيرة، بينما قال آخرون من عرب إسرائيل أنهم طردوا من وظائفهم.

ويقول “ستيفن بيك” من رابطة الحقوق المدنية في إسرائيل رداً على سؤال عن غياب الإحتجاجات: “تنتشر المضايقات التي أجبرت الكثيرين الإبتعاد عن التظاهر”.

وشبه بيك الجو الحالي ذاك الذي سبق مباشرة إغتيال رئيس الوزراء الحائز على جائزة نوبل للسلام “اسحق رابين” برصاص متطرف يهودي في 1995.

وقال: أن “الأمور التي تصدم بدرجة كبيرة في ذلك الوقت أصبحت عادية، والان بدأت الأمور تتجه بقوة إلى مستوى جديد من التطرف، مضيفاً:  “السؤال الان، هل ستتطور هذه الحالة لتؤدي الى أمر ما، أم انها ستختفي”.

والإجابات معقدة.

فبالنسبة لبير فإن الأمر متجذر في تصاعد اليمين المتدين والمجتمعات المغالية في التشدد، وحركة المستوطنين اليهود القوية، والإحتلال المستمر للضفة الغربية.

وأوضح أن “الجزء المتشدد إختطف من المجتمع الإسرائيلي دولة اسرائيل”.

ولكن وحتى الإسرائيليين الذين يدعمون محادثات السلام يشعرون بالعجز.

ولا تعترف حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة بحق دولة إسرائيل في الوجود، كما أن الرئيس الفلسطيني “محمود عباس” يعتبر ضعيفاً جداً لدرجة أنه لا يمكنه التوصل إلى تسوية مع إسرائيل.

ويشير بير إلى أن “الضغوط من الداخل والخارج تجعل المجتمع الإسرائيلي منقسماً جداً”.