“لا يسمح لي أن أتحدث إليكم، حتى لست متأكدة من أن هذا قانوني. ولكن كان علي أن أتحدث إلى وسائل الإعلام لأن الأطفال مهملون”.

كانت هذه كلمات ممرضة في قسم طب الأورام للأطفال في مستشفى هاداسا الطبي في القدس يوم الأربعاء، حيث تحدت حظر المستشفى بالتحدث إلى وسائل الإعلام لإصدار نداء يائس للعامة.

وفي الرابع من يونيو/حزيران، غادر معظم الأطباء والمقيمين الكبار في القسم وظائفهم، ولم يتبقى سوى الممرضات وحفنة من الأطباء البديلين الذين يعملون في قسم السرطان الوحيد في القدس للأطفال. وكان الأطباء التسعة قد انسحبوا في آذار/مارس بسبب اعتراضهم على خطة من قبل مدير مستشفى هداسا، زيف روتستاين، للسماح للأطباء بتشغيل مرضى زرع نخاع العظام لدى الأطفال في نفس قسم المرضى البالغين، وهي ممارسة قال الأطباء المستقيلون أنها من المرجح أن تزيد معدل وفيات الأطفال. ودخلت الاستقالة حيز التنفيذ يوم 4 يونيو.

وسط تقارير تفيد بأن جو من الفوضى قد ساد في القسم منذ رحيل الأطباء، روتستاين طمأن الجمهور مرارا وتكرارا أن كل شيء تحت السيطرة.

وصرح روتستاين لمحطة الاذاعة الاسرائيلية “103 اف ام” يوم الاثنين ان “الايام الثلاثة الاولى كانت مليئة بالعراقيل”، وذلك في اعقاب تقرير اخبار نشرته القناة الثانية مساء الاحد والذي تسرب فيه تسجيل لممرضات من اجتماع قسم طب الاورام للاطفال مع روتستاين، وأعربن عن مخاوفهن من وقوع اخطاء في علاج الأطفال.

“لقد التقينا بالممرضات وبدورهن أثرن بعض المخاوف المشروعة التي تم تناولها. ادعاءات الممرضات كانت خاصة بتلك الأيام الأولى”، أضاف. “ان الاطباء العاملين حاليا في القسم هم الافضل”.

ولكن وفقا لممرضة عاملة في القسم، والتي تقول إنها تتحدث عع العديد من زملائها في العمل، فإن الأمور ليست تحت السيطرة.

“يقول تكرارا ان كل شيء على ما يرام، كل شيء تحت السيطرة. ان الامور ليست كذلك، أستطيع أن أؤكد لكم “.

ووفقا للممرضة التي طلبت عدم استخدام اسمها، تحدث أخطاء في القسم في كثير من الأحيان، وهي تخشى أن يؤدي أحد هذه الأخطاء عاجلا أو آجلا إلى إلحاق ضرر جسيم بأحد الاطفال.

تكريم فيسبوكي لأحد الأطباء المغادرين من والدة مريض سرطان (Facebook screenshot).

تكريم فيسبوكي لأحد الأطباء المغادرين من والدة مريض سرطان (Facebook screenshot).

“الأطباء الجدد لا يعرفون المرضى لأنهم مرضى مزمنين. الوضع ليس مثل الشخص الذي يأتي إلى غرفة الطوارئ وعليك فقط معرفة ما يحدث الآن. هؤلاء المرضى موجودين في القسم منذ سنوات، والأطباء لا يعرفونهم ولا يعرفون ما هو جيد أو غير جيد بالنسبة لهم. وهناك الكثير من الأخطاء التي تحدث كل يوم. الممرضات يحاولون تعويض الأخطاء ولكن الأمر صعب. نحن محبطات جدا”.

لو كان أحد الاهالي ليسأل عن رأيها، فإن الممرضة قالت انها سوف تخبرهم دون تردد بنقل طفلهم الى مكان آخر الذي تعتقد أنه أكثر أمنا، مثل تل هاشومير أو مستشفى شنايدر للأطفال، كلاهما على بعد حوالي ساعة بالسيارة. لكنها تقول إن الممرضة الرئيسية صرحت بشكل واضح بعدم “اعطاء المعلومات”.

“أعتقد أن الاهالي يفهمون بحد ذاتهم ما يجري. انهم لا يحتاجون لنا أن نقول لهم. انهم يرون أن الممرضات تشعر بالإحباط. انهم يرون الفوضى “.

وفي 9 يونيو / حزيران،قالت الممرضة ان روتستاين التقى بممرضات من القسم وكذلك ومن ممرضات من وزارة الصحة.

“لقد سجلنا المحادثة التي تحدثنا فيها عن الاشياء السيئة في الجناح”، قالت. “سمحنا لعدد قليل من الناس سماع التسجيل، وهذا كان كاف، لأن شخص ما سربه إلى القناة الثانية. الممرضات لم يعطن التسجيل لأحد. كانت ادارة المستشفى غاضبة جدا لكن لم يعط أحد منا التسجيل”.

أهالي ومرضى السرطان الشباب من هداسا عين كارم في مسيرة وهم يحتجون ضد وزير الصحة يعكوف ليتزمان والرئيس التنفيذي لمركز هداسا عين كارم الطبي زيف روتستاين في القدس، 7 يونيو 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

أهالي ومرضى السرطان الشباب من هداسا عين كارم في مسيرة وهم يحتجون ضد وزير الصحة يعكوف ليتزمان والرئيس التنفيذي لمركز هداسا عين كارم الطبي زيف روتستاين في القدس، 7 يونيو 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

بعد بث القناة الثانية التسجيل، ظهر كل من روتستاين والمتحدثين بإسم وزارة الصحة على الهواء لطمأنة الجمهور.

“لكننا لا نسيطيع الذهاب الى الاعلام، هذه هي المشكلة. لا يمكننا القول أن الامور ليست جيدة. روتستاين يقول فقط كل ما يريد والناس يؤمنون بذلك. إنه يكذب ويهمل الأطفال، وأعتقد أنه أمر إجرامي، ولهذا السبب أتحدث إليكم”.

نزاع حول السياحة الطبية

إن منظمة هداسا الطبية، التي لها حرمين جامعيين في القدس، تعاني من مشاكل مالية منذ عام 2008 على الأقل. من بين الأسباب الاكثر ذكرا على نطاق واسع هو ماضي الرواتب المتضخمة وضعف الإدارة المالية، بالاضافة الى انخفاض سداد التكاليف من الصناديق الصحية الإسرائيلية، وبذكر أقل، سبب اخر هو الأزمة المالية لعام 2008، ومخطط مادوف بونزي الذي تسبب لمنظمة هاداسا النسائية الأمريكية، التي تمول المستشفى جزئيا، بخسارة 90 مليون دولار.

وجاءت الأزمة في فبراير/شباط 2014 عندما أعلن المستشفى عن إفلاسه بعد أن قطعت بنكين إسرائيليين خطوط ائتمان المؤسسة. وافقت الحكومة، منظمة هاداسا النسائية، دائني المستشفى، وخمسة نقابات لعمال المستشفيات على برنامج انعاش بعد ذلك بعام، عين زيف روتستاين المدير العام للمستشفى من قبل وزير الصحة يعكوب ليتزمان على أمل أن يقود المستشفى في طريقه إلى الانعاش المالي.

روتستاين، الذي كان قد ترأس سابقا مركز شيبا الطبي بالقرب من بيتاح تكفا لعقد من الزمان، تنسب اليه على على نطاق واسع موازنة ملفات هذا المستشفى وجعله يعمل بكفاءة.

وكانت أحد خطط روتستاين لاستعادة هداسا إلى قدرتها هو زيادة كمية السياحة الطبية في المستشفى. في وقت استقالة الأطباء، حوالي 70 في المئة من المرضى في قسم السرطان للأطفال كانوا زبائن دافعين من السلطة الفلسطينية أو روسيا وأوكرانيا. إن المرضى الفلسطينيين يدفعون حوالي مثل الإسرائيليين، لكن المرضى الروسيين الذين يزرعون نخاع العظم يدفعون نحو 500 ألف شيكل (142 ألف دولار) لعملية الجراحة, وفقا للمرضة الذي تحدثت إلى صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.

وقال شراغا بار-أون المقيم في القدس، والد ابنة شابة المصابة بالسرطان، لتايمز أوف إسرائيل: “زرع نخاع العظم هو بقرة نقدية للمستشفى”.

في العام الماضي، سعى روتستاين بنشاط إلى زيادة أعداد الأطفال الروس الذين يتلقون زرع نخاع العظام، وفقا للممرضة. وأرسل أحد الأطباء في القسم، وهو جراحة موهوبة باسم بولينا ستيبنسكي، إلى روسيا في عدة مناسبات لإحضار مرضى جدد.

“السياحة الطبية جيدة بالنسبة لنا، إنها أمر جيد”، قالت الممرضة لصحيفة التايمز أوف إسرائيل. “ولكن عليك أن تعرف عدد السياح الذين سيتم احضارهم والتأكد من أنهم ليسوا على حساب الأطفال الإسرائيليين. إذا ذهبت إلى البحث في أنحاء روسيا ستجد دائما أم أخرى، ولكن الأطباء لا يمكنهم أخذ أعداد هائلة من المرضى واعطائهم معاملة جيدة”.

ووفقا لاتحاد إسرائيل للسياحة الطبية، قامت صناعة السياحة الطبية الإسرائيلية في عام 2014 بمعالجة 60,000 مريض وحققت 1.5 مليار شيكل.

واتفق العديد من أولياء أمور الأطفال الذين قابلتهم التايمز أوف إسرائيل على أن السياحة الطبية يمكن أن تعود بالفائدة على إسرائيل بشكل عام وعلى هداسا على وجه الخصوص، لكن النقد أدعوا أنه في جناح طب الأورام للأطفال، شعروا ان هذا الأمر تم دون تفكّر وبشكل عشوائي.

بالفعل، وفقا للمجلة التلفزيونية “المصدر” للقناة العاشرة، استقبل قسم طب الأورام للأطفال في هاداسا 160 مريضا جديدا في العام الماضي، مقابل 120 مريضا جديدا قبل أربع سنوات. ولكن عدد الأطباء – ستة أطباء ذوي رتبة أعلى و2-3 مقيمين – ظل على حاله. وتملك نفس الاقسام في المستشفيات الإسرائيلية الأخرى مثل شيبا وشنايدر ما لا يقل عن ضعف عدد الأطباء لكل مريض.

وقال شراغا بار-أون: “لم يكن لدى الأطباء مشكلة مع السياحة الطبية. لكنهم أرادوا أولا توسيع المرافق والموظفين. يبدو وكأن روتستاين يريد المال بسرعة.”

وقالت الممرضة إن روتستاين كان غير مرغوب فيه بشكل عام في قسمه واعتبر شرير الطبع. تذكرت على وجه الخصوص أنه سمى ميكي وينتراوب، وهو طبيبا محبوبا على نطاق واسع من قبل الاهالي والممرضات، بـ”هامان الشرير”. وقال أيضا متوعدا على برنامج “المصدر” للقناة العاشرة أنه إذا هدده أحد فانه “سيطلق النار عليهم”، وهذا تعليق الذي لم لم يأخذه أحد حرفيا ولكن النقاد يقولون إنه يعكس أسلوب إدارته.

ووفقا للممرضة، فإن الأطباء في قسم طب الأورام للأطفال، تحملوا رئيسهم الجديد حتى أواخر العام الماضي، عندما علموا بخطة اجراء عمليات مرضى النخاع العظمي الأطفال في قسم البالغين.

قالت الممرضة: “لا يتم في أي مكان في العالم اجراء عمليات الأطفال والبالغين في نفس الوحدة”.

“إن إرسال طفل إلى معهد شاريت [للأورام] يشبه إرساله إلى المقبرة”، قال والد أحد الاطفال في قسم السرطان هداسا لتايمز أوف إسرائيل، ناقلا إحصائية التي لم يتم التحقق منها التي بحسبها زرع نخاع العظم في قسم طب الاورام للأطفال في هداسا لديهم فرصة 73% للبقاء على قيد الحياة في حين أن المرضى في معهد شاريت، حيث يقومون بعمليات زرع نخاع العظم للبالغين، لديهم فرصة 50% للبقاء على قيد الحياة.

وفي 5 مارس/آذار، استقال ستة من كبار الأطباء في القسم من مناصبهم، مدعيين أن روتستاين يعرض الأطفال في قسمهم للخطر. في 4 يونيو/حزيران، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها مستشفى هداسا للحصول على أمر قضائي لإبقائهم في وظائفهم، بدأت استقالتهم وبدأ الأطباء الستة، الذين انضم إليهم ثلاثة أشخاص، في التوقف عن العمل.

وقالت الممرضة إن طب أورام الأطفال هو تخصص الذي يستغرق سنوات من التدريب لإتقانه وكان من الصعب على هداسا تشكيل طاقم القسم.

“وقد عين روتستاين طبيبين جديدين في القسم. البروفيسور غولدشتاين هو المدير. قام بالتناوب مع أطبائنا لمدة شهر. ثم هناك طبيب آخر جاء من الولايات المتحدة. وعينوه مديرا أيضا. حتى الآن لدينا مديرين وليس لدينا أطباء للعمل في القسم … هذا جنون”.

نشرة نشرها اهالي احتجاجا على سياسات هداسا التي تقول "نحن في هاداسا لا نتخلى عن الأطفال المرضى"، مع محي عبارة "الأطفال المرضى" واستبدلها ب"المال من السياح". (Screenshot Facebook)

نشرة نشرها اهالي احتجاجا على سياسات هداسا التي تقول “نحن في هاداسا لا نتخلى عن الأطفال المرضى”، مع محي عبارة “الأطفال المرضى” واستبدلها ب”المال من السياح”. (Screenshot Facebook)

يدعي روتستاين من جانبه أن الأطفال في أيد أمينة وأن الاستقالات وقعت لأن مدير قسم طب الأورام للأطفال في وينتراوب كان غيورا أن المتدرب تحته ستيبانسكي تمت ترقيته إلى منصب أعلى منه. ووفقا لنسخة روتستاين للأحداث، فقد أدى كبرياء إينتراوب المجروح إلى إقناع جميع كبار موظفيه بالانتقال إلى شاعاري تسيديك، وهو مستشفى منافس في القدس، والذي لا يتعافى من الإفلاس، ويمكنه أن يوفر للأطباء شروطا أفضل.

وقد التقى وزير الصحة ليتسمان مع روتستاين وحظر على أي مستشفى حكومي إسرائيلي آخر، بما في ذلك شاعاري تسيديك، توظيف الأطباء المستقيلين، وبذلك ترك هؤلاء المتخصصين المدربين تدريبا عاليا دون خيار سوى العودة إلى هداسا أو البقاء في المنزل والتخلي والعيش ببطالة. وقد نتج عن ذلك احتجاج عمومي، مع العديد من أولياء أمور الأطفال الذين عولجوا في القسم بجانب الأطباء المستقيلين، حاثين ليتسمان على السماح للأطباء بإعادة فتح قسمهم في شاعاري تسيديك.

لكن ليتزمان رفض، لأسباب لا تزال غير واضحة.

ولدى سؤاله، لم يشرح ليتسمان منطقه لتايمز أوف إسرائيل، ما عدا اصدار بيانا مفاده أن “الوزير ليتسمان يؤيد تماما الحكم المهني لكبار الموظفين في وزارة الصحة أنه لن يكون من المناسب إنشاء قسم ثان لطب الأورام في مستشفى شاعاري تسيديك. ويدعم الوزير الاهالي ويعمل على ضمان استمرار هاداسا في إدارة قسم مهني على أعلى مستوى”.

أهالي ومرضى السرطان الشباب من هداسا عين كارم في مسيرة وهم يحتجون ضد وزير الصحة يعكوف ليتزمان والرئيس التنفيذي لمركز هداسا عين كارم الطبي زيف روتستاين في القدس، 7 يونيو 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

أهالي ومرضى السرطان الشباب من هداسا عين كارم في مسيرة وهم يحتجون ضد وزير الصحة يعكوف ليتزمان والرئيس التنفيذي لمركز هداسا عين كارم الطبي زيف روتستاين في القدس، 7 يونيو 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

وعلى السؤال حول ما اذا كان خروج تسعة اطباء من القسم يقوده الى التشكيك فى اداء روتستاين الوظيفى، لم يرد ليتزمان.

وافق روتستاين في البداية على التحدث مع “تايمز أوف إسرائيل” لكنه لم يرد في الوقت المناسب للنشر. في مقابلة مع موقع أخبار NRG العبري هذا الأسبوع دافع عن أفعاله كما يفعل شخص الذي “جاء لشفاء هداسا، الذي كانت مفلسة. لقد اتخذت بعض التدابير المؤلمة. من الواضح أن قرارات تشديد الحزام لا تزيد شعبيتي، ولكن لا يمكنك أن تقول إن هدفي هو الجشع. واليوم موظفين ومرضى هاداسا لديهم ضوء في عيونهم مرة أخرى”.

ولكن الممرضة في طب أورام الأطفال ليس لديها ضوء في عينيها. وتعتقد أن قسمها في أزمة، والاستقالة هي الطريقة الوحيدة التي سمحت للأطباء بتنبيه الجمهور إلى حقيقة أن هناك شيئا خاطئا تماما.

“بعد ترك أطبائنا، قال الناس، كيف يمكن للأطباء المغادرة، ألا يهمهم مرضاهم؟ أعتقد أنهم يشعرون أن وضع قسم زرع نخاع العظام كان خطرا جدا للمواجهة. وانه مستمر. الآن يقومون بثمانية عمليات زرع شهريا في وحدة البالغين منذ ذلك الحين. الأطفال يتعرضون للخطر بالفعل. وزارة الصحة تقول، لا تقلقوا نحن نراقب. لكنهم لا يراقبون. انهم لا يفعلون أي شيء”.