كانت لوسي أهريش في الخامسة من عمرها عندما أنتهت من شراء الملابس مع والديها في غزة عندما تعرضت مركبة العائلة لهجوم.

تتذكر أهريش، “كان ذلك في أبريل 1987، كان يوما حارا جدا، وقام والدي بفتح النافذة. أتذكر ازدحام حركة المرور على الطريق الرئيسي ورأيت شخصا يقترب منا وهو يحمل شيئا في يده. نظرت إليه ونظر هو إلي، وبشكل تلقائي بدأت بالإنزلاق إلى الأسفل عل مقعدي بذعر. صرخت والدتي، ’لوسي، اجلسي بشكل مستقيم’، وعندما أنهت جملتها سمعنا دويا في السيارة”.

قام الرجل بإلقاء زجاجة حارقة على السيارة — حيث قام والدها بإبعادها سريعا — وألقى زجاجة حارقة أخرى على سقف السيارة التي اشتعلت وأشعلت النيران في المركبة. نجا لوسي ووالديها من الهجوم، ولكن ابن عمها البالغ من العمر ثلاث أعوام أُصيب بحروق خطيرة في كل أنحاء جسمه ويقي في المستشفى لعدة أشهر.

قالت أهريش لتايمز أوف إسرائيل في وقت سابق من هذا الأسبوع في مقهى في تل أبيب بلغتها العبرية التي تتحدثها بطلاقة، “وجه الرجل محفور في ذاكرتي”. وتابعت، “خلال نشأتي، لم أستطع أن أفهم كيف يمكن أن يكون شخص شريرا إلى هذا الحد”.

لوسي اهريش في تل ابيب، 7 ابريل 2015 (Elhanan Miller/Times of Israel)

لوسي اهريش في تل ابيب، 7 ابريل 2015 (Elhanan Miller/Times of Israel)

أصبح هذا الهجوم حدثا مؤثرا في حياة أهريش، التي ستكبر لتصبح أول مذيعة عربية في وقت الذروة على التفلزيون الإسرائيلي. في الشهر الماضي، تم منحها ما يحلم به الكثير من الإسرائيليين: إضاءة شعلة في حفل يوم الإستقلال في جبل هرتسل، وموضوعه هذا العام “رواد إسرائيليون”.

سيارة اسرائيلية بعد هجوم مولوتوف في الضفة الغربية، 8 نوفمبر 2013 (Gershon Elinson/Flash90)

سيارة اسرائيلية بعد هجوم مولوتوف في الضفة الغربية، 8 نوفمبر 2013 (Gershon Elinson/Flash90)

كتبت اللجنة الوزارية للرموز والطقوس التي ترأسها وزيرة الثقافة السابقة ليمور ليفنات لتوضيح إختيارها للإعلامية البالغة من العمر (33 عاما) أن أهريش هي “صحفية مسلمة مهدت الطريق وجاءت بخطاب تسامح وانفتاح بين الفئات للأجندة العامة الإسرائيلية”.

ولكن الهوية ليست بأمر واضح بالنسبة لأهريش. في شهر يوليو الماضي، في الوقت الذي كانت القوات الإسرائيلية تنتقل من بيت إلى بيت خلال حربها في شوارع غزة، كتبت أهريش عبر صفحتها على الفيسبوك: “أنا لست بعربية ولا يهودية. أنا لست بمسيحية أو مسلمة أو درزية ولا بوذية أو شركسية. أنا لست بيسار ولا يمين. أنا لست بمتدينة ولا علمانية. لا أريد رؤية أطفال يُختطفون ويُقتلون؛ لا أريد رؤية أطفال يُحرقون حتى الموت. لا أريد سماع صفارات الإنذار أو رؤية إطللاق صواريخ… أريد منا أن نفتح أعيننا على الغضب والكراهية اللذين يأكلاننا أحياء”.

خلال حديثها مع تايمز أوف إسرائيل، بدت أهريش أكثر هدوءا. “اليوم، عندما يسألني الناس، ’من أنت؟’ أقول أنني إسرائيلية. أنا لست خجولة بإسرائيليتي. بعد ذلك أنا امرأة، وبعدها أنا عربية مسلمة. هذا هو الترتيب: إسرائيلية، إمرأة، عربية مسلمة”.

استغرق الأمر وقتا لأهريش لتطوير وجهة نظر مختلفة بشأن الصراع. كضحية لهجوم قام بها فلسطيني وكفتاة نشأت في بلدة التطوير اليهودية ديمونا قالت أنها كانت ’ضد للثقافة العربية’

استغرق الأمر وقتا لأهريش لتطوير وجهة نظر مختلفة بشأن الصراع. كضحية لهجوم قام به فلسطيني وكفتاة نشأت في بلدة التطوير اليهودية ديمونا قالت أنها كانت “ضد للثقافة العربية”. كإبنة لوالدين علمانيين انتقلا من الناصرة في أوائل السبعينات بعد حصول والدها على عرض عمل مغر، نشأت أهريش وهي تتحدث مزيجا من العبرية والعربية في منزلها (“كنا نتشاجر دائما بالعربية”)، ونتعامل مع جارنا ناجي المحرقة والذي يُدعى مناحم بمثابة جد، حيث أنها لم تتعرف أبدا على أجدادها الحقيقيين.

وقالت، “أخذت الكثير من الثقافة اليهودية الإسرائيلية؛ حتى أنني لم أعرف ما هي النكبة”.

ولكن الهروب من تراثها القومي في المدرسة كان مستحيلا. حيث تعرضت أهريش للمضايقات وأحيانا كانت تجد على جدران الحمامات عبارات تصفها بـ”العربية القذرة”.

تقول، “لم تكون هذه طفولة سهلة. كانت هناك هجمات إرهابية مروعة في بداية التسعينات، وبوصولك إلى المدرسة في الصباح كنت تعرف أنك عربي وأنك ستسمع حتما أمورا صعبة. ستسمع ’الموت للعرب’ و’اقتلوهم جميعا’. وفجأة، يلاحظ أحدهم وقوفك هناك ويقول، ’نعم، ولكنك لست مثلهم يا لوسي؛ أنت مختلفة”.

لوسي اهاريش تحتفل بعيد ميلادها الرابع في ديمونا (Lucy Aharish Facebook page)

لوسي اهاريش تحتفل بعيد ميلادها الرابع في ديمونا (Lucy Aharish Facebook page)

أشادت أهريش بمدير مدرستها مئير كوهين، الذي أصبح بعد ذلك رئيس بلدية ديمونا وشغل مؤخرا منصب وزير الرفاه الإجتماعي كعضو في حزب “يش عتيد”، بسبب موقفه الذي لا هواده فيه ضد العنصرية.

“لم يتم التسامح أبدا مع العنف والعنصرية. كان يوقف اليوم الدراسي في كل مرة كُتبت فيها شعارات عني. كان يقف أمام الصف بكامله ويقول، ’هذا لن يحدث في مدرستي. العنصرية هي أمر لا يمكن لمجتمع لائق، ولا سيما المجتمع اليهودي، التسامح معه’. لا أعرف إذا كان هناك مدراء مثله في نظام التعليم اليوم”.

رئيس بلدية ديمونا السابق والوزير الإسرائيلي مئير كوهن خارج مكتبه في وزارة الشؤون الاجتماعية في القدس، 30 نوفمبر 2014 (Miriam Alster/Flash90)

رئيس بلدية ديمونا السابق والوزير الإسرائيلي مئير كوهن خارج مكتبه في وزارة الشؤون الاجتماعية في القدس، 30 نوفمبر 2014 (Miriam Alster/Flash90)

ولكن النقلة النوعية حدثت فقط عندما تركت أهريش بيتها لتدرس في الجامعة العبرية في القدس عندما أصبحت في الـ 18.

“أستقليت الحافلة على طريق رقم 1 — الذي يفصل بين القدس الشرقية والغربية — عندما، وبينما كنت أنظر خارج النافذة، رأيت جنديا يقوم بإنزال أربعة شبان من سيارة ويطلب منهم مواجهة الجدار ورفع قمصانهم، بينما كان يحمل بطاقات الهوية الخاصة بهم ويوجه سلاحه نحوهم. قلت لنفسي، ’واو، هذا شيء لم أكن أدركه من قبل. لا يستحق أي إنسان أن يُهان بهذه الطريقة”.

“طالما أننا نرى بأنفسنا كضحايا، لن نحقق أي شيء”

سئمت أهريش من “خطاب الضحية” الذي يسيطر على المجتمع الإسرائيلي، ولكنه واضح أكثر بين العرب.

في أعقاب الإنتخابات الأخيرة، أتهمها أحد ممثلي حزب “التجمع” القومي خلال حوار تلفزيوني كانت تديره بأنها “تلقي باللوم على الضحية”.

’قلت له, ’من الضحية؟ هل أنت الضحية؟ هذه مشكلتك. أنا لست بضحية أحد… في اليوم الذي سنتوقف فيه نحن العرب عن رؤية أنفسنا كضحايا سيكون اليوم الذي سنبدأ فيه بالتقدم والمطالبة بحقوقنا’

تقول أهريش، “قلت له: ’من الضحية؟ هل أنت الضحية؟ هذه مشكلتك. أنا لست بضحية أحد… في اليوم الذي سنتوقف فيه نحن العرب عن رؤية أنفسنا كضحايا سيكون اليوم الذي سنبدأ فيه بالتقدم والمطالبة بحقوقنا. ولكن طالما أنك تعتبر نفسك ضحية، فلن تصل إلى أي شيء”.

هذه الصراحة الجريئة وضعت أهريش في صدام مع بعض زملائها العرب. عندما تحدث أهريش علنا ضد عضو الكنيست عن حزب “التجمع” حنين زعبي بعد أن قامت الأخيرة بتبرير جريمة إختطاف الفتية الإسرائيليين الثلاثة في العام الماضي، اتهمتها الناشطة الإجتماعية حنين مجادلي بأنها تعاني من “أزمة هوية”.

وكتب مجادلي على الفيسبوك في يونيو 2014، “لا توجد هناك حاجة لتجميل الواقع لتكون محبوبا من قبل التيار السائد الإسرائيلي. كفى لسياسة ’العربي الأليف’ المثيرة للإشمئزاز”، وتابعت مجادلي، “معظم الفلسطينيين في إسرائيل لا يعتبرون الخطف إرهابا. هم يرون به عملا مقاوما للإرهاب الإسرائيلي المتواصل في غزة والضفة الغربية. من جهة أخرى، لا يمكننا قبول تعرض الرهائن للأذى أو القتل. الهدف هو إستخدامهم كورقات مساومة لإطلاق أسرى”.

تقول أهريش أن إنتقادات كهذه لا تزعجها. “لا أقوم بقراءتها”. كما تقول وتضيف، “أحترم هويتهم، ولكن هذه ليست بهويتي، وليقولوا ما يريدونه. أنا لا أحكم أبدا على الناس”.

’اليوم، عندما يسألني الناس، ’ما أنت؟’ أقول أنني إسرائيلية. أنا لست خجولة بإسرائيليتي. بعد ذلك أنا امرأة، وبعدها أنا عربية مسلمة. هذا هو الترتيب: إسرائيلية، امرأة، عربية مسلمة’

وتضيف، “المشكلة هي أننا نحب كثيرا النظر إلى الوراء على الماضي”، وتتابع، “نقول: ’في 1948، حدث كذا وكذا؛ في 1967، حدث كذا وكذا… ماذا بشأن الحاضر؟ بعد أن بكينا، كيف سنحل ما يحدث الآن؟ كيف سنتعامل مع حقيقة أن الناس يعتقدون أن العرب هم العدو؟ أنه إذا تحدثت بالعربية في هذا المقهى فسأحظى بنظرتين على الأقل”.

وترى أهريش أن لغة خطاب الضحية هذه تسيطر أيضا على الخطاب الإسرائيلي أو ما يُدعى “هسباراه”.

“عندما يتعلق الأمر بالعرب، تقدم إسرائيل نفسها بإستمرار على أنها ضحية. ’العالم بأسره معاد للسامية’ هو الخط السائد. بدلا من ذلك، علينا أن نسعى لتقديم الحقيقة كما هي… أنها أكثر تعقيدا من مجرد القول ’نحن على حق وهم مخطئون”.

“عربي لن يقدم أبدا نشرة الأخبار الرئيسية في إسرائيل”

في البداية لم تخطط أهريش لتصبح صحافية. كان حلمها عندما أنهت الثانوية أن تصبح ممثلة. تقول أن “القدرة على جعل الناس يضحكون أو إثارة مشاع فيهم لطالما أذهلتني”، ولكن لوالدها كانت خطط اخرى. قال لها أن عليها أولا أن تحصل على الشهادة وبعد ذلك “أن تفعل ما تشاء”.

لذا إلتحقت أهريش بدراسات المسرح والعلوم السياسية في الجامعة العبرية. بعد تخرجها، قضت عامين في دراسة الصحافة في مدرسة “كوترت” في تل أبيب، وبعد التحقت بفترة تدريب في مجال الإعلام في ألمانيا لمدة 6 أشهر.

عند عودتها إلى إسرائيل، في فبارير 2007، بدأت العمل في القناة العاشرة الإسرائيلية، لتصبح أول مذيعة أخبار عربية في إسرائيل. بعد ذلك بوقت قصير، ألقيت عليها مهمة تغطية الشؤون الفلسطينية، حيث قدمت تقاريرها بانتظام من الضفة الغربية.

تقول أن من أجرت معهم اللقاءات، “كانوا يقولون، ’واو، أنت تتحدثين العربية بصورة جيدة جدا’، وكنت أقول لهم أنا عربية، وبعد ذلك كنت مضطرة لإظهار بطاقة هويتب لأثبت ذلك”.

أستغرق الامر وقتا للفلسطينيين الذين حاورتهم أهريش لتقبل حقيقة التحدث مع صحافية عربية لم يكن سهلا عليهم التعامل معها.

’ولكن عربي لن يقدم أبدا نشرة الاخبار المركزية. لا تملك القوى الموجودة الجرأة’

تقول أهريش، “إنها لعبة مختلفة كليا. العرب سيقولون للصحافيين اليهود ما يريدون سماعه، ولكن الأمر مختلف مع صحافي عربي”. تقول أهريش أنها حظيت باحترام الفلسطينيين في الضفة الغربية من خلال “التحدث معهم على مستوى نظرهم، كصديقة”.

خلال مسيرتها المهنية القصيرة نسبيا كصحافية تلفزيونية، حققت أهريش خبرة في عدد من المجالات: بدءا من مراسلة في الضفة الغربية وحتى مراسلة أخبار ترفيه في برنامج غاي بينيس؛ ومن مذيعة أخبار في القناة العاشرة إلى محررة نشرة الأخبار للأطفال بعد الظهر على القناة 1. حتى أنها حققت حلمها كممثلة، وأدت ادوارا ثانوية في عدد من الأفلام الإسرائيلية وفي 2013 في فيلم براد بيت الناجح “World War Z”.

ولكن الوظيفة التي لا يمكنها الجصول عليها أبدا، كما تقول، هي تقديم نشرة الاخبار المسائية على قناة تلفزيونية إسرائيلية.

تقول أن “الأمر ليس مسألة عنصرية بقدر أنه خشية صانعي القرار من الآراء النمطية المسبقة، أو من إنتقاد محتمل. هذا الخوف لا أساس له، لأن المشاهدين تقبلوا أصلا [مذيعة عربية]. ولكن عربي لن يقدم أبدا نشرة الاخبار المركزية. لا تملك القوى الموجودة الجرأة”.

لوسي اهاريش تقدم الاخبار المسائية على اخبار اي 24 (screen capture: YouTube)

لوسي اهاريش تقدم الاخبار المسائية على اخبار اي 24 (screen capture: YouTube)

كمقدمة لنشرة الأخبار المسائية باللغة الإنجليزية في وقت الذروة على قناة “i24news”، وهي قناة دولية أطلقت عام 2013 ومقرها في ميناء يافا بتل أبيب، تقول أهريش أنها تشعر بأن لديها تأثير أكبر من التأثير الذي سيكون لديها على أي قناة محلية.

وتقول، “المجيء بصوت مختلف من إسرائيل إلى العالم هو أكبر تأثير ممكن أن يكون لدي”. وتضيف، “أحاول أن أوضح لمشاهدينا أن الحياة في إسرائيل مستحيلة تقريبا، ولكن نحن نعيشها رغم ذلك”.

ستفكر في عائلتها خلال إضاءتها للشعلة

فوجئت أهريش بعد تلقيها المكالمة الهاتفية التي أبلغتها بأنها ستحظى بشرف إشعال الشعلة في 23 أبريل.

وتقول، “بكيت قليلا…. سألت نفسي، ’ما الذي قمت به لأستحق ذلك؟’ بدأ الناس بسؤالي لماذا استحقيت ذلك ومن أنا على اي حال. أسأل نفسي السؤال نفسه. هناك أشخاص واجهوا صعوبات أكبر في الحياة من تلك التي واجهتها أنا”.

عند إضاءة الشعلة، ستفكر أهريش بعائلتها التي ستكون بين الجمهور.

مريم بيريس، ام ثكلى لجنديين اسرائيليين، ترفع الشعلة اثناء الاحتفال بعيد الاستقلال الإسرائيلي ال66 في جبل هرتسل في القدس، 5 مايو 2014 (Yonatan Sindel/Flash90)

مريم بيريس، ام ثكلى لجنديين اسرائيليين، ترفع الشعلة اثناء الاحتفال بعيد الاستقلال الإسرائيلي ال66 في جبل هرتسل في القدس، 5 مايو 2014 (Yonatan Sindel/Flash90)

“هذه المرحلة [في الصحافة] أثبتت لي بأن والدي وقفا دائما بجانبي، حتى عندما اختلفنا على اختياراتي في أسلوب حياتي. على الرغم من كل شيء، هما فخوران جدا بي”.

أين ستكون أهريش بعد 10 أعوام؟ ليس بالضرورة في الإعلام، كما تقول.

تقول، “أرى نفسي أدير مقهى صغيرا في توسكانا، حيث سأعيش بالقرب منه”. وتضيف، “الكاميرا لم تثر إهتمامي أبدا كرسالة في حياتي. إعطاء محاضرات واستشارات، بالتأكيد. ولكن ما يهمني أكثر هو ما يدور وراء الكواليس. الكاميرا هي إضافة فقط”.