أ ف ب – بعد أقل من أسبوعين على هجوم نيس، تجد فرنسا نفسها مجددا أمام تحد جديد تمثل بمقتل كاهن ذبحا في عملية احتجاز رهائن نفذها رجلان يوم الثلاثاء في كنيسة في سانت اتيان دو روفريه شمال غرب البلاد.

وهي المرة الأولى التي يتعرض فيها موقع كاثوليكي في أوروبا لهجوم من تنفيذ تنظيم “داعش” الذي تبنى الإعتداء.

وأعلن النائب العام الفرنسي فرنسوا مولنز الثلاثاء، التعرف على هوية أحد منفذي الهجوم، مشيرا بضلوعه بالإرهاب.

وأوضح أن اسمه عادل كرميش من مواليد فرنسا، يبلغ من العمر (19 عاما) وهو معروف لدى أجهزة مكافحة الإرهاب، إذ حاول مرتين التوجه الى سوريا في عام 2015 للقتال، وكان يخضع للمراقبة بسوار الكتروني منذ اذار/مارس بعد قضائه نحو عشرة أشهر في السجن.

وأوضح مولنز أن كرميش وشخصا آخر لم تكشف هويته، اقتحما كنيسة سانت اتيان دو روفراي مسلحين بسكاكين واحتجزا خمسة أشخاص هم ثلاث راهبات واثنان من المصلين.

وتمكنت راهبة من الهرب وأبلغت الشرطة التي حاولت فور وصولها المكان التفاوض مع الخاطفين عبر باب صغير.

وأوضح النائب العام، أن الشرطة لم يكن بإمكانها شن هجوم على الفور بسبب وضع ثلاثة من الرهائن أمام باب الكنيسة.

بعدها تمكنت الراهبتان وأحد المصلين من الخروج من الكنيسة، لحقهما المهاجمان وكان أحدهما يحمل مسدسا وهاجما عناصر الشرطة.

وأوضح النائب العام أن الشرطة قتلت الشابين “اللذين كانا يحملان عبوتين ناسفتين وهميتين مغطاتين بورق المنيوم”.

وعثر على الكاهن جاك هامل البالغ من العمر (84 عاما) مذبوحا. في حين أصيب المصلي الذي كان لا يزال محتجزا داخل الكنيسة بجروح خطيرة وهو في السادسة والثمانين من العمر.

ودخل المهاجمان الى الكنيسة قرابة الساعة 7:30 ت.غ خلال القداس.

وقالت جوانا توران، موظفة في محل تجاري في سانت اتيان دو روفريه، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 29 الفا: “كنت اعتقد أن الاعتداءات تنحصر في المدن الكبرى، وأنها لن تصل الينا”.

وتفقد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مكان الإعتداء الذي وصفه بأنه “جريمة ارهابية دنيئة”.

وقال في سانت اتيان دو روفريه حيث رافقه وزير الداخلية برنار كازنوف: “استهدف الكاثوليك اليوم، لكن كل الفرنسيين معنيون”، داعيا مواطنيه الى التضامن. وأضاف أن “الخطر يبقى ماثلا”.

واعلن رسميا إحالة ملف العملية الى قضاة مكافحة الإرهاب.

ورفض الرئيس الفرنسي الثلاثاء دعوات المعارضة من اليمين واليمين المتطرف الى مزيد من التشديد لقوانين مكافحة الإرهاب بعد الإعتداء على الكنيسة، معتبرا أن القوانين التي تم التصويت عليها منذ العام 2015 تمنح السلطات “القدرة على التحرك”.

وقال في كلمة متلفزة من القصر الرئاسي الفرنسي: “إن التضييق على حرياتنا والإنتقاص من قوانينا الدستورية لن يعطي فاعلية في مكافحة الإرهاب، وسيضعف التماسك اللازم لأمتنا”.

وأضاف أن “الحكومة تطبق وستطبق بأكبر حزم ممكن القوانين التي صوتنا عليها، والتي تعطي القضاء والمديريات وقوى الأمن قدرة على التحرك ويعززها تمديد حال الطوارئ وتشديدها”.

 انتقادات جديدة للمعارضة

وعلى غرار ما حصل بعد اعتداء نيس، سارعت المعارضة من اليمين، الى مهاجمة الحكومة الإشتراكية، متهمة اياها بالتراخي وعدم الكفاءة في عملية مكافحة الإرهاب.

وقال الرئيس السابق نيكولا ساركوزي: “علينا أن نغير حجم تعاملنا (مع الإرهاب) واستراتيجيتنا”، منددا بـ”عملية ناقصة في مواجهة الإرهاب”.

وتابع: “يجب أن نكون بلا رحمة. الخفايا القانونية، الحذر في التدابير المتخذة، الحجج لعدم القيام بعملية كاملة، امور غير مقبولة”.

وطلب من الحكومة “تطبيق كل اقتراحات اليمين” و”بلا تأخير”، وبينها مثلا انشاء مراكز احتجاز للمشتبه بانهم يشجعون على التطرف.

ونددت زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن عبر “تويتر” بـ”جميع الذين يحكموننا منذ ثلاثين عاما”. بينما كانت النائبة عن الجبهة الوطنية ماريون ماريشال لوبن تدعو الفرنسيين إلى “الإستيقاظ”.

وتلقى القضاء الفرنسي الثلاثاء شكاوى من عائلات ضحايا الإعتداء الذي وقع في نيس في 14 تموز/يوليو، ضد الدولة الفرنسية والبلدية على خلفية التقصير الأمني، بحسب ما أفاد مصدر قضائي.

وأوضح النائب العام في نيس جان ميشال بريتر أنه “تم تسجيل أربع دعاوى، وأخرى لا تزال قيد النظر”. والمدعون هم أشخاص كانوا على مقربة من مكان وقوع الإعتداء أو من أهالي قاصرين كانوا موجودين في المنطقة.

تهديدات

وتعرضت فرنسا لثلاثة اعتداءات خلال 18 شهرا قتل فيها 17 شخصا في كانون الثاني/يناير 2015، و130 في تشرين الثاني/نوفمبر، و84 في تموز/يوليو 2016. وتخضع لحالة الطوارىء التي يتم تمديدها كل ثلاثة اشهر.

وكان تنظيم “داعش” قد نشر مؤخرا تسجيل فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي عبر الانترنت توعد فيه بمزيد من الهجمات في فرنسا.

وذكرت الوكالة التابعة للتنظيم الجهادي اليوم أن عملية الكنيسة في منطقة النورماندي جاءت “استجابة لنداءات استهداف دول التحالف الصليبي”.

وتشارك فرنسا في حملة الغارات الجوية التي ينفذها تحالف دولي بقيادة اميركية ضد الجهاديين في سوريا والعراق.

وكان المسؤولون الفرنسيون يتخوفون من خطة لمهاجمة أماكن دينية منذ سنة، لا سيما بعد احباط خطة للهجوم على كنيسة كاثوليكية في إحدى ضواحي باريس في نيسان/ابريل 2015.

وتم توقيف الجزائري سيد احمد غلام (24 عاما)، بعد الإشتباه بأنه ينوي استهداف هذه الكنيسة وأماكن دينية كاثوليكية أخرى في ضواحي باريس.

وأعلنت الحكومة بعد ذلك تعزيز تدابير مكافحة الإرهاب لتصبح مؤاتية أيضا لحماية لمراكز الدينية.

وتشمل عملية عسكرية يطلق عليها اسم “سانتينال” (حارس) حماية 700 مدرسة وكنيس يهودي وأكثر من الف مسجد بين 2500 موجودة في فرنسا. لكن يبدو صعبا جدا تطبيق نسبة الحماية نفسها على 45 الف كنيسة كاثوليكية، تضاف اليها أربعة آلاف كنيسة بروتستانتية و150 اورثوكسية.

وتم إحباط اعتداءات عدة منذ أكثر من عام، لكن لم يحل ذلك دون حصول أخرى بينها مثلا جريمة قتل شرطيين (رجل وامرأة) في منزلهما قرب باريس.

وتزامن اعتداء الثلاثاء مع افتتاح الأيام العالمية للشباب في كراكوفيا في بولندا، وهو تجمع ضخم للكاثوليك يشارك فيه البابا فرنسيس.

وندد الفاتيكان بـ”جريمة همجية”، وعبر البابا عن المه إزاء العنف الذي استهدف كنيسة ومؤمنين.

وجاء في بيان صادر عن الكرسي الرسولي: “نشعر بالصدمة لحصول هذا العنف الرهيب في كنيسة، في مكان مقدس يجسد حب الله، ازاء هذه الجريمة الهمجية التي قتل فيها كاهن وأصيب مؤمنون”.

كذلك دانت واشنطن “بأشد العبارات” الإعتداء، وعرضت مساعدتها في التحقيق. وقال الناطق بإسم مجلس الأمن القومي الأميركي نيد برايس في بيان: “إن فرنسا والولايات المتحدة لديهما التزام مشترك لحماية الحرية الدينية لجميع الأديان، والعنف الذي وقع لن يزعزع هذا الالتزام”.

من جهتها، دانت الحكومة الأردنية في بيان الثلاثاء الجريمة “الإرهابية الدنيئة” داخل كنيسة.