بعد أسبوع شهد احتجاجات مكثفة – وإلقاء زجاجات حارقة – في يافا، بدأ السياسيون بالتدخل وإعطاء آرائهم بشأن المظاهرات المتصاعدة التي تجتاح وسط إسرائيل احتجاجا على خطة البلدية بهدم مقبرة إسلامية وبناء ملجأ للمشردين في مكانها.

وقد حظيت هذه القضية بدعم رجال دين مسلمين، ونواب عرب وحريديم في الكنيست، والسكان المسلمين الساخطين، الذين ينظرون إلى الخطة على أنها تدنيس لطقوس الدفن ويتهمون الشرطة باستخدام القوة المفرطة في المظاهرات. وعلى النقيض من ذلك، يقول مسؤولو المدينة، وكذلك أمر من المحكمة، إن الأرض مهجورة منذ قرن وينددون بالاحتجاجات العنيفة المتزايدة.

تجمع المئات من المتظاهرين ليلا في شارع “ييفيت” في يافا منذ يوم الاثنين الماضي، حيث امتدت الاحتجاجات إلى الشوارع المجاورة بوسط المدينة. في حين تظاهر الكثير من المتظاهرين بشكل سلمي، انتهت كل ليلة حتى الآن باشتباكات بين سكان يافا والشرطة، مع إلقاء حجارة وحرق مركبات واعتقالات متعددة.

ليلة السبت شهدت المدينة حتى الآن الاحتجاجات الأكثر عنفا، حيث تم إلقاء زجاجة حارقة على مبنى البلدية، مما تسبب بأضرار طفيفة للمبنى. في وقت لاحق من تلك الليلة، دخلت الشرطة منزلي صبيين يبلغان من العمر 13 و15 عاما واعتقلتهما. ويُزعم أنه كان بحوزة المشتبه بهما مواد قابلة للاشتعال.

الشرطة تعتقل متظاهرين قاموا بإلقاء حجارة وحرق حاويات قمامة خلال احتجاجات على قرار هدم مقبرة في يافا، 10 يونيو، 2020. (Israel Police)

إلقاء الزجاجة الحارقة يوم السبت، بالإضافة إلى عناصر أخرى من الاضطرابات، دفعت السفارة الأمريكية إلى إصدار إنذار أمني لمنطقة يافا.

يوم الأحد، حمّل رئيس بلدية تل أبيب-يافا، رون حولدئي، الشرطة مسؤولية العنف، وقال إنها لم تكن مستعدة للتعامل مع الوضع.

وقال حولدئي للقناة 12 إن “الأحداث في يافا هي إخفاق للشرطة. كانوا يدركون ما سيحدث، وكان عليهم الاستعداد للتعامل مع الأمر بالشكل المناسب”.

المقبرة موضع النزاع، التي تُعرف باسم “مقبرة الإسعاف”، هي واحدة من بين مواقع الدفن الإسلامية القليلة في تل أبيب. وفقا لملفات المحكمة، كانت المقبرة مهملة لسنوات عديدة قبل أن يقرر “صندوق تنمية تل أبيب”هدم منزل مكون من طابق واحد من العهد العثماني كانت تستخدمه منظمة “غاغون” غير الربحية كمأوى مرتجل للمشردين. البلدية خططت لبناء ملجأ حديث مكون من ثلاثة طوابق في الموقع.

لكن بمجرد أن هدمت الجرافات المنزل، تم اكتشاف عظام 30 شخصا على الأقل تم دفنهم في المبنى. في تبرير لقرار استمرار البناء في الموقع، قال حولدئي للقناة 12 إنه “من المستحيل في يافا أن تبحث وألا تجد شيئا”. بكلمات أخرى، أرض يافا تضم طبقات كثيرة من التاريخ تجعل من المستحيل إيجاد مكان للبناء لا يسيء إلى حساسيات بعض السكان.

ردا على الهدم المخطط له، استقال عبد القادر أبو شحادة، عضو مجلس المدينة العربي الوحيد في تل أبيب-يافا، من الائتلاف الحاكم في المدينة، معلنا أن الاتفاقات التي وقعها مع الأطراف الأخرى تضمنت بنودا تضمن قداسة وحرمة الأماكن المقدسة.

’لا احترام للعلاقة بين الناس والمكان’

للسكان المسلمين، الذين يشكلون حوالي 4% من سكان تل أبيب-يافا، علاقة متوترة مع هوية المدينة. في حين تجاوز عدد السكان الفلسطينيين عدد المهاجرين اليهود في الأيام الأولى للصهيونية، غادر أو طُرد عشرات آلاف الفلسطينيين خلال “حرب الإستقلال” الإسرائيلية في عام 1948.

يقول أبو شحادة لتايمز أوف إسرائيل إن العرب الذين يعيشون في تل أبيب-يافا كانوا شاهدين على “محو” مواقعهم التاريخية من قبل البلدية. منذ عام 1948، تم هدم العديد من المقابر الإسلامية في تل أبيب، بما في ذلك مقبرة “عبد النبي”، والتي لم يبق منها سوى جزء صغير.

وقال: “لا يوجد احترام للعلاقة بين الناس والمكان”.

وحمّل أبو شحادة الشرطة مسؤولية العنف، واتهم أفراد الشرطة باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.

وقال: “أنا لا أؤيد [الاحتجاجات العنيفة] ، لكنني لن أدينها أيضا. لتأتي الشرطة وتعتذر أولا عما فعلته ولتتصالح مع الناس … سواء أحببتم ذلك أم لا، عندما تتصرف الشرطة ومؤسسات الدولة بعنف، تفقد شرعيتها ومصداقيتها – وهذه هي النتائج “.

الشرطة الإسرائيلية في مظاهرة لمواطنين عرب يحتجون على قرار بلدية تل أبيب بهدم مقبرة إسلامية قديمة تم اكتشافها بعد وضع خطط لبناء مأوى جديد للمشردين ومساحة تجارية في الموقع. 12 يونيو 2020. (Tomer Neuberg/FLASH90)

في بيان لصحيفة “هآرتس”، قالت الشرطة الإسرائيلية إنها “ستواصل العمل من أجل تقديم منتهكي القانون إلى العدالة”، وأضافت أن “سلوك البلطجة [الذي اتبعه المتظاهرون] يزعزع الحياة المدنية ويعرّض حياة الناس للخطر ويضر بالممتلكات”.

اجتذبت المظاهرات أيضا بعض الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في السياسة العربية في إسرائيل. ألقى الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الجناح الشمالي المتشدد للحركة الإسلامية في إسرائيل ، خطبا وصلى في “خيمة اعتصام” أمام المقبرة. وقد تم حظر الفرع الشمالي للحركة الإسلامية في عام 2015، ويرجع ذلك جزئيا إلى علاقات مزعومة مع حركة “حماس” الفلسطينية، وتم القبض على الخطيب عدة مرات للتحريض المزعوم على العنف.

وقاد خطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة سعيد صبري، وهو شخصية أخرى مثيرة للجدل، صلاة يوم الجمعة وسط حشد كبير اجتمع “للدفاع” عن المقبرة. وكان صبري، مفتي القدس السابق، قد أعرب في السابق عن دعمه للانتحاريين وإنكار المحرقة.

احتجاج المواطنين العرب على قرار بلدية تل أبيب بهدم مقبرة إسلامية قديمة تم اكتشافها بعد وضع خطط لبناء مأوى جديد للمشردين ومساحة تجارية في الموقع. 12 يونيو، 2020. (Tomer Neuberg / FLASH90)

وقال في خطاب ألقاه الجمعة “أرض المقبرة لا تزال أرضا إسلامية مقدسة، حتى لو كانت مهجورة”.

حليف غير متوقع

وأدانت “القائمة المشتركة”، وهي تحالف يضم أربعة أحزاب ذات غالبية عربية، خطوة البلدية، لكن الدعم للحفاظ على المقبرة جاء أيضا من جهة غير متوقعة: أعضاء حزب “شاس” الحريدي. يوم الخميس، بعث عضو الكنيست ينون أزولاي برسالة لنائب وزير الداخلية يوآف بن تسور، وهو أيضا عضو في الحزب، أعرب فيها عن معارضته للهدم. بن تسور بعث من جهته برسالة لحولدئي يوم الأحد طالبه فيها بوقف أعمال البناء على الأرض.

وكتب بن تسور، “هذه ليست مسألة قضائية باردة ورسمية، ولكنها قضية أخلاقية من الدرجة الأولى، وهذا واجبنا لحماية كرامة الموتى”.

وزارة الداخلية، التي تسيطر عليها شاس، هي المسؤولة في نهاية المطاف عن التخطيط العمراني والبناء في جميع أنحاء البلاد.

في رسالته، اعترض أزولاي على ما وصفه بازدواجية المعايير في تعامل الحكومة مع المواقع اليهودية والإسلامية.

وكتب “بالإضافة إلى ذلك، سياستنا كدولة يهودية تمنع هذا النوع من قلة الإحترام والتخريب في حالة المواقع اليهودية، وأنا لا أعتقد أن الأمر مختلف عتدما يتعلق الأمر بمقبرة إسلامية”.

ولقد خاضت الأطراف معركة قضائية استمرت لأكثر من عام حول ما إذا كان الهدم المخطط له سيمضي قدما. المعركة انتهت في يناير 2020، عندما رفضت محكمة في تل أبيب محاولات المجلس الإسلامي الحفاظ على المكان. في قرارها قالت القاضية أفيغيل كوهين إن المقبرة لم تُستخدم منذ 100 عام على الأقل، وأنها كانت مساحة عامة منذ أربعينيات القرن الماضي دون أي اعتراضات قانونية. علاوة على ذلك، لا يمكن لأي من المدعين أن يدعي وجود علاقة شخصية أو عائلية مع رفات الموتى المدفونين فيها.

سيدة عربية من مواطني إسرائيل حضر صلاة الجمعة بجوار مقبرة إسلامية من القرن الثامن عشر قبل انطلاق تظاهرة احتجاجية على القرار الذي اتخذته بلدية تل أبيب-يافا بهدم المقبرة وبناء ملجأ للمشردين في تل أبيب ، إسرائيل، 12 يونيو، 2020. (AP Photo / Oded Balilty)

وكتبت كوهين إن “بناء المشروع هو استجابة للاحتياجات العامة، ويستخدم أراضا لم يتم استخدامها منذ أكثر من مئة عام، ولم يتعامل المجتمع الإسلامي معها على أنها تتمتع بقداسة أو بأي صلة دينية”.

يعتمد قرار كوهين على سابقة مثيرة للجدل بنفس القدر. في عام 2008، أصدرت محكمة العدل العليا حكما يسمح ببناء “متحف التسامح” على أجزاء من مقبرة إسلامية قديمة في منطقة ماميلا، في القدس. وقد رفعت القضية منظمة تابعة للفرع الشمالي للحركة الإسلامية.

ووصفت وزارة الآثار الإسرائيلية الموقع بأنه “واحد من أبرز المقابر الإسلامية، حيث تم دفن سبعين ألف محارب مسلم من جيوش [صلاح الدين] مع العديد من العلماء المسلمين”. في حالة متحف التسامح، تمكنت العديد من الشخصيات الفلسطينية البارزة في الواقع إثبات وجود صلة مباشرة مع أولئك المدفونين في المقبرة، وفقا لملفات المحكمة. على الرغم من هذا الاعتبار، حكمت المحكمة العليا لصالح مركز “سيمون فيزنتال”، الذي دفع المشروع قدما.

بعد ذلك، أطلقت منظمات حقوق مدنية فلسطينية وإسرائيلية وأمريكية يهودية حملة لمنع بناء المتحف، مما أدى إلى استقالة كبير مهندسي المشروع. المتحف لا يزال غير مكتمل حتى يومنا هذا.

في يافا، بعد أشهر من محاولات التفاوض، قررت البلدية المضي قدما في عملية الهدم المخطط لها لمقبرة الإسعاف في أوائل يونيو.

لكن أبو شحادة يقول إن البلدية فوتت “فرصة تاريخية لتظهر أنها تتفهم مشاعر سكان يافا”.

وقال: “الحل الوحيد الآن هو أن توقف البلدية مشروعها على الفور وتعود إلى طاولة المفاوضات”.

إلا أن البلدية أكدت على أنها ماضية قدما في الخطة التي حصلت على الضوء الأخضر من المحاكم، وقالت في بيان “مرتكبو هذه الأفعال هم جزء من مجموعة صغيرة لا تمثل معظم سكان يافا الذين يثقون كثيرا بالبلدية”.