فصائل مسلحة تدعو الى طرد القوات الأميركية، ومسؤولون ينددون بانتهاك واشنطن لسيادة البلاد، ومخاوف من اندلاع حرب جديدة… أحيت الضربة الأميركية ذكريات سنوات العنف التي أعقبت غزو العراق في 2003، والعداء للأميركيين الذي قد يوحد كل الأطراف العراقيين.

وبرز التشبيه بقوة بعد اغتيال الأميركيين الجنرال الإيراني النافذ قاسم سليماني والقيادي الكبير في قوات الحشد العراقي أبو مهدي المهندس في ضربة قرب مطار بغداد، الى درجة لم يتردّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في استخدامه قائلا “لا يمكن للعالم أن يتحمل حربًا أخرى في الخليج”.

ويرى خبراء أن واشنطن لم تتمكن من اجتذاب تعاطف الطبقة السياسية المنقسمة حول نفوذ إيران المتزايد عبر قرع طبول الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، لا بل دفعت خصومها الى توحيد صفوفهم.

ويؤكد الباحث ريناد منصور من مركز “تشاتام هاوس” للأبحاث أن “الخطاب المعادي للأميركيين عاد”، مضيفا “كان وُضع جانباً لأن الولايات المتحدة لعبت (خلال الفترة الأخيرة) دوراً أقل أهمية في العراق، ولكن مع اغتيال سليماني، فإن أولئك الذين كانوا يحاولون حتى الآن القيام بتعبئة لمعاداة الولايات المتحدة من دون أن ينجحوا بذلك، بات لديهم التبرير الكافي”.

سياسة ’مغامرة’

ويقول الخبير في الشؤون العراقية فنار حداد في جامعة سنغافورة “آية الله العظمى علي السيستاني و(الزعيم الشيعي) مقتدى الصدر والجيش العراقي ورئيس الوزراء (عادل عبد المهدي) والمتظاهرون المناهضون للسلطة دانوا” الغارة الأميركية، علما أنهم كانوا في مواجهة سياسية بين بعضهم قبل أيام.

ويضيف “البعض يتصور أن ما حصل الجمعة قطع أجنحة إيران في العراق: الآن العكس هو المرجح”.

ويتفق منصور مع ذلك قائلا “الولايات المتحدة لم تفعل شيئًا بمثل هذه العدوانية منذ فترة طويلة، وبالتالي، فقد أعادت الضربة ذكريات الاحتلال العسكري الأميركي للعراق”.

لدرجة أن رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر الذي كان يحاول لسنوات أن يدفن صورته كزعيم ميليشيوي ليرتدي زي الزعيم الشعبوي الذي يفضل صناديق الاقتراع، قرّر إعادة إحياء “جيش المهدي” الذي لعب الدور الأبرز في العمليات ضد الأميركيين وزرع الرعب بينهم، الى أن تمّ تجميده بعد قمعه بشكل قاس من الحكومة قبل عقد من الزمن.

ويقول المحلل نيك هيراس “إذا كان سليماني شخصية أجنبية، فإن أبو مهدي المهندس الذي اغتيل معه هو شخصية بارزة في الدولة العراقية وأحد أكثر قادة الحشد الشعبي احتراما، معتبرا أن “الولايات المتحدة دخلت في صراع مع أحد مكونات القوات النظامية العراقية”.

وبحسب هشام الهاشمي المتخصص في الجماعات المسلحة، تقرّرت سياسة “المغامرة” هذه في واشنطن لأن “إدارة (الرئيس دونالد) ترامب تدرك أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الأقوى في العراق، وباتت في مواجهة فصائل ضاعفت قدراتها من خلال الحرب ضد الجهاديين”.

واليوم، بالإضافة إلى تراكم الترسانات وغنائم الحرب، ارتدت هذه القوات لباس السياسة وبات مسؤولوها نوابا ووزراء ومستشارين.

ويقول الهاشمي “هذه الفصائل لها الآن جناح سياسي وحكومي، ووسائل إعلام، ومال، وعلاقات، وخبرة، وسلاح، وموارد بشرية، وجمهور حزبي”، يمكنها تعبئته بسهولة كما حدث خلال الهجوم على السفارة الأميركية الثلاثاء.

’السيادة الوطنية’

وباتت لهذه الفصائل اليوم حجة السيادة الوطنية وخرق الولايات المتحدة للإطار القانوني لوجودها في العراق.

وهي قضية سيكون الدفاع عنها سهلا خلال الجلسة الطارئة التي يعقدها البرلمان الأحد للمطالبة بإصدار تشريع لمغادرة القوات الأميركية العراق. وهو موضوع حاولت الأحزاب المؤيدة لإيران إدراجه من قبل على طاولة البحث، من دون جدوى.

ويقول منصور “مقارنة بايران، الإدارة الأميركية ليس لديها هدف واضح”، فيما تعمل طهران من خلال “محور الممانعة” الذي يمتد من بغداد الى بيروت ودمشق على “أساس مسألة وجودية”.

وسبق أن تمّ توجيه هذا الانتقاد للأميركيين في 2003، إذ ارتفعت أصوات كثيرة في العراق وفي أماكن أخرى تتهمهم بعدم وجود خطة لمرحلة ما بعد صدام حسين.

ويقول الباحث رمزي مارديني لوكالة فرانس برس إن الغارة على سليماني والمهندس هي “على الأرجح نتيجة لسوء تقييم” للوضع في العراق. من ناحية، “لم تقدّر إيران أن حصول أزمة رهائن جديدة في السفارة سيغير القواعد بالنسبة الى الأميركيين”. ومن ناحية ثانية، “رأت واشنطن في الاعتداء على سفارتها، الذي انتهى بعد 24 ساعة بأمر مباشر من الحشد، “تهديدا حقيقيا أكثر من كونه عامل ردع إيراني”.

ويرى الخبراء أن ميزان قوى جديدا بات اليوم قائما في العراق.

ويقول منصور “كان الجدل يقوم حول من يملك نفوذا أكثر في العراق: إيران أم الولايات المتحدة. اليوم، تميل الكفة بوضوح لإيران. لم يعد أحد يطرح هذا السؤال”.