مثل الكابوس المتكرر، جولة الحرب القادمة بين اسرائيل وحماس في غزة على وشك الاندلاع. بدون اي سبب واضح، أو أي نشاطات خارجة عن العادة من قبل أي من الطرفين – بل مجرد جزءا من التصعيدات المزمنة التي يبدو انها مصير الطرفين.

قد تكون ناتجة عن التأخيرات بإرسال الاموال القطرية الى القطاع، التي من المفترض أن تغطي دفعات لعشرات آلاف العائلات الفقيرة. قد تكون ناتجة أيضا عن محاولة حماس صرف النظر عن القمة الاقتصادية التي تخططها الولايات المتحدة في البحرين في وقت لاحق من الشهر.

وفي يوم الثلاثاء، اعلن البيت الابيض أن الاردن ومصر سوف تشاركان في القمة، اضافة الى دول الخليج، وبهذا اظهرت ضعف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وعدم قدرته التأثير على الاحداث الاقليمية بعد محاولاته المتكررة لإقناع القادة في القاهرة وعمان لعدم المشاركة في مبادرة ادارة ترامب.

ولكن مع كل هذا، ما يمكن أن يكون مدى نجاح القمة إن تجرى في ظل تصعيد آخر في غزة تنظمه حماس بخبرة؟

بدأ هذا التصعيد بإرتفاع حاد بعدد البالونات الحارقة التي تطلق من غزة في الأيام الأخيرة. وقد شهر يوم الأربعاء وحده 12 حريقا ناتجا عن بالونات حارقة بالقرب من بلدات اسرائيلية محاذية لحدود غزة.

رجال إطفاء إسرائيليون يكافحون النيران التي اشتعلت جراء إطلاق بالونات حارقة من قطاع غزة، بالقرب من السياج الحدودي بين إسرائيل وغزة، الأربعاء، 15 مايو، 2019. (AP/Tsafrir Abayov)

وبحسب تقارير موثوق منها، لم تصدر هذه البالونات عن عصابات متفرقة في غزة، بل نتجت عن نشاط هادف من قبل حماس يسعى لتحذير اسرائيل من تأخير تطبيق اتفاق الهدنة غير الرسمي الذي تم التوصل اليه الشهر الماضي، والذي كان تحويل الاموال القطرية احد اساساته.

وقد اعلنت اللجنة التي تنظم المظاهرات الحدودية في غزة أيضا عن نيتها احياء نشاطات “وحدات الإرباك الليلي”، التي تجري مظاهرات في مواقع مختلفة عند السياج الأمني كل ليلة بمحاولة للضغط على اسرائيل عبر ترهيب السكان في المناطق المجاورة وإرباك الجنود عند الحدود.

وقد ادى اطلاق البالونات الى تقليص اسرائيل منطقة صيد الاسماك المتاحة حول غزة. وفي كل مرة، يعلن منسق النشاطات الحكومية في الاراضي، اللواء كميل ابو ركن، عن توسيع او تقليص منطقة صيد الاسماك بناء على عدد البالونات التي تدخل اسرائيل.

وفي اعقاب التصعيد بإطلاق البالونات يوم الاربعاء، تم حظر الصيد تماما امام شواطئ غزة، وفرض حصار بحري تام على القطاع.

وعواقب هذه الخطوة الاقتصادية ضخمة. وسكان غزة القليلين الذين لا زال لديهم عمل، يعملون بصيد الاسماك.

صيادو اسماك في ميناء غزة، 3 ابريل 2019 (AP Photo/Khalil Hamra)

وانتشرت خلال ساعات شائعات في غزة بأن اسرائيل قررت تأخير دخول السفير القطري محمد العمادي – قد تم تأجيل الزيارة في وقت سابق ايضا – الذي كان من المفترض أن يوزع 30 مليون دولار على عائلات فقيرة ضمن مبادرات قطر لتعزيز الهدنة.

وبعدها، بشكل شبه تلقائي، أتى الرد: اطلق صاروخ من غزة اتجاه اسرائيل، اعترضه نظام القبة الحديدية فورا. وبعد مرور بضعة ساعات، جاء الرد التلقائي، هذه المرة من الطرف الإسرائيلي: غارات جوية ضد موقعين تابعين لحماس، احدهما بالقرب من رفح والاخر في حي الزيتون في مدينة غزة. ولم تقع اصابات في الغارات.

صورة تم التقاطها في مدينة غزة في 5 مايو، 2019، تظهر صواريخ يتم إطلاقها باتجاه إسرائيل. (Mahmud Hams/AFP)

وما هي حال الأوضاع صباح الخميس؟ بلمحة أولى، تبدو الامور متشائمة. لم يصل مسؤولون استخباراتيون مصريون بعد القطاع من اجل تولي دورهم المتكرر بإخماد النيران. والاموال القطرية التي كان من المفترض ان تصل القطاع، والتي تسبب تأخيرها بالتصعيد السابق وتقع في لب التصعيد القادم، تبقى خارج غزة.

وكانت حماس قد تعهدت ان تأخير توصيل الأموال ومطالب اسرائيل بالإشراف على توزيعها سوف تؤدي الى جولة قتال اخرى. ويبدو الان ان الطرفين على وشك دخول هذه الجولة المقبلة.

وتبرز كل جولة من جديد الثمن الذي تدفعه اسرائيل على قرار الحكومة الإسرائيلية العام الماضي السماح لقطر ارسال 15 مليون دولار شهريا الى غزة.

فلسطينيون يحصلون على مساعدات مالية من قطر في مدينة غزة، 19 مايو 2019 (Abed Rahim Khatib/Flash90)

ومنذ ذلك الحين، تعطش حماس للأموال القطرية يتنامى. وقد تعلمت الحركة الفلسطينية أنه في اعقاب اظهار بعض القوة والتهديدات، يختار نتنياهو وحكوماته المتعددة، المؤقتة والثابتة، دائما دفع ثمن التهدئة بدلا من المجازفة بتصعيد.

وقرار ادخال الاموال الذي لا مفر منه منطقيا جدا. انه يتجنب اندلاع الحرب. ولكن لديه ايضا ثمن: التصعيدات المتكررة التي تشهدها اسرائيل كل شهر او شهرين. وفعلا، حتى في حال دخول الاموال القطرية للقطاع وتراجع التصعيد الاخير، لا يوجد تدبير بديل واضح يضمن نتيجة افضل ومستقرة اكثر.

سوف تلي جولة القتال هذه جولات اخرى بالتأكيد. حماس تشعر انه لا يوجد لديها امكانيات مقبولة اخرى. الاوضاع الانسانية في القطاع الفلسطيني متدهورة، البطالة ترتفع، مشاريع البنية التحتية واعادة الاعمار تتأخر، وحركة الجهاد الإسلامي تلاحق حماس بشكل دائم (بتشجيع إيراني، بالتأكيد) وتنادي الى جولات قتال جديدة مع اسرائيل. وفي المقابل، تبذل السلطة الفلسطينية كل مجهود من اجل تخريب اقتصاد غزة اكثر ضمن خلاف حركة فتح الطويل مع حماس.

امام هذه الضغوطات، ترى حماس الان فرصة. اسرائيل تقترب من الانتخابات، وهي تعلم من تجربتها المؤخرة، ان الانتخابات تجعل نتنياهو ضعيفا امام الضغوطات. قد يكون هذا وقت جيد للحصول على تنازلات جديدة، خاصة عبر وسيلتها المختبرة والناجحة، بواسطة تصعيدات محكمة للعنف.