يواجه سامي، طبيب متدرب، صعوبة في النوم. موجة الحر التي تضرب إسرائيل وصلت أيضا إلى قطاع غزة، حيث بلغت درجة الحراة هناك 37 درجة مئوية. الحر في غرفته لا يطاق، والبعوض  يزيد من صعوبة الموقف. ولكن بسبب أزمة كهرباء مستمرة، لا يمكن لسامي أن يقوم بتبريد نفسه، أو حتى وصل جهاز بالكهرباء لإبعاد البعوض القارص.

وقال سامي، الذي اختار استخدام اسم مستعار خوفا من رد السلطات في غزة، “أحيانا أتقلب على سريري في عدة اتجاهات لمدة ساعة قبل أن أنجح بالنوم. إن ذلك مهين”.

في سلسلة من المقابلات أجراها تايمز أوف إسرائيل، وصف سكان القطاع الآثار المدمرة لأزمة الكهرباء التي تملي عليهم روتينهم. فلقد حولت السلع والخدمات والأنشطة الأساسية إلى كماليات. الإستراتيجيات العادية للتبريد في حر الصيف، كالاستحمام والسباحة وتكييف الهواء والمراوح الكهربائية، اختفت جميعها. حتى شرب الماء أصبح سلعة نادرة.

أحد الذين أجريت معهم المقابلة يقول إن الأمر يتعلق بالحي الذي تسكن فيه. يتمتع المواطن العادي في غزة  ب4-6 ساعات أو 2-3 ساعات من الكهرباء يوميا. لا توجد للسكان أدنى فكرة عن الوقت الذي سيأتي فيه التيار الكهرباء، لذلك عندما يأتي يقومون بترك ما يعملون عليه ويسارعون إلى إكمال المهام التي تتطب كهرباء.

أطفال فلسطينيون في منازلهم يقرؤون الكتب على ضوء الشموع بسبب نقص الكهرباء في مدينة غزة، 13 يونيو / حزيران 2017. (AFP/THOMAS COEX)

أطفال فلسطينيون في منازلهم يقرؤون الكتب على ضوء الشموع بسبب نقص الكهرباء في مدينة غزة، 13 يونيو / حزيران 2017. (AFP/THOMAS COEX)

وقال علي، وهو صحافي يبلغ من العمر 30 عاما لم يرغب في استخدام اسمه الحقيقي خوفا من رد فعل عنيف، “عندما تأتي الكهرباء، لساعتين أو ثلاث، تركض مثل المجنون لتتمكن من إعادة شحن كل شيء، ضخ المياه، الإستحمام، النوم، العمل، الولوج إلى الإنترنت، تبريد نفسك والتنفس، كل ذلك في ساعتين”.

يمكن للتيار الكهربائي أن يأتي في منتصف يوم العمل، أو في قوت متأخر من الليل عندما يكون الجميع نياما.

خلال أزمة الكهرباء الحالية، كما يقول علي، “أصبحت الماء الباردة من الكماليات، أمنية، حلم، رغبة. انقطاع الكهرباء يعني أنه لا توجد هناك ثلاجة، ما يعني أنه لا توجد هناك ماء باردة”.

خالد، وهو أب لثلاثة أطفال وعامل إغاثة، والذي طلب عدم استخدام اسمه الحقيقة لأنه لا يملك صلاحية التحدث مع وسائل الإعلام، اشتكى هو أيضا من عدم قدرته على حماية عائلته من الحر.

طفل فلسطيني يستخدم صحن من البلاستيك كمروحة خلال موجة حر في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، 2 يوليو، 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

طفل فلسطيني يستخدم صحن من البلاستيك كمروحة خلال موجة حر في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، 2 يوليو، 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

وقال “ابني الصغير يبلغ من العمر 8 أشهر. في الليلة الماضية، لم يتمكن من النوم،  فما كان منا الا الإستمرار في تهوئته. لقد استخدمنا ورقة لتهوئة وجهه، وفي اللحظة التي كنا نتوقف فيها كان يستيقظ”، وأضاف أن “زوجتي تقوم بالأعمال المنزلية في أوقات غريبة. تجدها في ساعات الصباح الأولى تقوم بتشغيل الغسالة لأن التيار الكهربائي أتى للتو. أصبح جدول نومها غير ثابت بالمرة”.

يعاني سكان غزة من أزمة في التيار الكهربائي منذ استيلاء حركة حماس على الحكم في القطاع من السلطة الفلسطينية في انقلاب عنيف في عام 2007. منذ ذلك الحين وحتى إلى ما قبل أشهر قليلة، حظي الغزيون بالكهرباء على فترات تمتد لثماني ساعات – ثماني ساعات مع كهرباء وثماني ساعات بلا كهرباء. وكان ذلك كافيا، كما يقولون، للحفاظ على مظاهر الحياة الطبيعية واستمرار عمل البنى التحتية في القطاع.

وتفرض كل من إسرائيل ومصر حصارا على قطاع غزة، تقول اسرائيل أنه ضروري لمنع دخول أسلحة ومواد يمكن إستخدامهما في أنشطة إرهابية أو في القتال ضد إسرائيل. وتسمح السلطات الإسرائيلية بدخول السلع الإنسانية وتعطي البعض من سكان غزة تصاريح لدخول إسرائيل لتلقي علاج طبي.

وبدأت الأزمة الحالية عندما توقفت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة عن العمل بسبب نقص في الوقود. ورفضت حركة حماس شراء المزيد من وقود الديزل من السلطة الفلسطينية، التي تسيطر عليها حركة فتح المنافسة لها، حيث تقول إن الضرائب المفروضة على الوقود مرتفعة جدا.

وتعمقت الأزمة عندما قررت السلطة الفلسطينية، التي كانت تقوم بدفع مستحقات الكهرباء التي تزودها إسرائيل إلى غزة، اقتطاع الدفعات بنسبة 35% – في إطار سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى إجبار حماس على التخلي عن سلطتها في القطاع.

بطلب من السلطة الفلسطينية، تقوم إسرائيل بتقليص الكهرباء للقطاع بشكل تدريجي. حتى يوم الأحد، قلصت إسرائيل إمداداتها من الكهرباء إلى غزة من 120 ميغاوات إلى 80، وتقول إنها ستعود إلى الوضع السابق عندما يدفع أحدهم الفاتورة.

في 21 يونيو، قررت مصر التدخل وقامت بتزويد وقود ديزل إلى غزة. سمح ذلك لمحطة توليد الكهرباء في غزة بالعمل مجددا، حيث بلغ إنتاجها 70 ميغاوات، وفقا لسلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية التي تشرف عليها حماس.

لكن الوقود المصري، بالإضافة إلى كونه اتفاق مؤقت مع القاهرة، نجح فقط في منع وقوع كارثة شاملة. لكنه لم يساعد في رفع المعاناة عن سكان غزة المتعطشين للكهرباء.

سهير زكوت، التي تعمل في جمعية الصليب الأحمر، تقول إن الأزمة قد “تجعل من كل دقيقة في الحياة صراعا”.

وصفت حالة طفل يعاني من الربو والذي تضطر عائلته إلى أخذه إلى المستشفى حوالي خمس مرات في اليوم.

عندما يتم ربطه بالقناع الذي يساعده على التنفس، يمكن لوالدته الاهتمام به “بسهولة” في المنزل، كما تقول زكوت. ولكن من دون كهرباء، في كل مرة تكون لديه نوبة عليهم التوجه إلى المستشفى.

وتشير زكوت أيضا إلى حقيقة أن أطفال غزة، الذي يقضون الآن عطلتهم الصيفية، لا يوجد لديهم الكثير ليفعلونه لقضاء أوقات فراغهم. الشاطئ هو بقعة التجمع المعتادة خلال الصيف، ولكن السلطات في غزة أغلقت جزءا كبيرا منه. من دون كهرباء، محطات معالجة مياه الصرف الصحي لا تعمل بالشكل المطلوب، ويجري ضخ المخلفات الخام في البحر.

لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي، احتفلت غزة بعيد الفطر، وهو الوقت الذي تجتمع فيه العائلات عادة لتبادل الهدايا. ولكن المسنين والمعاقين لم يكونوا قادرين على زيارة عائلاتهم التي تعيش في مباني شاهقة لأن المصاعد خارج الخدمة، كما تقول زكوت.

وقارنت زكوت انقطاع التيار الكهربائي بالمرض. “تدرك مدى أهمية المضادات الحيوية عندما لا تكون لديك”.

ولكن، كما تقول فإن “الأطباء هناك هم السياسيون”.

غزة هي ’سفينة تغرق’ والمياه ’وصلت إلى مستوى الرقبة’

جمعت الأمم المتحدة دبلوماسيين في مكاتب المنظمة في القدس. وجهت المنظمة الدولية نداء لجمع مبلغ 25.2 مليون دولار “لإضفاء الإستقرار على الوضع الإنساني المتدهور في قطاع غزة” بسبب أزمة الكهرباء.

طفلة فلسطينية تملأ وعاء بالماء خلال موجة حر في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، 2 يوليو، 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

طفلة فلسطينية تملأ وعاء بالماء خلال موجة حر في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، 2 يوليو، 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

في وثيقة عُرضت في الاجتماع، حددت الأمم المتحدة ثلاث قطاعات آخذة بالانهيار بسرعة من دون كهرباء: المياه/الصرف الصحي والصحة والغذاء.

بحسب الوثيقة تصل الماء إلى المنازل لبضع ساعات قليلة كل 3-5 أيام. محطات تحلية المياه تعمل ب15% من طاقتها فقط وأكثر من 108 مليون لتر من مياه المجاري غير المعالجة تتدفق كل يوم إلى البحر الأبيض المتوسط. من دون القدرة على الوصول إلى مياه نقية، بحسب الأمم المتحدة، يواجه 1.45 مليون شخص في غزة خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه بسبب إستهلاك مياه غير آمنة.

وقال جيسلين ديفورن، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتايمز أوف إسرائيل إن “غزة مثل سفينة تغرق”.

وأضاف إن “المياه بدأت تصل إلى مستوى الرقبة لدى المسافرين. لديهم القدرة على التنفس، ولكن المياه تدخل السفينة. لا يمكن لسكان غزة البقاء صامدين لفترة طويلة”.

صناعة الغذاء أيضا تأثرت بشكل كبير جراء الأزمة.

بسبب ندرة المياه، فإن تكاليف الري ارتفعت بنسبة 65-75%، بحسب ديفورن. وتلف الكثير من الطعام أيضا لأن التبريد أصبح مكلفا للغاية أيضا.

محلات السوبر ماركت تحافظ على المنتجات طازجة بمساعدة مولدات. ولكن ملئ هذه الماكنات بالوقود مكلب، ما يجبر التجار على رفع الأسعار.

تقول الأمم المتحدة إن 1.2 مليون شخص في غزة الذين يعانون أصلا من انعدام الأمن الغذائي يواجهون الآن عقبات إقتصادية متزايدة أمام وصولهم إلى الطعام.

بالنسبة للطرف الذي يتحمل مسؤولية الأزمة، فإن “معظم الغضب موجه إلى حماس”، كما يقول سامي، الطبيب المتدرب. ويضيف سامي إن أزمة الكهرباء تجد طريقها إلى جميع المحادثات تقريبا حيث يسمع “الأشخاص يعبّرون عن كرههم لحماس مرارا لهذا السبب بالذات”.

أما خالد، عامل الإغاثة، فيقول إنه يتفهم شعور الإسرائيليين الذي يريدون حماية أبناءهم، لكنه يرى أن السياسات الإسرائيلية تقوض أمنهم.

مشيرا إلى أن نحو 50% من سكان غزة تحت سن 18، يقول خالد “أي جيل في غزة سترى إسرائيل بعد 5 أو 10 سنوات؟ مع المعاناة من انقطاع الكهرباء ونقص المياه ومن الحروبات – ستتطور عقلية الشبيبة وفقا لذلك”.

طفلة فلسطينية تحمل قنديل بحر في يد وكتلة رغوة جامدة في الأخرى وتقف في  مباه البحر المتوسط في مخيم الشاطئي في مدينة غزة، 3 يوليو، 2017.  ( AFP PHOTO / MOHAMMED ABED)

طفلة فلسطينية تحمل قنديل بحر في يد وكتلة رغوة جامدة في الأخرى وتقف في مباه البحر المتوسط في مخيم الشاطئي في مدينة غزة، 3 يوليو، 2017. ( AFP PHOTO / MOHAMMED ABED)

وأضاف “يجب منح الناس حقوقهم الأساسية. لا أرى أي صلة بين أمن إسرائيل وعدم حصول أطفال غزة على مياه نقية. عليكم كسر الحلقة في مرحلة معينة”.

ورفض مكتب رئيس الوزراء التعليق على التقرير. في الماضي ادعت السلطات الإسرائيلية أن الخلاف الفلسطيني الداخلي بين حماس والسلطة الفلسطينية هو الذي يقف وراء أزمة الكهرباء في غزة، وأن لا دور لإسرائيل فيها. وترى إسرائيل والسلطة الفلسطينية أن بمقدور حماس دفع مستحقات الكهرباء التي تحتاجها غزة لو لم تقم بإنفاق قسم كبير من مواردها على الأسلحة والإستعداد لصراع مستقبلي مع الدولة اليهودية.