أفضى العام الماضي إلى صعود إدارة أمريكية اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل، وامتنعت عن التنديد بأي مشروع استيطاني تمت المصادقة على بنائه في الضفة الغربية، وقامت بتجميد ملايين الدولارات من المساعدات للفلسطينيين.

في هذا المناخ ما بعد أوباما، وجد قادة المستوطنين لهم فرصة للدفع بأجندتهم، ونجحوا من خلال الضغوط التي مارسوها على الحكومة الإسرائيلية بالدفع ثلاث مرات بمشاريع اسكان في المستوطنات كما فعلوا في العام السابق، وكان لديهم أقوى محاولة تشريعية حتى الآن لبسط السيادة الإسرائيلية على كافة المستوطنات اليهودية وراء الخط الأخضر.

مع اجتماع 18,000 شخصا من مؤيدي إسرائيل في واشنطن للمشاركة في المؤتمر السنوي للجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية هذا الأسبوع، ركز قادة المستوطنين هم أيضا اهتمامهم على العاصمة الأمريكية.

ولكن هناك انقسامات بشأن الاستراتيجيات حول كيفية التعامل مع الجمهور الأمريكي: من جهة هناك منظمة مظلة عملت بهدوء على تطوير علاقتها مع أقوى لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة؛ ومن الجهة الأخرى هناك الرئيس المارق لمجلس إقليمي في الضفة الغربية، الذي نجح في حشد الدعم من عدد كبير من المشرعين في الإئتلاف الحاكم بفضل رسالة قوية اللهجة بعث بها إلى قيادة إيباك.

الرئيس التنفيذي لمجلس يشع شيلون أدلر (الواقف في الصورة) يتحدث مع نشطاء من الحركة الاستيطانية على هامش مؤتمر إيباك في العاصمة الأمريكية واشنطن، 4 مارس، 2018. (Courtesy)

بعد ظهر الإثنين، عقد مجلس “يشع” الاستيطاني حدثا على هامش المؤتمر حول “محاربة نزع الشرعية عن إسرائيل من خلال احتضان يهودا والسامرة”.

وانضم إلى مسؤولين كبار من مجلس يشع في هذا المؤتمر مسؤولون أمريكيون والوزراء الإسرائيليون نفتالي بينيت وأييليت شاكيد وتساحي هنغبي ويوفال شتاينتس بالإضافة إلى النائبة في الكنيست شارين هاسكل (الليكود) والقنصل العام لإسرائيل في نيويورك داني ديان. وعُقد هذا الحدث بالتعاون مع وزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية والمجلس الإقليمي غور الأردن.

تجمع أكثر من 400 شخص في غرفة الطابق السفلي لكنيس الشارعين السادس والأول التاريخي. عشرات آخرون انتظروا خارج المبنى ولم يتمكنوا من الدخول.

واحدا تلو الآخر، اعتلى المتحدثون الـ 12 في الحدث المنصة ليكرروا – وسط تصفيق حار – الرسالة نفسها: إن الضفة الغربية هي جزء لا يتجزأ من إسرائيل.

المتحدث باسم المجتمع اليهودي في الخليل يشاي فلايشر، الذي أشرف على الحدث، قال إن الحدث هو جزء من “حملة تثقيفية” موجهة لليهود الأمريكيين وأعضاء إيباك على وجه الخصوص.

المتحدث باسم المجتمع اليهود في الخليل، يشاي فلايشر، يتحدث في حدث نظمه مجلس يشع في العاصمة الأمريكية واشنطن لدعم الحركة الاستيطانية في 5 مارس، 2018. (Courtesy: Yesha Council)

وقال فلايشر لتايمز أوف إسرائيل: “نريد من الناس الذين تم تضليلهم أن يفهموا بصورة أفضل مدى أهمية يهودا والسامرة في الدفاع عن إسرائيل ولتاريخها ولمكافحة نزع الشرعية”.

وأضاف: “الجميع يدرك أن إيباك هي منظمة تريد إنشاء علاقة معها. نحن لا نريد الطلاق، بل نريد التواصل”.

لكن فلايشر لم يتجاهل الخلافات العميقة مع اللوبي، التي برزت في خطاب ألقاه المدير التنفيذي لإيباك، هوراد كور، الأحد والذي وجه فيه نداء واضحا إلى “دولتين لشعبين”، وقال أنه من “المأساوي” أن هذا السيناريو يبدو بعيدا في الوقت الحالي.

القيادي من الخليل زعم أن خطاب كور “لا يعكس كل إيباك”.

وقال فلايشر: “تبين لنا أن هناك الكثير من الأشخاص في إيباك المعنيين في مناقشه هذه القضايا”، قبل أن يتساءل عن سبب عدم طرح خيارات سياسية أخرى في مؤتمر السياسات.

المدير التنفيذي لمنظمة إيباك، هوارد كور، يلقي كلمة أمام مؤتمر اللوبي المؤيد لإسرائيل، 4 مارس، 2018. (لقطة شاشة: AIPAC)

ومع ذلك، تجنب المتحدثون في الحدث الذي نظمه يشع انتقاد إيباك صراحة.

فلايشر شرح أن “نهجنا في الحدث لم يكن قتاليا. لم يكن الهدف القول ’كيف تتجرؤون’. مع ذلك، تغيرت التيارات حول هذه المسألة في إسرائيل ونعتقد أن الوقت قد حان للمنظمة (إيباك) بأن تعكس ذلك”.

ومع ذلك، لا يزال هناك فيل في الغرفة: يبعد موقعه عن مركز المؤتمرات بضع شوارع فقط. وفي حين أن رئيس المجلس الإقليمي غور الأردن، دافيد إلحياني، قال إن الحدث لم يكن رسميا جزءا من المؤتمر لأن المنظمون في “يشع” قاموا بتسجيله في وقت متأخر، إلا أنه أقر بأن لديه شعور بأن قادة إيباك “كانوا يبحثون عن عذر لمنع تواجدنا هناك”.

لا أحد يهمش يوسي دغان

في غضون ذلك، اختار رئيس المجلس الإقليمي يهودا والسامرة يوسي دغان مسارا مختلفا لنقل إحباطه من اللوبي الإسرائيلي القوي.

قبل ساعات من الحدث الذي نظمه يشع، بعث قيادي المستوطنين برسالة إلى قيادة إيباك أكد فيه على أن لمواقف اللوبي المؤيد لإسرائيل ”لا أساس في الواقع”

دغان زعم أن المنظمة تدعي بشكل غير دقيق أن حل الدولتين هو الحل النهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني ويلقى دعما من واشنطن والقدس.

وكتب أن “المبادئ التوجيهية للحكومة الإسرائيلية… لا تحتوي على كلمة واحدة أو تلميح لدعم ’حل الدولتين’”، في إشارة منه إلى اتفاقيات الإئتلاف التي تم التوقيع عليها بعد انتخابات 2015، والتي حُذفت منها لأول مرة الإشارة إلى العملية السلمية.

رئيس المجلس الإقليمي السامرة يوسي دغان يتحدث خلال مظاهرة ضد الإخلاء المقرر لبؤرة عامونا الاستيطانية، من أمام الكنيست، 30 يناير، 2017. (Hadas Parush/Flash90)

وقال القائد الإستيطاني أنه في حين أن استراتيجية الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أعربت بشكل واضح عن دعم الدولتين، إلا أن البرنامج الذي نشرته إدارة ترامب في ديسمبر لم يذكر الإقتراح.

وكتب دغان “أنا مندهش بشأن السبب الذي يدفع منظمة عظيمة وهادفة مثل إيباك… إلى القيام بعرض مواقف دولة إسرائيل (والولايات المتحدة) على نحو غير دقيق أمام مسؤولين حكوميين وسناتورات وأعضاء كونغرس والجمهور العام المؤيد لإسرائيل”.

وسرعان ما لاقت الرسالة دعما من مشرعين من حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “الليكود”، بمن فيهم وزير الرفاه حاييم كاتس، ونائبة وزير الخارجية تسيبي حاطوفيلي، وأعضاء الكنيست يهودا غليك ويوآف كيش وميكي زوهر.

في إشارة واضحة إلى تأثير دغان بين أعضاء الإئتلاف الحاكم، دعا كل منهم إيباك إلى تحديث نقاط الحديث لتعكس المواقف المتشددة بشكل متزايد للحكومة الإسرائيلية.

نواب من حزبي الليكود والبيت اليهودي في حدث تم تنظيمه في مستوطنة سا-نور التي تم إخلاؤها في شمال الضفة الغربية. (Jacob Magid/The Times of Israel)

في حديث مع تايمز أوف إسرائيل، أقر دغان بأن حل الدولتين لم يكن المسألة الوحيدة التي لم يرد ذكرها في المبادئ التوجيهية للحكومة الإسرائيلية الحالية، ولكن أيضا أي حل  يستند على فكرة الدولة الواحدة الذي يمكن لرئيس المجلس الإقليمي السامرة القبول به.

وقال بشكل قاطع: “عليهم قول ذلك أيضا. بدلا من ذلك يقومون بالكذب على أعضاء الكونغرس للحفاظ على دعم الحزبين، وأنا أعرف الكثير من الجمهوريين الذين يشعرون بالإحباط جراء ذلك”.

دغان أكد على أنه يكّن “احتراما كبيرا” لإيباك، مشيرا إلى جهود المنظمة ضد الاتفاق النووي مع إيران الذي دفعت به إدارة أوباما.

وأضاف: “لكن يجب أيضا توجيه رسالة واضحة ضد هذه السخافة”.

ليس الجميع في المعسكر الاستيطاني يقدّر العاصفة التي أثارها دغان.

إلحياني أكد على ان هدف الرسالة كان فقط تصدر رئيس المجلس الإقليمي السامرة عناوين الصحف في البلاد.

وقال إن “إيباك تتجاهله تماما. حتى أنه لم تتم دعوته إلى المؤتمر”.

المسؤول عن الشؤون الخارجية في مجلس يشع، عوديد رفيفي، يتحدث أمام حدث نظمته المنظمة في العاصمة الأمريكية واشنطن لدعم الحركة الاستيطانية في 5 مارس، 2018. (Courtesy: Yesha Council)

لكن رئيس مجلس آخر في الضفة الغربية طلب عدم الكشف عن هويته دافع عن دغان وسخر من الحدث الذي نظمه إلحياني. “تم حصرهم في الهامش وهم قبلوا بذلك كأطفال مطيعين؟ هذا محرج”، كما قال.

مبعوث الشؤون الخارجية في مجلس “يشع”، عوديد رفيفي، دافع عن المنظمة، وقال إن الموقع الذي نُظم فيه الحدث يروي جزءا من الرواية فقط.

وقال متباهيا: “تربط مجلس يشع علاقة حميمة جدا وطويلة مع إيباك وقيادتها. ومثل نبيذ جيد من يهودا، تتحسن مع مرور الوقت”.

وأضاف رفيفي أنه يلتقي “مع عدد من الشخصيات رفيعة المستوى في إيباك في كل شهر” مشيرا إلى تضاعف عدد الحاضرين في الحدث الذي تنظمه “يشع” مقارنة بالعام الماضي.

مستمرا في استخدام الاستعارة من عالم النبيذ، قال مبعوث الشؤون الخارجية والذي يشغل أيضا منصب رئيس مجلس مستوطنة إفرات إن “الأشخاص متعطشون لسماع صوتنا ونحن سعداء بمشاركته”.

من الأفضل عدم قول أي شيء

في حين أن ذلك قد يكون صحيحا، فإن الكلمة الافتتاحية لهوارد كور التي دعا فيها إلى إقامة دولة فلسطينية تشير إلى وجود فجوات عميقة بين إيباك وقادة المستوطنين بشأن القضية الأكثر مركزية في الصراع.

علاوة على ذلك، مع استطلاعات الرأي التي تشير إلى وجود شعور بعدم الاتياح في صفوف الديمقراطيين إزاء السياسات الإسرائيلية مؤخرا، فإن اللوبي الذي يتباهى بحصوله على دعم الحزبين لا يمكنه أن يسمح لنفسه بالظهور كمن يحتضن الحركة الاستيطانية التي يرفضها اليسار الإسرائيلي.

وقال أحد العاملين السابقين في إيباك إن “الجميع في المنظمة تقريبا يوافقون على أنه سيكون على إسرائيل الانسحاب من بعض المستوطنات”، وأضاف “لكن ثمن اتخاذ موقف في قضية مثيرة للجدل كهذه يفوق الفوائد، لذلك هم يتجنبون القيام بذلك”.

الحضور يصفقون لنائب الرئيس الأمريكي مايك بنس خلال كلمته ألقاها أمام مؤتمر السياسات السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية في العاصمة الأمريكية واشنطن، 5 مارس، 2018. (Chip Somodevilla/Getty Images/AFP)

وهذا تماما ما فعله المتحدث باسم اللوبي مارشال ويتمان بعد دقائق من ذلك، حيث رفض التعليق على علاقة منظمته مع مجلس يشع واكتفى بالقول إن “إيباك لا تتخذ موقفا بشأن المستوطنات”.

لكن في عصر ترامب الجديد، يصبح السؤال ما إذا كان قادة المستوطنين يحتاجون في الوقع إلى دعم من إيباك أصلا.