مع تصاعد التوتر في الجنوب وسط مخاوف من محاولات لحركة “الجهاد الإسلامي” للانتقام من تدمير نفق قبل نحو أسبوعين، يجد الجيش الإسرائيلي أن الحديث عن تحقيق التوازن الدقيق بين منع المنظمات المتطرفة من الاستعداد لحرب مستقبلية والحفاظ على هدوء نسبي في المنطقة أسهل من القيام به.

في حين أن أيا من الطرفين لا يرغب في دخول معركة، فإن سوء تقدير من الجيش الإسرائيلي ينطوي على المخاطرة بإشعال فتيل صراع “واحدة بواحدة” دموي من شأنه أن يؤدي إلى حرب شاملة.

على مدى الأسبوعين الماضيين، يحاول الجيش منع هذا التصعيد بعد أن توعدت حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية بالانتقام على قيام الجيش بتدمير نفق هجومي تابع لها امتد إلى داخل الأراضي الإسرائيلية من غزة.

وتم وضع قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب إسرائيل في حالة تأهب عقب تدمير النفق في الشهر الماضي.

بطارية ’القبة الحديدية’ المضادة للصواريخ في وسط إسرائيل، 14 نوفمبر، 2017. (Flash90)

آخر الإجراءات التي اتخذها الجيش الإسرائيلي يوم الإثنين كان نشر نظام الدفاع الصاروخي “القبة الحديدية” في وسط إسرائيل – بما في ذلك بطارية واحدة على الأقل في منطقة تل أبيب – خشية أن تقوم الحركة بالرد على تدمير النفق بوابل من الصواريخ.

بالإضافة إلى الاستعداد لهجوم، يحاول الجيش الإسرائيلي أيضا منع هجوم كهذا، حيث قام بتوجيه تحذيرات متكررة  بصورة مباشرة لحركة “الجهاد الإسلامي” ولحركة “الحماس” المسيطرة على غزة.

في 30 أكتوبر، قام الجيش الإسرائيلي بتفجير نفق هجومي لحركة “الجهاد الإسلامي”، امتد من مدينة خان يونس في غزة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، بالقرب من كيبوتس كيسوفيم.

الدخان يتصاعد من مدينة دير الزور شرقي سوريا خلال عملية للقوات النظام السوري ضد مقاتلي تنظيم ’الدولة الإسلامية’ في 2 نوفمبر، 2017. (AFP/Stringer)

الحصيلة النهائية لقتلى النفق كانت 14 عنصرا، من بينهم عنصران من حركة “حماس” والبقية يتبعون لحركة “الجهاد الإسلامي”، بما في ذلك قائدان كبيران في الحركة. الجيش الإسرائيلي قام بانتشال خمسة من جثث القتلى الذين عملوا في النفق داخل الأراضي الإسرائيلية، بحسب ما أعلن الجيش.

ولكن بحسب الجيش، هذه الحصيلة الكبيرة من القتلى لم تكن متعمدة. هدف العلمية، وفقا للجيش، كان تدمير النفق وليس الاغتيال. في تصريحات بعد الانفجار، أشار مسؤولون عسكريون إسرائيليون أيضا إلى أن عددا كبيرا من القتلى لم يسقط في الانفجار، ولكن في محاولات الإنقاذ التي تلته.

مشيعون يحملون جثمان عرفات أبو مرشد، أحد عناصر حركة ’الجهاد الإسلامي’، خلال جنازة فلسطينيين قُتلوا في عملية إسرائيلية لتفجير نفق امتد من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل في مخيم البريج في وسط غزة، 31 أكتوبر، 2017. (MAHMUD HAMS / AFP)

لكن الجيش أكد على أنه لا يأسف على القتلى، بعد أو واجه انتقادات من بعض الساسة الذين راوا في تصريحات الضباط اعتذارا.

على ضوء حصيلة القتلى، يرى الجيش أن الحركة “ستجد صعوبة في كبح نفسها”.

ومن جهة أخرى، يصادف يوم الثلاثاء أيضا مرور خمس سنوات على اغتيال الجيش الإسرائيلي للقائد العسكري لحركة “حماس” حينذاك أحمد جعبري في غارة جوية، وهي العملية التي كانت وراء إشعال فتيل عملية “عامود السحاب” في غزة والتي استمرت لمدة أسبوع. الفصائل الفلسطينية قامت في السابق بتنفيذ هجمات بالتزامن مع ذكريات سنوية هامة.

القائد الأسبق للمخابرات العسكرية عاموس يالدين أشاد بالجيش الإثنين لاستعداداته في مواجهة التهديدات من غزة، لكنه حذره من أن  ينسى أن “الجبهة الشمالية في إسرائيل هي محور التركيز الأساسي – سيسعى الأسد وحزب الله وإيران إلى تحدي الجيش الإسرائيلي”.

يوم السبت، أسقطت إسرائيل طائرة مسيرة من سوريا بواسطة صاورخ “باتريوت” في حادثة ثالثة من هذا النوع هذا العام، في ما قال مسؤولون عسكريون إنه مؤشر على التبجح المتزايد للطاغية السوري بشار الأسد على ضوء نجاحاته في الحرب الأهلية الدائرة في بلاده.

يجري كبار المسؤولين في الجيش والحكومة في الوقت الحالي أيضا مفاوضات مكثفة مع نظرائهم الأمريكيين والروس فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار في جنوب سوريا، وخاصة المسافة من الحدود الإسرائيلية التي سيُسمح للميليشيات المدعومة من إيران العمل فيها.

في حين أن ترسيخ الوجود الإيراني على الحدود في الجولان يشكل تهديدا استراتيجيا أكبر على أمن إسرائيل على المدى البعيد، فيبدو أن المخاوف الأكثر إلحاحا تتمثل ب”الجهاد الإسلامي الفلسطيني”، الذي قد يهاجم في أي لحظة.

الجيش الإسرائيلي يقول للجهاد: امض قدما

عندما كشف الجيش الإسرائيلي عن نفقين هجومين لحركة “حماس” امتدا هما أيضا إلى داخل الأراضي الإسرائيلية في العام الماضي، كانت هناك مخاوف من رد محتمل، لكن هذه المخاوف تبخرت بسرعة. لكن في هاتين الحالتين لم يكن هناك قتلى في صفوف عناصر الحركة، على عكس ما حدث في تفجير النفق في الشهر الماضي.

ليلة السبت الماضي، نشر منسق أنشطة الحكومة في الأراضي، الميجر جنرال يوآف مردخاي، رسالة مصورة باللغة العربية وجهها إلى قادة “الجهاد الإسلامي” في دمشق، حذرهم فيها من أن الجيش الإسرائيلي على علم بخطط الحركة وبأنهم “يلعبون بالنار”.

في مقطع الفيديو قال مردخاي: “نحن نعي المؤامرة التي يخطط لها الجهاد الإسلامي الفلسطيني ضد دولة إسرائيل”.

وأضاف محذرا: “أي رد فعل يقوم به الجهاد [الإسلامي] ستقوم إسرائيل برد فعل قوي وحازم بالمقابل. وليس فقد ضد الجهاد، وإنما ضد حماس أيضا”.

في اليوم التالي ردت الحركة بالقول إن التهديدات الإسرائيلية ضد قادتها هي بمثابة “إعلان حرب” وتعهدت بمواصلة محاولاتها لتنفيذ هجوم انتقامي ضد إسرائيل.

وقالت حركة “الجهاد الإسلامي” في بيانها “نعيد التأكيد على حقنا بالرد، بما في ذلك حقنا في الرد على جريمة العدوان على نفق المقاومة “.

مقاتلون فلسطينيون من حركة ’الجهاد الإسلامي’ يشاركون في جنازة رفاقهم الين قُتلوا في عملية إسرائيل تم خلالها تفجير نفقامتد من قطاع غزة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية في مخيم البريج، وسط غزة، 31 أكتوبر، 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

في نظر الجيش، فإن تفجيره للنفق كان خطوة مبررة، قانونيا وأخلاقيا، حيث أنه امتد إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وهدد المواطنين الإسرائيليين. لذلك، كما يرى الجيش الإسرائيلي، فعلى الرغم من أن الضربة قد تكون مؤلمة، لكن على “الجهاد الإسلامي” عد خسائره والمضي قدما.

في مقابلة أدلى بها يوم الإثنين لبودكاست لمؤسسة “مشروع إسرائيل” قال المتحدث باسم الجيش الليفتنانت كولونيل يوناتان كونريكوس “لقد انتهكوا السياد الإسرائيلية. كانوا يقومون بعمل عدائي ضد إسرائيل. تمكنا من إحباط ذلك، وهذه هي نهاية الجملة”.

وأضاف كونريكوس “وإذا حاولوا الاعتداء مرة أخرى، سيتم الرد على ذلك بعزم وقوة كبيرين”.

يوم الإثنين، اعتقلت القوات الإسرائيلية قائدا كبيرا في حركة “الجهاد الإسلامي” في الضفة الغربية، في ما يبدو كرسالة رادعة غير لفظية للحركة.

وأكد جهاز الأمن العام (الشاباك) أن الجيش الإسرائيلي اعتقل طارق قعدان، وهو ضابط كبير في فرع الحركة في الضفة الغربية، في بلدة عرابة، الواقعة جنوب غرب مدينة جنين، في شمال الضفة الغربية.

وقال مسؤول في الشاباك إنه تم اعتقال قعدان “لكونه عضوا في حركة إرهابية”.

عاموس يالدين خلال كلمة له في مؤتمر IsraPresse لمجتمع الناطقين بالفرنسية في مركز ’تراث مناحيم بيغين’ في القدس، 22 فبراير، 2015. (Hadas Parush/Flash90)

بحسب يالدين، الذي يدير حاليا معهد دراسات الأمن القومي المرموق، فإن الرسائل التي وجهها مردخاي والمتحدث باسم الجيش هي وسائل هامة لمنع التصعيد، لكنها تظهر أيضا تغييرا كبيرا في نهج الجيش منذ حرب غزة في عام 2014، والتي تُعرف في إسرائيل باسم “عملية الجرف الصامد”.

وكتب يالدين على “تويتر”: “إن الرسائل والتحذيرات التي قامت إسرائيل بتوجيهها إلى حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني على مدى الأيام القليلة الماضية ليست عرضية، لكنها تشير في الواقع إلى معلومات استخباراتية محددة بحسبها يعتزم الجهاد الإسلامي الرد على تدمير نفقه الإرهابي الذي امتد إلى داخل إسرائيل”.

وقال “يبدو أن إسرائيل تعلمت دروسا من عملية ’الجرف الصامد’ وهذه المرة ستصب تركيزها على ضرب قادة المنظمات (وبالأخص التركيز على قادة الأجنحة العسكرية/ الإرهابية) وبنيتها التحتية العمليايته”.