في الفترة التي سبقت موعد تقديم الاعتراضات على مخطط حكومي مثير للجدل لربط القدس الغربية بالبلدة القديمة بواسطة عربات سلكية معلقة (تلفريك)، انضم المهندس المعماري الشهير دانييل لبسكيند، وعالم الآثار المخضرم مئير بن دوف، ونقابة المهندسين المعماريين ومخططي المدن إلى شخصيات عامة ونشطاء آخرين يطالبون بإلغاء المشروع.

وزارة السياحة وصفت مشروع العربات السلكية بأنه سيكون من عوامل الجذب السياحي وحل للإختناق المروري والتلوث في محيط أسوار البلدة القديمة، مع وصول الزوار في المدينة إلى أرقام قياسية بلغت 4 ملايين سائح.

بموجب الخطة سيمر المشروع الذي ستبلغ كلفته 200 مليون شيقل (55.2 مليون دولار) على مسافة 1.4 كيلومتر ويبدأ من منطقة التسوق “المحطة الاولى” في جنوب مركز المدينة فوق وادي يسكنه في الأساس فلسطينيون مقدسيون وصولا إلى باب المغاربة في البلدة القديمة، بالقرب من الحائط الغربي وموقع “مدينة داوود” الأثري.

مؤيدو المشروع يقولون إنه سيشكل عامل جذب للسياح وأنه الطريقة الأكثر صديقة للبيئة وأقلها ازعاجا وأكثرها مجدية من الناحية المالية، لنقل ما يصل عددهم إلى 3000 زائر في الساعة من غرب القدس إلى حائط المبكى.

تصور المهندس المعماري لمحطة العربة السلكية المخططة بجوار المجمع الثقافي الحالي في المحطة الأولى، والتي تم عرضها في اجتماع عام في القدس يوم 6 سبتمبر 2018. (From plans submitted to the National Planning Council).

إلا أن المعارضين يقولون إن الخطة غير منطقية وغير مسؤولة من الناحيتين الثقافية والسياسية، وأنها بدلا من أن تحل مشكلة المرور، فهي ستنقلها إلى منطقة “المحطة الاولى”.

دراسة تم إجراؤها لفحص جدوى المشروع أُبعدت عن أعين الجمهور، حيث قالت سلطة تنمية القدس – المسؤولة عن تنفيذ الخطة بالنيابة عن الحكومة وبلدية القدس – إنه ليس من الحكمة الكشف عن البيانات قبل طرح المناقصة للبناء.

15 برجا يصل ارتفاع بعضها إلى 26 مترا

في حال تنفيذها، سيمتد مشروع العربات السلكية على نحو 15 برجا، تترواح ارتفاعاتها ما بين 9 إلى 26 مترا وستكون مرئية من نقاط رئيسية تطل على وادي هينوم.

وستكون هناك محطة وسطى في جبل صهيون ومستودع لتخزين الكبائن في حي أبو طور.

تصور المهندس المعماري لمستودع للمحطة المخطط لها في حي أبو طور للعربات السلكية. (From plans submitted to the National Planning Council)

من بين معارضي المشروع هناك أكثر من 27 مهندسا معماريا عالميا، من بينهم رون آراد، موشيه سافدي وسنتياغو كالاترافا؛ 70 مهندسا معماريا وعالم آثار وشخصيات من إسرائيل وقعوا على عريضة؛ منظمة “مورشت ديرخ”، المكونة من 760 عضوا، وهي واحدة من بين منظمتين تمثل المرشدين السياحيين، والتي تقول إن أعضائها لن يقوموا بتقسيم مجموعاتهم بين عربات التلفريك خشية أن يفقدوا أفراد من المجموعات على الطرف الآخر وبالتالي لن يقوموا باستخدام المنشأة؛ جمعية حماية الطبيعة؛ جمعية الحفاظ على مواقع التراث الإسرائيلية؛ مجتمع اليهودية القرائية، التي من المقرر أن يمر المشروع فوقة مقبرة أثرية تابعة لها؛ مجموعة “أدم طيفع فادين” البيئية؛ منظمتي “عيمق شافيه” و”بيمكوم” الحقوقيتين؛ مسرح خان؛ وسكان يهود وفلسطينيون من شرقي وغربي القدس وأماكن أخرى.

رئيس رابطة مرشدي إسرائيل السياحييين، بيني كفير. (فيسبوك)

من بين مؤيدي المشروع نقابة المرشدين السياحيين الإسرائيلية، التي تضم 2000 عضو.

رئيس النقابة، بني كفير، انتقد من وصفهم بأنهم “جعلوا المعارضة في القدس مهنة لهم”.

وقال إن دراسة أجرتها النقابة لنقل ووصول السياح أكدت أن الاكتظاظ السكاني الهائل يضر بالسياح والمرشدين والتجربة السياحية وأن تسهيل الوصول إلى عدد أكبر من المناطق في البلد القديمة لتوزيع الحمل هو حاجة ملحة، أيا كان الحل.

وقلل أيضا من أهمية مزاعم منظمة المرشدين السياحيين المنافسة بأنه لن يكون بالإمكان تقسيم المجموعات بين العربات السلكية، وقال إن ذلك نجح بشكل ممتاز في “متسادا” (مسعدة)، وهو موقع لحصن يقع على قمة جبل صحراوي في جنوب إسرائيل، حيث بالإمكان تقسيم مجموعات كبيرة خلال وقوفهم في طوابير العربات السلكية، وأولئك الذين يصلون أولا ينتظرون الآخرين.

وأضاف: “أدرك أن هناك معارضين. وجهة نظرنا لا تعني أننا نحب القدس بصورة أقل”.

ليسبكيند: المشروع يهدد ’أصولا ثقافية لا يمكن تعويضها’

وأعرب ليبسكيند عن معارضته في رسالة وجهها إلى دافيد شونبرغ وحاييم كراون، وهما محاميان من القدس يعارضان مشروع التلفريك.

وكتب ليبسكيند – وهو يهود بولندي أمريكي من بين مشاريعه متاحف كبيرة ومؤسسات ثقافية أخرى منتشرة حول العالم – إن المشروع “يهدد أصولا ثقاقية لا يمكن تعويضها”.

المهندس المعماري دانيال ليبسكيند. (Stefan Ruiz)

رافضا حجج المدافعين عن مشروع العربات السلكية بأنه سيساعد على تخفيف حركة المرور حول أسوار البلدة القديمة، أكد ليسبكيند على أن “المشاكل المرورية للقدس لا يجب أن تُحل من خلال عربات السلكية التي ستشوه صورة القدس مع تكنولويجا تذكرنا بالجبال السويسرية”.

وأضاف أن “هذا المشروع يهدد أصول ثقافية لا يمكن تعويضها وفيما يتعلق بالقدس، فإن هذا المشهد يمثل تراثا ثمينا للجميع”.

عالم الآثار والمؤرخ مئير بن دوف، الذي أشرف على الحفريات بالقرب من الحرم القدسي، بداية كنائب مدير إلى جانب عالم الآثار الراحل بينيامين مزر، وبعد ذلك كمدير لعشر سنوات من عام 1976، قال إن بناء حديثا وغريبا مثل هذا من شأنه التسبب ب”ضرر تاريخي وأثري لا يمكن اصلاحه” في حوض البلدة القديمة.

وكتب بن دوف أنه “من غير المعقول أن يتم حفر ما لم يتم التنقيب عنه خلال 2000 عاما لتنفيذ مشرع في لحظة تشتيت للانتباه ستكون بمثابة وصمة عار”.

تصور المهندس المعماري للعربات السلكية في القدس يعرض أبراجا موازية لجدران المدينة القديمة. (From plans submitted to the National Planning Council)

منتقدا ما وصفه بتجاهل المخططين التام لحقوق الملكية وحقوق الأشخاص الذين سيتضررون على الأرجح من مشروع العربات، قال عالم الآثار، المسؤول أيضا عن أعمال الحفريات في أنفاق حائط المبكى، إن بناء المحطات سيشكل “انتهاكا صارخا” لقانون الآثار، الذي يلزم بالحفاظ على المواقع المحفورة.

فرصة واحدة للإعتراض

وقد تمت المصادقة على المشروع – الذي يحظى بدعم وزير السياحة ياريف ليفين ورئيس بلدية القدس موشيه ليون- في انتظار فترة تقديم الاعتراضات، التي تنتهي في 3 أبريل.

في نظام التخطيط العادي، يكون للجمهور الحق في تقديم اعتراضاتهم على المستوى المحلي والمستوى الدائري، وتقديم التماس على المستوى القطري. على النقيض من ذلك، في مجلس التخطيط الوطني، هناك فترة واحدة فقط يكون بالإمكان فيها للجمهور تقديم اعتراضاتهم، ولا يتم عرض العروض التقديمية أمام المجلس ولكن أمام ما يُسمى بـ”محقق”، الذي يقوم بدارسة الاعتراضات ويقدم المشورة للمجلس وفقا لاستنتاجاته.

وزير السياحة ياريف ليفين في مؤتمر القدس السنوي الخامس عشر لمجموعة “بشيفا”، في 12 فبراير 2018. (Hadas Parush / Flash90)

بعد عرض تقديمي واحد فقط أمام لجنة التخطيط في القدس في العام الماضي، تم نقل الخطة إلى مجلس التخطط الوطني – وهي هيئة تعمل داخل وزارة المالية بهدف تسريع الإجراءات وتم تشكيلها للتعامل مع مشاريع بنى تحتية كبيرة مثل الغاز والسكك الحديدية التي تعبر حدود السلطات المحلية، بالإضافة إلى المشاريع السياحية.

’لا حدود للإبتذال’

لكن في الأسبوع الماضي، قدمت نقابة المهندسين المعماريين ومخططي المدن في إسرائيل رأيا قانونا لمجلس التخطيط الوطني جاء فيه أن المجلس غير مخول من الناحية القانونية بالتعامل مع المشروع وأن القانون لا يسمح ببناء بنى تحتية سياحية في متنزه وطني محاط بمناطق مفتوحة.

بالإشارة إلى تقرير متاح للجمهور وضعته شركه استشارية في مجال النقل بتكليف من المخططين والذي قال أن إنشاء خط قطار خفيف أقل تطفلا يصل إلى منطقة باب المغاربة ستكون تكلفته أكبر بثلاث مرات وسيستغرق بنائه ضعفي الوقت الذي سيستغرق بناء العربات السلكية (ثلاث سنوات)، كتبت النقابة “ألا يوجد هناك حد للسخرية والابتذال، عندما يكون سبب اختيار الخيار الذي يحدث ضررا أكبر هو أن تنفيذه أسرع وأرخص؟”

منظر جوي للحفريات في موقف سيارات غفعاتي الذي سيتم بناء مركز كيدم فوقه. (From plans submitted to the National Planning Council)

وشجبت النقابة الخطة لوضع المحطة الأخيرة داخل مجمع “كيدم” المثير للجدل الذي تخطط مؤسسة “مدينة داوود” اليمينية بناءه مقابل أسوار البلدة القديمة لأن ذلك سيتطلب إضافة طابق آخر للمبنى بعد نجاح معركة عامة طويلة في جعل المجمع أدنى ارتفاعا. (المبنى سيكون أقل ارتفاعا من أسوار البلدة القديمة)

وتساءلت أيضا عن سبب عدم تجميع ملف للمحافظة حول المنطقة المعنية، قائلة إنه إذا تم إعداد هذا لنوع من الملفات تلقائيا للمباني التي تعود إلى القرن العشرين، فمن الأهم بكثير إنشاء ملفات لمواقع المباني التاريخية والوطنية والمعمارية والأثرية.

لن تكون العربات السلكية نشطة لأكثر من مدة 40% من الوقت – حيث ستكون في وضع الخمول في أيام السبت والأعياد، وعند الصيانة، وما إلى ذلك – كما توقعت الجمعية، في حين أن الأعمدة والأبراج ستكون مرئية على مدار الساعة.

استبعادا لتأكيد مكتب المهندس المعماري للمشروع مندي روزنفيلد أن المحطات، المصنوعة بشكل كبير من الزجاج، ستكون شفافة، ادعت الجمعية أنه من ناحية الأسلوب والحجم ستفشل الخطة في الاندماج في المناظر الطبيعية الغير متناسبة تماما مع البنايات القائمة.

“ما سيتبقى من منظر وادي هينوم هو منظر المحطات والأعمدة التي ستخفي كل عنصر آخر من المنظر – المناظر الطبيعية والتلال، وبالطبع كل المناطق المبنية خلفها – المباني التاريخية والكنائس وساحاتها”.

وأضافت النقابة أن المشروع سيؤدي أيضا إلى أضرار بصرية وصوتية لسكان قرية سلوان الفلسطينية المزدحمة، والتي من المقرر أن تمر عبرها العربات السلكية في طريقها إلى باب المغاربة.

منظر لحي سلوان بالقدس الشرقية في 3 ديسمبر 2017. (Yonatan Sindel / Flash90)

بالنسبة حركة المرور، ادعت النقابة بأنه لم يتم تضمين العربات السلكية في المخطط العام لحركة المرور في القدس، بالإضافة إلى عدم مشاركة وزارة النقل الذي أثار الأسئلة، وأن تفاصيل حركة المرور التي قدمها المخططون لم تكن محدّثة.

“ليس من الواضح لماذا لم يتم إجراء مسح شامل للنقل والسياحة. ان مثل هذا الاستطلاع، تحت إشراف مهني مناسب …. هو شرط لاتخاذ قرارات عقلانية لا تميل سياسيا أو عاطفيا”، كتبت النقابة.

في رسالة تم إرسالها في وقت سابق من هذا الشهر إلى رئيس الوزراء ووزراء السياحة والقدس، اتهم المهندسون المعماريون العالميون آراد، سافدي، وكالاترافا وغيرهم بأن “مجموعات المصالح القوية” تضع السياحة والسياسة فوق حماية الكنوز الثقافية.

“لا توجد مدينة تاريخية مهمة بها عربات سلكية”، كتبوا. “إنها مسألة توافق دولي في الرأي بأن اختيار العربات السلكية غير مناسب للمدن القديمة ذات الأفق المحفوظة لمئات أو آلاف السنين. لم تقم مدن مثل روما وأثينا مع ملايين الزوار سنويا ببناء العربات السلكية”.

أنير عوزيري من هيئة تنمية القدس. (فيسبوك)

أنير عوزيري، المسؤول عن حوض البلدة القديمة في سلطة تنمية القدس، والذي أخبر كاتبة هذه المقالة أن انطباعات المهندس المعماري التي قدمها مكتبه إلى مجلس التخطيط الوطني كانت خادعة (“المخططات ثنائية الأبعاد تخبر الحقيقة فقط”)، قال في اجتماع للسكان في القدس يوم الأحد بأن أعمال الصيانة ستنفذ في الليل فقط، وأن الأعطال هي شبه مستحيلة، وأنه لن يتم هدم أي منازل، وأن العربات السلكية سوف تمر من أربعة إلى ستة أمتار (13 إلى 20 قدما) فوق المنازل، وأن تكلفة الرحلة ستكون هي نفسها مثل رحلات الحافلات العامة بفضل الدعم الحكومي.

وأضاف أنه على الرغم من عدم اتخاذ أي قرار، فمن المحتمل أن النظام لن يعمل في يوم السبت، حيث سيتم تخزين جميع العربات إما داخل مستودع أبو طور أو في المحطات، مع إمكانية رؤية الأبراج والكوابل التي قطرها 4.5 سنتيمترات فقط.

وقال عوزيري إن الهدف كان توفير إتاحة إضافية للسائحين إلى المدينة القديمة، وليس تحويلهم عن بوابات الدخول الأخرى. سيتم توفير مواقف للسيارات تحت الأرض بالقرب من المحطة الأولى في حديقة جرس الحرية.

ولدى سؤاله عن سبب عدم مشاركة وزارة النقل فيما تصفه هيئة تطوير القدس بأنه مشروع نقل وجزء من نظام النقل الجماعي المتطور في القدس، أخبر مدير المشروع شموئيل تساباري الاجتماع أن الوزارة قد نظرت إليه في البداية على أنه “نوع من المرح” لكنها كانت تدفع خيار العربات السلكية من أجل الناصرة وجبل ميرون في شمال البلاد.

وأشار إلى أن التنافس السياسي داخل حزب الليكود كان وراء قرار وزير النقل إسرائيل كاتس بتوسيع خط القطار المنتظم الجديد في تل أبيب-القدس إلى باب المغاربة، بينما كان ياريف ليفين في وزارة السياحة يدعم العربات السلكية.

وزير الخارجية الفعلي ووزير المواصلات يسرائيل كاتس يحضر الجلسة الأسبوعية للحكومة في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 17 فبراير، 2019. (Sebastian Scheiner/Pool/AFP)

كما حضر اجتماع السكان محاضر الجغرافيا في الجامعة العبرية روني إيلينبلوم، الذي يعارض مشروع العبات السلكية. إقتبس أرقام هيئة تطوير القدس التي يُظهر أن الاختناقات المرورية في ساعة الذروة حول المحطة الأولى هي أسوأ بكثير من تلك الموجودة في المدينة القديمة.

وادعى أن المشروع تم بناؤه لضمان وجود عدد كاف من الزوار في مركز “كيدم” التابع لمدينة داوود، والذي سيعرض اكتشافات من الحفريات الأثرية من موقف السيارات غفعاتي.