واشنطن- بالمبادرة إلى فتح تحقيق في إرتكاب جرائم حرب ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، قد يكون رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد اصطدم مع التشريع الأمريكي الذي من شأنه وقف تمويل السلطة الفلسطينية. تقوم الولايات المتحدة بتقديم مساعدات للسلطة الفلسطينية تصل قيمتها إلى 400 مليون دولار سنويا.

ادعى مصدر فلسطيني لم يذكر اسمه أن عباس وقع يوم الخميس على طلب الإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب التي “ارتُكبت في فلسطين” منذ الصيف. قد تقلب هذه الخطوة الموازين في واشنطن، حيث أن هناك أصلا إستياء في الحزبين من قرار عباس تقديم مشروع قرار إقامة الدولة الفلسطينية لمجلس الأمن الدولي يوم الثلاثاء، وتوقيعه، بعد أن تم رفض مشروع القرار، على طلب الإنضمام للمحكمة الجنائية الدولية..

حتى إذا لم ينجح رهان عباس على المحكمة الجنائية الدولية – وواجه طريق فلسطين نحو المحكمة الجنائية الدولية عقبات قانونية – يُنظر إليه من قبل الكثيرين من نواب الكونغرس القادم الذي يسيطر عليه الجمهوريون بأنه أحدث مبرر لإعادة النظر في التمويل الأمريكي للسلطة الفلسطينية.

يعتقد آرون دافيد ميلر، مستشار رئاسي سابق وباحث بارز في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، أن تمويل السلطة الفلسطينية سيكون عرضة لخطر متزايد في كونغرس يسيطر عليه الجمهوريون، والذي سيأدي اليمين الدستورية في وقت لاحق من هذا الشهر.

ويقول دافيد ميلر لتايمز أوف إسرائيل: “أعتقد أن احتمالات وقف التمويل أكبر من أي وقت مضى”. ويضيف أن “واقع جديد تماما نشأ وأعتقد أنهم سيغلقون أية ثغرات قد تكون موجودة بشأن بالتمويل. العالم في واشنطن في صدد التغيير”.

يقوم موظفون تابعون لأعضاء كونغرس من الحزبين بدراسة ما إذا كان هناك أساس قانوني لمعاقبة الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها، وكذلك السلطة الفلسطينية بذاتها، على توجه الأخيرة إلى المحكمة الجنائية الدولية أو على مشروع القرار الذي تم رفضه في مجلس الأمن الدولي. يبدو أن هذه الدراسات ستخرج خالية الوفاض، ولكن تحرك السلطة الفلسطينية نحو الشروع بفتح تحقيق في ارتكاب إسرائيل لجرائم حب قد يحفز المزيد من هذه الجهود.

يشمل مشروع قانون وقف التمويل الذي مرره الكونغرس، ووقع عليه الرئيس باراك أوباما في الشهر الماضي لغة تنص على عدم إعطاء أي دعم مالي من قبل وزارة الخارجية الأمريكية للسلطة الفلسطينية، في حال “بادر الفلسطينيون إلى تحقيق جنائي مصرح من المحكمة الجنائية الدولية، أو الدعم بشكل فعال لتحقيق كهذا، من شأنه اخضاع مواطنين إسرائيليين للتحقيق في ارتكاب جرائم حرب مزعومة ضد الفلسطينيين”.

هناك منطقة رمادية في تطبيق البند الذي يحيط بتفسير الكلمة “بادر”. يقوم مستشارون قانونيون في الكونغرس حاليا بدراسة ما إذا كان “بادر” معناها أن الطلب الفلسطيني بحد ذاته هو الذي سيدفع إلى فرض العقوبات، أو أن فرضها سيكون فقط في حال قررت المحكمة الجنائية الدولية قبول القضية.

على الأقل في مكتب واحد في الكونغرس – مكتب النائبة إيليانا روس-ليتينن (جمهورية- فلوريدا) – يُفسر النص على أن تشغيل العقوبات سيكون بعد قيام السلطة الفلسطينية بتقديم الطلب.

ردت روس-ليتنن على طلب عباس الإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية بدعوة إدارة أوباما إلى “أن تظهر لعباس والسلطة الفلسطينية بأنه ستكون هناك عواقب على سلوكهم الغير مسؤول ومواصلة جهودهم لتقويض عملية السلام”.

وصرحت أن “على الكونغرس أن يفعل كل ما في وسعه لحجب الأموال عن السلطة الفلسطينية، وعن أي كيان أممي يعترف بدولة فلسطين الغير موجودة، ليوضح لأبو مازن أنه ستكون هناك عواقب على مخططاته في الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى مثل المحكمة الجنائية الدولية”.

حتى لو تم قبول الفلسطينيين في المحكمة الجنائية الدولية في الأسابيع القادمة، فقد تخضع الشكاوى التي ستقدمها السلطة الفلسطينية مع مكانة العضو إلى عملية معقدة قبل فتح تحقيق. على سبيل المثال، بالإمكان التحقيق قي جرائم حرب ارتٌكبت فقط داخل أراضي الدولة العضو فلسطين، ولا يوجد هناك اتفاق دولي يحدد المناطق التي تشملها هذه الأراضي.

خلافا لأحكام وقف تمويل يشملها مشروع قانون التمويل، البند المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية لا يتضمن تنازلا يمكن من خلاله تجنب وقف التمويل بسبب مصالح أمن قومي أمريكية. (نظام التنازل يتطلب من الرئيس أن يشهد بأنه من المهم لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة التنازل عن أحكام تقييد تمويل السلطة الفلسطينية).

منذ تشكيل حكومة التوافق الوطنية الفلسطينية المدعومة من فتح وحماس في ربيع 2014، أصبحت الدعوات في الكونغرس لوقف تمويل السلطة الفلسطينية شائعة بشكل متزايد.

يقول ميلر أن بند المحكمة الجنائية الدولية “سيشكل مشكلة تمويل حقيقية، ولن يكون أمام الإدارة على الأرجح أي بديل سوى الإذعان”.

وأضاف ميلر: “هذه واحدة من المشاكل العديدة التي ستنتج عن هذه الخطوة”.

في الأشهر الأخيرة وحتى قبل إنتخابات الكونغرس في نوفمبر، دعا نواب جمهوريون وديمقرطيون مرارا وتكرار إلى إعادة النظر في تمويل السلطة الفلسطينية -وحتى تجميده. في سبتمبر، قدم النائب تد يوهو (جمهوري- فلوريدا) مع عشرة نواب آخرين مشروع قانون يدعو إلى وقف كل التمويل الأمريكي للسلطة الفلسطينية حتى “تتوقف السلطة الفلسطينية عن تقديم الأموال والجوائز للمنظمات الإرهابية؛ والعمل مع المنظممات الإرهابية، بما في ذلك حماس”.

في أعقاب التصويت في مجلس الأمن يوم الثلاثاء، نشر السناتور تد كروز (جمهوري- تكساس) رسالة مطولة عبر صفحته على موقع فيسبوك قال فيها “سنوضح أن مواصلة هذه الجهود سينتج عنها تجميد فوري للدعم المالي الأمريكي للسلطة الفلسطينية”.

لا تستعين الولايات المتحدة بخدمات المحكمة الجنائية الدولية، لأنها ليست من الدول الموقعة على قانون المحكمة .

ولكن تُعتبر واشنطن ممول رئيسي للسلطة الفلسطينية، وتشريع الميزانية يفرض تقليديا سلسلة من الشروط لمواصلة التمويل.

“قرار الإستمرار” الذي تم تمريره في الكونغرس بدلا من الميزانية، يكرر لغة العام الماضي حول عدم توفير مساعدة إقتصادية إلى السلطة الفلسطينية إذا حصل الفلسطينيون على نفس المكانة كدولة عضو أو عضوية كاملة كدولة في الأمم المتحدة أو أية وكالة متخصصة.

إذا حصل الفلسطينيون على مكانة دولة عضو في الأمم المتحدة أو أية وكالة متخصصة، ينص التشريع على أن يتم إغلاق مكتب السلطة الفلسطينية في واشنطن لمدة 3 أشهر على الأقل. يمكن إعادة فتح المكتب في أي وقت بعد الثلاثة أشهر هذه، شريطة دخول الفلسطينيين في مفاوضات مباشرة وجادة مع إسرائيل.

المحكمة الجنائية الدولية ليست بوكالة أممية متخصصة، والنص المتعلق بها مشمول في بند منفصل.

ولم ترد وزارة الخارجية الأمريكية على استفسارات حول ما إذا كانت الخطوة التي قام بها عباس كما ورد، تعمل على تشغيل وقف التمويل.

قام جيف راتكي، مدير مكتب العلاقات الصحفية في وزارة الخارجية، المستاء أصلا من توجه عباس إلى مجلس الأمن بمشروع القرار الفلسطيني، بإطلاق بعض الكلمات يوم الأربعاء ندد خلالها بتقدم عباس بطلب الإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. وصف راتكي الخطوة بأنها “خطوة تصعيدية لن تحقق أيا من النتائج التي يأمل الفلسطينيون منذ فترة طويلة أن يروها لشعبهم”، وبأنها عمل سيأتي “بنتائح عكسية” ولا يساهم أبدا في “تعزيز طموحات الشعب الفلسطيني لدولة مستقلة ذات سيادة”.

بحسب راتكي، تعتقد وزارة الخارجية أن خطوة المحكمة الجنائية الدولية “تضر بشكل كبير بالأجواء مع نفس الأشخاص الذين سيكونون بحاجة لصنع السلام معهم في نهاية المطاف”. مع ذلك، وعلى الرغم من أشهر من التحذيرات بأن الولايات المتحدة ستعارض أية خطوة فلسطينية نحو الإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، امتنع راتكي في تصريحه عن رسم الخطوات التي ستتخذها الإدارة الأمريكية لمعاقبة السلطة الفلسطينية على إجراءاتها، أو حتى التلميح إلى أنه قد يتم إتخاذ خطوات كهذه.