مع الاستقالة المفاجئة للسفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، يوم الثلاثاء من منصبها، ستفقد إسرائيل واحدة من أشد مؤيديها في الهيئة الأممية، شخصية لقبها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ب”الإعصار هايلي” لدفاعها القوي عن الدولة اليهودية أمام جمهور يكون عادة معاديا لإسرائيل..

خلال جلوسها في المكتب البيضاوي صباح الثلاثاء، بعد أقل من ساعة من ظهور الأنباء عن استقالتها، ذكرت هايلي ما اعتبرتها انجازاتها في منصبها الدبلوماسي، ومن أهمها محاربة “الانحياز المعادي لإسرائيل” في الأمم المتحدة والدفاع عن قرار إدارة ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

ليس من الواضح من سيحل محل هايلي – الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إنه سيعلن عن خليفتها خلال بضعة أسابيع – ولكن بالإمكان القول إنه سيكون شخصا يتفق مع ترامب بشأن موقف أمريكا فيما يتعلق بالأمم المتحدة والدفاع عن إسرائيل في المنظمة العالمية.

ولكن من الصعب القول ما إذا كان من سيحصل على الوظيفة – البعض تنبأ باحتمال حصول ابنة الرئيس إيفانكا على المنصب – سيكون قادرا على مواءمة حماس هايلي في الدفاع عن إسرائيل في حي “تيرتل باي”. سلفة هايلي في المنصب سماانثا باور، على سبيل المثال، تحدثت هي أيضا بصوت عال ضد الانحياز ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، لكن ذلك كان جزءا أصغر من دورها كسفيرة وهي لم تحظى أبدا بهتافات التشجيع التي حظيت بها هايلي من الجهات المؤيدة لإسرائيل.

السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي خلال خطاب أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (ايباك)، 5 مارس 2018 (NICHOLAS KAMM / AFP)

في شغلها للمنصب في نيويورك تميز هايلي – وفي بعض الأركان تعرض لانتقادات – بوقوفها في مواجهة الدبلوماسيين العالميين الذين تحدوا نهج الرئيس الأمريكي في التعامل مع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني المستعصي.

مات بروكس، المدير التنفيذي لمنظمة “الإئتلاف اليهودي الجمهوري”، كتب في تغريدة له على “تويتر” إن “تركها للمنصب لم يكن متوقعا وفاجأ المجتمع المؤيد إسرائيل”، وأضاف أنه “مذهول ومصدوم من الاستقالة المفاجئة لنيكي هايلي كسفيرة لدى الأمم المتحدة. لقد كانت قوة أساسية ومؤثرة في الأمم المتحدة”.

بالإضافة إلى دعمها لخطوة نقل السفارة، كانت هايلي من أقوى المؤيدين لانسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مشيرة إلى موقفه الانتقادي الغريزي تجاه إسرائيل، ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ومنع تمرير قرار يدين إسرائيل باعتبارها مسؤولة عن سقوط القتلى في المواجهات على حدود غزة في الربيع الأخير.

بسبب هذه الخطوات، تمت معاملتها كنجمة عندما تحدثت أمام المؤتمر السنوي  للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) في العامين الأخيرين.

في الكلمة الأولى لها أمام المؤتمر، في عام 2017، قالت لحشد بلغ عدده 20,000 شخص إن “هناك مأمور جديد في البلدة” وسط تصفيق حار.

وقالت “أنا أرتدي الكعب، ولا علاقة لذلك بالموضة. السبب هو أنه إذا رأيت شيئا خاطئا، سنقوم بركلهم في كل مرة”.

هذه الكلمات جاءت بعد وقت قصير من تسلم ترامب لمقاليد الحكم وتعهده بعكس مسار إدارة أوباما، التي سمحت بتمرير قرار في مجلس الأمن في ديسمبر 2016 يدين إسرائيل بسبب مشروعها الاستيطاني.

مثل رئيسها، خالفت هايلي عادة سوابق وضعتها الإدارات السابقة في عدم التدخل في قضايا الوضع النهائي في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهي أكثر القضايا حساسية والتي يصر مفاوضون مخضرمون منذ فترة طويلة على أنه لا يجب التعامل معها حتى انتهاء مفاوضات السلام.

السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، من اليسار، تتحدث مع نظيرها الإسرائيلي داني دنون قبل جلسة في مجلس الأمن حول الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الجمعة، 1 يونيو، 2018 في مقر الأمم المتحدة. (AP Photo/Mary Altaffer)

أبرز هذه الحالات كانت تشكيكيها بمطالبة الفلسطينيين ب”حق العودة”، الذي بموجبه يطالب الفلسطينيون بعودة جميع العرب الذين نزحوا بين العامين 1947 و1949، بما في ذلك نسلهم، إلى إسرائيل الحديثة.

تزعم الأونروا أن هناك أكثر من 5 مليون لاجئ فلسطيني مسجل، في حين أن العدد كان بعد حرب 1948 حوالي 750,000، والذين يقّدر أن عشرات الآلاف منهم ما زالوا على قيد الحياة. على خلاف أي مجموعة لاجئين أخرى، التي تتقلص سنويا، فإن الفلسطينيين يزدادون بشكل كبير.

الفلسطينيون يزعمون إن للخمسة ملايين شخص – عشرات الآلاف من اللاجئين الأصليين من ما هي اليوم إسرائيل، والملايين من نسلهم – “حق العودة”. عدد سكان إسرائيل يبلغ حوالي 9 مليون، ثلاثة أرباعهم من اليهود. إن تدفق ملايين الفلسطينيين سيعني عمليا أن إسرائيل لا يمكنها أن تبقى دولة ذات غالبية يهودية. إسرائيل من جهتها تزعم أن “حق العودة” هو مسألة غير قابلة للتفاوض، حيث أنها تلغي الغالبية اليهودية في إسرائيل وطابعها كدولة يهودية.

في أغسطس، أعلنت هايلي تأييدها للموقف الإسرائيلي بقولها إن “حق العودة” الفلسطيني يجب أن يتم إبعاده “من على الطاولة”. وقالت خلال ظهور لها أمام “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مؤسسة فكرية مقرها في واشنطن وتُعتبر مقربة بشكل وثيق من إسرائيل، “أعتقد بكل تأكيد أن علينا النظر إلى حق العودة”.

ردا على سؤال حول ما إذا كان يجب إبعاد القضية “من على الطاولة”، قالت هايلي: “أنا اتفق مع ذلك، وأعتقد أن علينا النظر إلى هذا الأمر من حيث ما يحدث [مع اللاجئين] في سوريا، وما يحدث في فنزويلا”.

وانتقدت هايلي أيضا الطريقة التي تعترف من خلالها الأونروا باللاجئين الفلسطينيين عندما أعلنت إدارة ترامب عن وقف التمويل للوكالة. “إنك تنظر إلى حقيقة أن هناك أعداد لا متناهية من اللاجئين الذين يواصلون الحصول على المساعدة”، كما قالت، مع التأكيد على أن البيت الأبيض تحت إدارة ترامب لن يعيد مستويات تمويله السابقة ما لم تقم الوكالة بإصلاحات جذرية.

وقالت “سنكون جهة مانحة إذا قامت [الأونروأ] بإصلاح ما تقوم به… إذا قاموا فعلا بتغيير عدد اللاجئين إلى تقييم دقيق، سنعيد النظر في التعاون معهم”، مضيفة أن “الفلسطينيين يواصلون مهاجمة أمريكا”، ومع ذلك “يمدون أيديهم مطالبين بأموال الأونروا”.

متابعو الشؤون الإسرائيلية في الولايات المتحدة قالوا إن هايلي ركزت على إسرائيل أكثر من السفراء الأمريكيين السابقين. في الشهر الماضي قال إليوت آبرامز، وهو دبلوماسي متشدد شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لموقع “مكلاتشي” في الشهر الماضي “إنها تتحدث عن إسرائيل كثيرا، أكثر من سوزان رايس وسامانثا باول”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يلتقي بالسفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، الجمعة، 28 سبتمبر، 2018 في نيويورك. (Avi Ohayon /GPO)

وأثارت هايلي ضجة في ديسمبر 2017 عندما ضغطت على دول أخرى للامتناع عن التصويت لصالح مشروع قرار يدين قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وتم تمرير القرار بغالبية 128 مقابل 9، وقامت هايلي بإلقاء خطاب قالت فيه إن واشنطن لن تنسى من صوت ضدها.

وقالت معلقة على التصويت “سوف نتذكر ذلك عندما تتم دعوتنا إلى تقديم المساهمة الأكبر للأمم المتحدة. وسنتذكره عندما تتوجه إلينا العديد من الدول، كما تفعل عادة، لمطالبتنا بدفع أموال أكثر واستخدام نفوذنا لمصلحتها”.

مننقدوها قالو إن الخطوة بدت وكأن هايلي تقوم بالتنمر على دول أخرى، ولا تتصرف كدبلوماسية. في وقت لاحق أقامت هايلي حفلا للدول التي صوتت مع الولايات المتحدة، والتي اعتبرتها “أصدقاء أمريكا”.

السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي تغادر القاعة مع بدء السفيرة الفلسطيني لدى المنظمة رياض منصور بالحديث خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة أحداث العنف على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، في مقر الأمم المتحدة، 15 مايو، 2017، في مدينة نيويورك. (Drew Angerer/Getty Images/AFP)

وانتُقدت هايلي أيضا بسبب قيامها بمنع تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض مبعوثا خاصا للأمم المتحدة لليبيا. وقالت هايلي “لفترة طويلة ظلت الأمم المتحدة متحيزة بشكل غير منصف لصالح السلطة الفلسطينية على حساب حلفائنا في إسرائيل”.

وكان يُنظر إلى فياض على نطاق واسع في واشنطن على أنه صوت معتدل في المشهد السياسي الفلسطيني. كرئيس للوزراء، أيد إجراء مفاوضات مع إسرائيل و”أخذ صفحة من كتاب الخطط الصهيوني” عن طريق بناء دولة فلسطينية مؤسسية. في النهاية تمت إقالته من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

وسارع المسؤولون الإسرائيليون إلى الإشادة بهايلي الثلاثاء بعد إعلانها عن استقالتها. نظيرها الإسرائيلي، داني دنون، قال لهايلي في بيان له “أينما كنت، ستظلين صديقة حقيقية لدولة إسرائيل”.

في المكتب البيضاوي، قال ترامب إن هايلي ستبقى في منصبها حتى نهاية العام، وصرح أنه سيتم الإعلان عن خليفتها في المنصب في الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة القادمة ولكنه لم يذكر أسماء مرشحين محتملين.

وبدأ مستخدمو تويتر بالتكهن بأنه قد يتم ترشيح ابنته إيفانكا ترامب للمنصب. إحدى أقوى مؤيدي الرئيس، المعلقة اليمينية المثيرة للجدل آن كولتر، اقترحت إسمها فورا بعد إعلان هايلي عن استقالتها تقريبا.

في الواقع، تم طرح اسم الابنة اليهودية للرئيس كبديل محتمل لهايلي في نوفمبر 2017، حيث نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا قالت فيه إن مسؤولين في البيت الأبيض قد طرحوا الفكرة بالفعل.

وقال كاتب المقال، ريتشار غاوان، “ليس الأمر جنونيا كما يبدو”.