لم يحتفل المسؤولون الإسرائيليين بفتح زجاجات الشامبانيا بعد إعلان المحكمة الجنائية الدولية يوم الخميس بأنها لن تحقق في حادث أسطول الحرية في عام 2010، الذي إشتبك خلاله نشطاء مؤيدون لفلسطينيين مع قوات الجيش الإسرائيلي على ظهر سفينة “مافي مرمرة” التي كانت متوجهة إلى غزة.

وكذلك لم تحتفل رام الله بهذا القرار.

صحيح أن التقرير قال أن القوات الإسرائيلية قد تكون إرتكبت جرائم حرب، ولكن مع تهديد الفلسطينيين بأخذ إسرائيل إلى المحكمة في لاهاي بتهم إرتكاب جرائم حرب، يشير قرار إقفال ملف “مرمرة” أن المحكمة الجنائية الدولية هي مضمار لا يمكن فيه أن يكون النصر الفلسطيني التلقائي مفهوم ضمنا.

من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن التقرير الذي تشرح فيه المدعية العام فاتو بنسودا سبب عدم فتح تحقيق ليس مثاليا.

قالت بنسودا أن الحادثة، التي أسفرت عن مقتل 9 مواطنين أتراك خلال إشتباك على متن السفينة، التي حاولت كسر الحصار على غزة، تفتقد “الثقل الكافي”.

في حين أنها أشارت إلى أنه قد يكون قد تم إرتكاب جرائم حرب، لكنها قالت أنها لن تخوض في مسألة ما إذا كان الجنود قد تصرفوا دفاعا عن النفس، ما أثار ردا فاترا من وزارة الخارجية الإسرائيلية.

ولكن من المرجح أن القدس راضية عن بيت القصيد، بأن إسرائيل لن تقف في قفص الإتهام بتهم إرتكاب جرائم حرب في 31 مايو، 2010.

مع ذلك، سيكون على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس القيام ببعض التفكير الجاد. فهو يعتزم أن يقدم للأمم المتحدة قريبا مشروع قرار يدعو إلى إنسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية خلال عامين. إذا إستخدم الأمريكيون حق النقض الفيتو لمنع القرار، يهدد الفلسطينيون بالإنضمام إلى نظام روما الأساسي- بكلمات أخرى، رفع دعوى قضائية ضد إسرائيل لإرتكابها جرائم حرب في المحكمة الجنائية الدولية.

ولكن قرار بنسودا هذا الأسبوع بعدم الإستمرار في التحقيق في ملف المرمرة، على الرغم من بعض الفقرات الإشكالية، يشير إلى أن المحكمة لا تهدف إلى النيل من إسرائيل، وضع إسرائيل في قفص الإتهام في لاهاي، وفي نهاية المطاف إدانتها، لن يكون بالأمر السهل كما كانت رام الله تأمل.

في الواقع، إن التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية قد يأتي بنتائج عسكية في بعض الأحيان. خلال محاولة الفلسطينيين الأولى لتجريم إسرائيل هناك، بعد عملية “الرصاص المصبوب” في غزة عام 2008-2009، رفض المدعي العام الدعوى الفلسطينية لأن فلسطين ليست بدولة، ولهذا لا تملك المحكمة السلطة القضائية لفتح تحقيق في أعمال ارتُكبت هناك.

مع ذلك، منذ ذلك الحين مُنحت “دولة فلسطين” مكانة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أشارت إلى أن بإمكانها الإنضمام إلى المحكمة.

والآن، في المرة الثانية التي يتوجه فيها نشطاء مؤيدون للفلسطينيين إلى لاهاي، لم يأتي هذا التوجه بالنتائج المرجوة، من وجهة نظرهم. في حين أن الدعوى ضد إسرائيل تم تقديمها إلى المحكمة من قبل جزر القمر (عضو في المحكمة الجنائية الدولية)، فمن المواضح أن هذه الجزيرة الأفريقية الصغيرة قد تصرفت بالنيابة عن مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، التي كانت تقف وراء إطلاق أسطول الحرية.

كانت إسرائيل قد أعلنت عن مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية بأنها منظمة إرهابية في أواخر عام 2002. لا يذهب تقرير بنسودا هذه الأسبوع إلى هذا الحد، ولكنها تقر بأنه لا يمكن إعتبار الأسطول الذي توجه إلى غزة عام 2010 مهمة إنسانية.

جاء في صفحة 52 من التقرير أن الأسطول “لا يبدو أنه يقع بشكل منطقي ضمن نموذج المساعدات الإنسانية، بسبب الغياب الواضح للإعتدال والنزاهة كما يتضح في أهداف الأسطول السياسية الأساسية والواضحة (على عكس هدف محدد بإيصال مساعدات إنسانية)، وعدم الحصول على الموافقة الإسرائيلية، ورفض التعاون مع السلطات الإسرائيلية في إقتراحاتها لطرق بديلة لتوزيع إمدادات الإغاثة”.

محاولة إدانة إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية قد يرتد على صاحب المحاولة بكل سهولة، كما حذر مسؤولون إسرائيليون.

عند إنضام الفلسطينيين إلى نظام روما الأساسي والمحمكة، سيتعرضون بأنفسهم لإتهامات بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية – وعلى الرغم من تصريحاتهم العلنية، يدرك الساسة في رام الله بأن الإدعاء سيكتشف بسرعة عددا من الإنتهاكات في الضفة الغربية وخاصة في غزة، من بينها إطلاق حماس الصواريخ نحو إسرائيل بشكل عشوائي.

ومن المؤكد أن قرار المحكمة الجنائية الدولية يوم الخميس إغلاق ملف مرمرة لا يعني أن إسرائيل قد فازت في “الحرب القانونية” أو تغلبت على محاولات مؤيدي القضية الفلسطينية تشويه إسم الدولة في محكمة الرأي العام.

بإمكان الكثير من الهيئات الدولية الحكم بشأن ما يدور في الشرق الأوسط ولا تزال مسيسة بشكل كبير وبإمكانها (وستفعل ذلك) إلحاق الضرر بإسرائيل. من المرجح أن نتائح تحقيق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الحرب الأخيرة في غزة ستثبت هذه النقطة، ولكن قرار يوم الخميس يظهر أن محاولة أخذ إسرائيل في رحلة إلى المحكمة الجنائية الدولية ليست بالأمر البسيط كما يبدو في بعض الأحيان.