قد تكون أزمة الكهرباء في غزة تقترب من نهايتها، ومع عودة الأضواء، ينظر الفلسطينيون إلى بطل غير متوقع نجح في إبرام اتفاق بين مصر وحماس: محمد دحلان.

من المتوقع أن تبدأ مصر الثلاثاء بإرسال عشرات الشاحنات المحملة بالوقود إلى قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة حماس، لإستئناف عمل محطة الكهرباء في غزة وتزويد سكان القطاع بالكهرباء.

يُنظر إلى دحلان – وهو قيادي سابق في فتح ويُعتبر شخصا غير مرغوب به من قبل حماس وتمت الإطاحة به في الإنقلاب الذي أتى بالحركة الفلسطينية الإسلامية إلى السلطة في القطاع قبل نحو 10 سنوات – على أنه لعب دورا رئيسيا في صفقة الكهرباء، ويبدو أنه مهد طريقه نحو مصالحة مع الإسلاميين في غزة.

بالتالي يتم تصوير دحلان، الذي تربطه علاقات ممتازة مع مصر والإمارات وعلى ما يبدو أدار المحادثات تحت رعاية مصرية، على أنه الشخص الذي أنقذ غزة من خلال إقناع مصر بإرسال مئات الأطنان من الديزل الصناعي، تعويضا عن التقليص في تزويد إسرائيل للكهرباء الذي بدأت فيه هذا الأسبوع بطلب من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

من خلال إحضاره الوقود إلى غزة، لم يقم دحلان بإعطاء سكان القطاع الكهرباء الثمينة فحسب، بل يبدو أيضا أنه نزع فتيل وضع كارثي محتمل ووجه ضربة لخصمه وخصم حماس، عباس.

حتى لو تبين أن هذا الوقود الإضافي هو حل مؤقت، فيبدو أن رياح الحرب مع إسرائيل في الأسابيع المقبلة بدأت بالتلاشي. بالنظر إلى تصريح المسؤول في حماس خليل الحية هذا الأسبوع بأن الحركة لا تعتزم دخول حرب مع إسرائيل، يبدو أن حماس غير معنية في الوقت الحالي بتصعيد التوتر.

في الواقع، قد يكون لإعادة تنظيم القوى في غزة، مع دور كبير لمصر وعودة دحلان إلى المنصة الرئيسية، آثار كبيرة على مستقبل القطاع الساحلي.

خصم حقيقي

كان عباس هو من قرر قطع الوقود عن غزة، وكان هو أيضا من قرر تخفيض رواتب الموظفين الحكوميين في القطاع. نتيجة لذلك، يُعتبر عباس الآن الشخص الذي ألحق الضرر بالوحدة الفلسطينية ورفاه سكان غزة.

من خلال ترتيب موافقة مصر على إرسال الوقود، يُنظر إلى دحلان الآن، على النقيض من عباس، على أنه الشخص القادر على حل مشاكل غزة – وربما حتى إنقاذ الفلسطينيين من مشاكلهم الأكبر.

يعني ذلك أن دحلان تحول الآن إلى تهديد سياسي حقيقي على عباس، الذي عمل بجد لعزله من فتح ومن الضفة الغربية.

وبفضل القاهرة ودحلان، سيتم تخفيف أزمة ذات تأثير على حماس، وتعزز من مكانتها ومن مكانة دحلان، الذي أصبح بحكم الأمر الواقع وزير خارجية غزة – في حين أن مكانة عباس آخذة بالتآكل.

بحسب مصادر فلسطينية، تشمل التفاهمات بين دحلان/مصر وحماس اتفاقا يضمن بقاء الحركة صاحبة المسؤولية على الأمن الداخلي والخارجي لقطاع غزة – ما يمكنها من الحكم من دون عائق.

بداية، تتعلق التفاهمات بخطوات إنسانية فقط: فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة لفترات أطول، وتزويد غزة بالديزل (كما يبدو بتمويل من الإمارات حليفة دحلان)، ودخول وخروج الفلسطينيين في غزة من وإلى وجهات في الخارج.

ولكن في المرحلة الثانية، إذا تقدم الإتفاق بالصورة المتوقعة، قد تصبح غزة نوعا من الكيان السياسي المنفصل عن الضفة الغربية.

حماس ستلتزم  بموجب الإتفاق مع القاهرة، بحسب تقارير، بالعمل بإجتهاد أكبر ضد عناصر الجهاد العالمي – من بينها تنظيم “الدولة الإسلامية” – داخل غزة وعلى الحدود بين غزة وشبه جزيرة سيناء. وستسمح كذلك بعودة المقربين من دحلان إلى غزة – أولئك الذين نجحوا في الهروب من القطاع قبل عقد من الزمن خلال إنقلاب حماس.

في رد على الظروف المتغيرة بسرعة، دخلت السلطة الفلسطينية في وضعية هجوم. مسؤولون في فتح هاجموا مصر لمحاولتها في التدخل الصارخ في الشؤون الفلسطينية الداخلية.

تدرك السلطة الفلسطينية جيدا أنه إذا تم تطبيق عملية المصالحة بين دحلان وحماس، فإن حلما تشاركه حماس مع بعض قطاعات اليمين الإسرائيلية سيصبح حقيقة: ظهور دولة فلسطينية بحكم الأمر الواقع في غزة، في حين تواصل إسرائيل الإبقاء على وجودها في الضفة الغربية.

الإنتقام المصري

أسباب رغبة حماس ودحلان في إلغاء عباس ليست لغزا. ما هو أقل وضوحا هو أسباب موافقة مصر على لعب دور في ذلك، موجهة ضربة للقائد الفلسطيني من خلال إبطال محاولته تكثيف الضغط على حماس – وعبر أحد إعدائه الرئيسيين.

معسكر دحلان يجري لقاءات مع قادة حماس في مصر في الأيام الأخيرة برعاية مديرية المخابرات المصرية بقيادة مدير الوكالة خالد فوزي، وقد يكون فوزي هو صاحب الدور الرئيسي في هذا الاتفاق، وفي إبطال جهود عباس.

بحسب أشخاص إلتقوا به، يحتقر فوزي عباس بشدة. يُقال إنه يعتبر عباس عقبة أمام عملية سياسية في المنطقة تسعى مصر إلى الدفع بها، حتى لو كان ذلك على حساب السلطة الفلسطينية، وهو يرغب في إستبداله.

عباس رفض أكثر من مرة الإمتثال لفوزي في القاهرة، بحسب مصادر مطلعة، مثيرا غضب رئيس المخابرات المصرية ورغبته بالإنتقام. إذا كان ذلك صحيحا، فهو يحصل الآن على قصاصه.

في المجموع، تم عقد أربعة إجتماعات في الأيام الأخيرة بين يحيى السنوار وروحي مشتهى ومسؤولين آخرين في حماس في غزة من جهة، والمقربين من دحلان من جهة أخرى، من بينهم سمير مشهراوي، وبلغت هذه اللقاءات ذروتها في اجتماع بين دحلان والقائد الجديد لحماس في غزة، السنوار، والذي استمر لساعتين.

يعرف الرجلان أحدهما الآخر منذ الطفولة. فلقد نشآ معا في مخيم خان يونس، ودرسا معا في الجامعة الإسلامية، وتنافسا على رئاسة رابطة الطلاب. خلال تجمع سياسي في بداية سنوات الثمانينات، ألقى كلاهما بخطابين في إطار الترشح للمنصب.

هنالك فجوة هائلة بين دحلان – الساعي للمتعة مع موارد غير محدودة، والذي كان مسؤولا عن التنسيق الأمني مع إسرائيل في غزة عندما كان رئيسا لجهاز الأمن الوقائي هناك في سنوات التسعينات – وبين السنوار، الرجل المتطرف الذي قضى 22 عاما في السجن الإسرائيلي ويواصل قيادة الجناح الصقوري في حركة حماس. لكنهما في الوقت الحالي يعملان معا على التسبب بضرر بالغ لمحمود عباس.