قيل وكُتب الكثير عن ترسيخ إيران المنشود لوجودها في سوريا والطريقة التي تستثمر من خلالها طهران موراد بشرية ومالية إستثنائية لمساعدة الرئيس السوري بشار الأسد على البقاء. مع ذلك، قصة اغتيال مصطفى بدر الدين، رئيس الجناح العسكري لمنظمة حزب الله، يوضح بشكل إستثنائي عزم إيران وحزب الله على عدم السماح لأي كان في الوقوف أمام خططهما في سوريا.

بدر الدين، خليفة وصهر عماد مغنية (مغنية كان متزوجا من شقيقة بدر الدين، سعدة)، قُتل في شهر مايو الأخير، في انفجار غامض بالقرب من مطار دمشق الدولي. والمثير للدهشة أن حزب الله وحلفائه برؤوا إسرائيل من اغتياله. مسؤولون في حزب الله قالوا في ذلك الحين إن التحقيق جار في ظروف اغتياله.

هذا الإغتيال كان من شأنه إثارة اضطراب هائل في الشرق الأوسط. فبدر الدين كان بعد كل شيء الرجل الثاني بعد نصر الله في التلسلسل الهرمي لحزب الله، وخليفة مغنية، والذي كان مطلوبا في جميع أنحاء العالم بتهمة قتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في عام 2005.

ومع ذلك اختفى موضوع اغتياله بالكامل من جدول الأعمال السوري واللبناني في غضون أيام، وظل اغتياله لغزا.

ثم جاءت قناة “العربية” الإخبارية السعودية وكشفت في الشهر الماضي عن أن الأمين العام لمنظمة حزب الله نصر الله وقاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، هما اللذان يقفان وراء عملية الإغتيال. بعد بضعة أيام، أكد رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت المعلومات التي ذكرتها “العربية”. السبب الرئيسي وراء اغتيال بدر الدين، وفقا للقناة الإخبارية، هو خلافات في الرأي مع سليماني حول تدخل حزب الله في المعارك في سوريا.

مصادر إستخباراتية عربية وغربية أكدت هذه المعلومات. كان يُعرف عن بدر الدين معارضته الشديدة لحقيقة تحول حزب الله إلى وحدة الجنود المشاة لإيران في سوريا، وقال إنه لن يسمح لرجاله بالقتال في أرض المعركة من دون تعاون إيراني نشط في المعارك. بدر الدين طالب بأن يكون الإيرانيون شريكا كاملا في القتال في سوريا وألا تتم التضحية بـ”العرب الشيعة”. موقف بدر الدين لم يعجب سلمياني، وكما يبدو لم يعجب نصر الله أيضا.

بحسب رواية “العربية” حول مقتل بدر الدين، التقى أربعة رجال في مبنى بالقرب من مطار دمشق الدولي ساعات قبل وفاته. الأول كان بدر الدين. شهود عيان قالوا إن الرجل الثاني كان سليماني بنفسه، الذي غادر بعد بضع دقائق من اللقاء. الرجل الثالث كان المرافق الشخصي لبدر الدين، الذين غادر هو أيضا المبنى، تاركا “الرجل الرابع” فقط – القاتل، عنصر في حزب الله وحارس شخصي سابق لنصر الله: إبراهيم حسين جزين، الذي كان لبدر الدين ثقة عمياء به.

إستنتاجات حزب الله من “تحقيقه في الحادث” بدت غير مقنعة من اللحظة التي تم الإعلان عنها. مسؤولون في حزب الله ادعوا أن بدر الدين قُتل جراء انفجار صاروخ أو قذيفة هاون أطلقتها المعارضة على موقعه بالقرب من المطار. ولكن بحسب التحقيقات التي أجرتها “العربية” ومجموعات حقوق إنسان سورية، لم يتم إطلاق أي صاروخ أو قذيفة من مواقع المعارضة، التي كانت تبعد نحو 20 كيلومترا من المطار، ولم يتم الإبلاغ عن أي حوادث قصف مدفعي من أي نوع كان في المنطقة في الساعات الـ -24 التي سبقت الإغتيال.

وعلى نحو محتمل كان سيكون هناك عدد أكبر من القتلى في حال حدوث قصف من هذا النوع. يمكننا التكهن أن بدر الدين لم يصل إلى المبنى القريب من المطار لوحده، ولكن تقارير ذكرت أنه كان القتيل الوحيد. “العربية” نشرت صور أقمار صناعية قبل وبعد “القصف” المفترض للمبنى الذي من المفترض أن بدر الدين قُتل فيه. الصور أظهرت أن المبنى لم يتعرض لأي ضرر.

حتى ولو افترضنا للحظة أن المعارضة السوري هي المسؤولة، فهذه ميليشيات سنية تتوق للحديث عن كل شيعي تنجح في قتله على الأراضي السورية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بعنصر من عناصر حزب الله؟ إذا كانت المعارضة السورية أو طرف على صلة بها هم الذين يقفون وراء الإغتيال، فإن احتفالات “النصر” كانت ستستمر حتى الآن.

بعد أن قال رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي آيزنكوت إن التقارير تتوافق مع المعلومات التي بحوزة إسرائيل حول ظروف الإغتيال، حاول البعض الإدعاء أن كلامه مجرد هراء، وهو ما قيل أيضا عن تقرير “العربية”. قد تكون لهذه العناصر معلومات أكثر مصداقية؛ وإذا كان الأمر كذلك، قد يرغبون بمشاركة هذه الأدلة السرية التي بحوزتهم مع الرأي العام.

ولكن بعد مراجعة تقرير “العربية”، ينبغي الإعتراف بإن إستنتاجاتهم تبدو أكثر منطقية. أي احتمال آخر – تحميل المسؤولية للمعارضة أو لإسرائيل أو لآخرين – ليس مرجحا. ولكن قيادي في حزب الله اتبع سياسية تتعارض مع السياسة الإيرانية، يمكن الإفتراض منطقيا، بأنه لن يجد نفسه معفيا من منصبه. الطريقة الوحيدة لإستبداله، كما يبدو، ستكون القضاء عليه بإجحاف شديد.