جوبيتر، فلوريدا – المرة الأولى التي أرى فيها مصعب حسن يوسف، أبحث عن الحراس الشخصيين.

هذا هو الابن الأكبر لأحد مؤسسي حركة حماس؛ والده اعتقل وخرج من السجون الإسرائيلية لعقود. ومصعب “خانة” هو والقضية الإسلامية التي تكره إسرائيل: في حين أن والده في حركة حماس يفعل ويبذل قصارى جهده لقتلنا جميعا نحن المحتلين وسارقي الأرض، أمضى مصعب حوالي عقدا من الزمن في العمل كعميل لدى “الشاباك” لإبقائنا على قيد الحياة، ولا سيما في ذروة الانتفاضة الثانية من الهجمات الانتحارية – باعتباره الساعد الأيمن لأبيه، رئيس الأمن وأكثر المقربين ثقة، لتمرير أي قصاصة من المعلومات والحدس لمساعدة إسرائيل في المعركة ضد الفلسطينيبن.

لذا، نعم، قد نكون على بعد آلاف الأميال، في عالم آخر في جنوب فلوريدا، ولكنني أفترض أن حماس لم تنسَ النتيجة التي يجب أن تحسمها، وأن مصعب محميا تبعا لهذه النتيجة.

بدلا من ذلك، أرى رجلا يرتدي قبعة بيسبول، يرتدي نظارة شمسية وملتحيا بشكل كبير، يسير نحوي خارجا من مصاعد الفندق، وحيدا بشكل واضح. “ليس لديك أمن؟” سألته بشكل مفاجئ.

“من سيدفع ثمن الأمن؟”، أجاب.

في وقت لاحق ، سوف يعطيني إجابة مليئة أكثر. سيشير إلى أن حماس ليس لديها مخالب عالمية. سيوضح أن حماس ليس لديها اهتمام كبير بإعادة اسمه إلى العناوين الرئيسية بمحاولة قتله، وبالتالي تذكير العالم بالإذلال الذي عانت منه عندما تبين أن ابن زعيمها الأكبر في الضفة الغربية كان يعمل مع العدو الصهيوني. سوف يروي أننا يمكن أن نموت في أي وقت على أي حال، أن الموت ليس أمرا يجب خشيته؛ لا أحد يعرف ما هو معنى الموت؛ أنه من المؤكد يقفز مثل أي شخص آخر إذا تفاجئ بضجة كبيرة أو شيء من هذا القبيل، لكنه بالتأكيد لا يعيش في خوف.

مصعب حسن يوسف (إلى اليسار) وديفيد هوروفيتس في حدث أصدقاء نجمة داود الحمراء في فلوريدا ديسمبر 2018 (Courtesy)

سيقول لي الكثير من الأشياء خلال الأيام الخمسة القادمة خلال سلسلة محادثات سريالية ومحادثات غير علنية، ضد الخلفية البعيدة لآخر موجة من الهجمات التي قامت بها حماس، والتي لم أكن أتوقع أن أسمعها من قبل من “ابن حماس”، وهو العنوان الذي اختاره لسيرته الذاتية.

لكنه بدأ عن طريق أخذي إلى سوق “هول فودز”.

يوم الأحد

يعيش مصعب حسن يوسف، البالغ من العمر (40 عاما)، في الولايات المتحدة لمدة عقد من الزمن، ومن بين الأمور العديدة التي يعرفها هو ولا أعرفها أنا، هي أماكن لتناول الغداء الصحي. لذلك، بعد أن تشرفنا بمعرفة بعضنا البعض، اقترحت أن نجلس معا في مكان ما حتى أتمكن من التعرف عليه قليلا، إقترح أن نسير إلى سوق “هول فودز” المحلي، على بُعد حوالي ميل.

نحتاج إلى وقت هاديء معا لأنه من المفترض أن أقوم بإجراء مقابلة معه خلال الأحداث (التي ندفع أجورا للقيام بها) خلال الأيام الخمسة القادمة في جميع أنحاء جنوب فلوريدا التي نظمتها أصدقاء نجمة داود الحمراء الأمريكية (التي تدعم خدمات نجمة داود الحمراء الوطنية الإسرائيلية لسيارات الإسعاف، خدمات الدم، والإغاثة في حالات الكوارث).

كتاب “ابن حماس”، لمصعب حسن يوسف

لقد قرأت كتابه عندما صدر لأول مرة، في عام 2010، وشاهدت الفيلم الوثائقي الذي تلاه حوله “الأمير الأخضر” – والذي سمي بهذا الاسم نسبة للون علم حماس ومكان مصعب الملكي ضمن الحركة.

كنت أعرف أن إسرائيل اعتقلته كمراهق مفعم بالكراهية – ضحية اغتصاب الطفولة، والتطرف في بيته ومدرسته. “لم يكن الأمر ’خذ سلاحا وأقتل كل اليهود‘ في المدرسة”، قال. “بل كان أن ’الصهاينة سرقوا أرضنا‘”. لقد تم القبض عليه ومعه مسدس، كان ينوي به قتل الإسرائيليين. كنت أعرف أنه بدأ بطرح أسئلة عندما رأى في السجن أسرى من حماس يعذبون وحتى يقتلون زملائهم من حماس الذين إشتبهوا أنهم كانوا يتعاونون مع إسرائيل، وأنه سيخضع في نهاية المطاف لما أسماه في الفيلم الوثائقي “التحول المجنون” – من محاولة قتل الإسرائيليين إلى المخاطرة بحياته من أجل إنقاذهم.

في الواقع، كان تحوله أكثر من الجنون، بطريقة أبعد من التصور. “التعاون مع إسرائيل أسوأ من اغتصاب أمك”، يقول مصعب في الفيلم. لكن كونه المصدر الأكثر حيوية للشاباك في الحرب ضد الانتحاريين، في حين أن والده قام بتطوير هرميته في الضفة الغربية، هو أمر لا يمكن تخيله. هذا هو السبب في أنه فلت من كل ذلك.

ولذلك أخبرني لاحقا، لماذا عندما اتصل بوالده من الولايات المتحدة ليخبره بالأمر، وأن القصة كلها كانت على وشك أن تصبح عامة، فقد جاءت بمثابة صدمة كاملة للشيخ حسن يوسف. ألم يشك أبوه قط في أن مصعب قد لا يكون مخلصا له، لقضية الإسلاميين؟ “لم يسمح له غروره بأن يفكر بالأمر”. لكن الأب قال لابنه إنه لن يتبرأ منه، ثم تبرأ منه علانية بعد يومين. الأمر الذي يفهمه مصعب تماما. “لقد جلبت عارا لا يمكن تصوره على العائلة”، قال لي، عندما كنا نمشي معا على جانب الطريق، في أشعة الشمس المشرقة في ولاية فلوريدا، في طريقنا إلى السوق.

عندما وصلنا إلى هناك، أوضح لي كيفية تجميع مكونات غداء جيد، وأصر على دفع ثمنه، وجلس على جانبي، لأتعلم العديد من العناصر الرئيسية في وجباته: البروكلي، الأفوكادو، وزيت الزيتون. حيثما أمكن، يطلب أيضا السبانخ بالبخار. يصر على أن هذا ليس كل ما يأكله، ولكن هذا كان كل ما رأيته يتناوله خلال الأيام الخمسة التالية.

أخبرني أكثر عن العملية التدريجية من خيبة الأمل مع حماس، وشعوره – ليس أكثر من ذلك – أن هذه ليست “الحركة الدينية الصرفة” التي أرادها والده لمحاربة الصهيونية، لكن “غرور والدي” لم يسمح له أن يعترف أنها خرجت عن نطاق السيطرة. “إذا سألته، هل هذا ما خططت له، هل هذا هو ما كنت تريد القيام به، فربما يفضل الإنتحار بدلا من الاعتراف…”.

مسؤول حماس حسن يوسف في مكتبه في رام الله، 30 يوليو / تموز 2015 (Elhanan Miller / Times of Israel)

تم إطلاق سراح الشيخ حسن يوسف، القيادي البارز في الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية مؤخرا من قبل إسرائيل من آخر فترة في اعتقاله الإداري، بعد اعتقاله في ديسمبر الماضي بسبب دعوته لـ”تصعيد انتفاضة القدس” ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف مدينة القدس عاصمة لإسرائيل. والآن هو في أوائل الستينات من عمره، لقد أمضى حوالي ثلث عمره في السجن.

وتحدث مصعب أن هناك أوقاتا في السنوات الأخيرة عندما اقترح والده “هدنة” مع إسرائيل، وقال إنه على الرغم من أن والده لا يقبل بوجود صلة يهودية بالأرض المقدسة، فإنه يعرف أن إسرائيل لن تذهب إلى أي مكان. في الواقع، قال مصعب إن حماس أدركت أن إسرائيل لن تذهب إلى أي مكان ولا يمكن تدميرها. أخبرته أنني لا أرى أي علامة على هذا الإدراك. لن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي نتفق فيها على عدم الموافقة.

محادثتنا تنحرف عن التسلسل الزمني.

مصعب حسن يوسف، فلوريدا، ديسمبر 2018 (Courtesy)

أخبرني أن عمله لدى الشاباك انتهى عندما طلب منه معالج جديد أن يقوم باختبار لجهاز كشف الكذب، والذي فشل فيه، وبعده قام بإختبار ثاني، نجح فيه، لكن في ذلك الوقت كان قد “طفح الكيل” به، وشعر بما وصفه “لا أدين لكم بأي شيء بعد الآن”، في حين أصبح الأمر خطيرا للغاية.

بشكل مذهل، كان قادرا على الوصول إلى الولايات المتحدة: وحصل على تأشيرة في القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية – على ما يبدو لم ينفجر نظام الكمبيوتر بصافرات الإنذار والأجراس: “ابن حماس! المسجون من قبل اسرائيل! لا تدخلوه إلى الولايات المتحدة!”. لقد سافر إلى كاليفورنيا عبر الأردن وأوروبا، ولا يفهم لماذا سمحوا له بالدخول. كانت أوراق سفره الفلسطينية على وشك الانتهاء، وهو ما كان كافيا لإعاقته. أيضا، عندما سألوه أين هو ذاهب من المطار، قال إنه يقضي بعض الوقت مع الأصدقاء في لا جولا – وهو ما كان صحيحا – لكنه لم يستطع في الواقع نطق الإسم الكامل للمكان “لا جولا”.

هؤلاء كانوا أصدقاء مسيحيون قابلهم في الوطن. اعتنق المسيحية في عام 2004 على شاطئ تل أبيب على يد امرأة شابة من ولاية كاليفورنيا، على الرغم من أنه قال أن هذه مرحلة من حياته استمرت بضعة أسابيع فقط. ومع ذلك، “فإن تعاليم يسوع غيرت حياتي بالتأكيد”، قال.

طلب اللجوء، ورفضوا طلبه، وكان يواجه الترحيل، عندما خاطر غونين بن اسحاق، معالجه الرئيسي ورجل يعتبره “أخ” له، خاطر بحياته وسافر إلى الولايات المتحدة لتأكيد القصة المذهلة لأعماله لمكافحة الإرهاب. بدون شهادة بن اسحاق، لم يكن لدى مصعب أي وسيلة لإثبات إدعائه غير القابل للتصديق بأنه كان إلى جانب مدخري الحياة.

غونين بن يتسحاق، في الولايات المتحدة يشهد نيابة عن مصعب حسن يوسف، 2010 (يوتيوب: لقطة شاشة)

وبأي طريقة سألت، كان غونين يخاطر بحياته؟ مصعب لا ينظر إليّ كما لو أنني أحمق، لكنه يشرح بصبر أن عملاء الشين بيت هم شخصيات مجهولة، وأنه في التقدم لإنقاذ مصعب من الترحيل، ومصير مروع محتمل، كان غونين يفضح هويته لجميع القوى القاتلة التي قضى حياته المهنية في مطاردتها.

في تلك الليلة، في أول حدث لنا في مؤتمر أصدقاء نجمة داود الحمراء الأمريكية، تذكر مصعب، إلى حد كبير أمام دهشة الجمهور، عندما ملأ نموذج جنسيته الأمريكية في نهاية العملية، ووضع الإجابة الخطأ في جميع المربعات الغير المناسبة: “هل سبق لك أن أصبحت عضوا في منظمة إرهابية؟” نعم. “هل سبق لك أن دافعت عن إسقاط أي حكومة بالقوة أو العنف؟” نعم. “هل سبق لك أن أدنت بجريمة او إهانة؟” نعم. “هل سبق لك أن كنت في السجن؟” نعم.

وإمتدح ترامب، لكن ليس بسذاجة. “أنتم بحاجة لشخص مثله. إنه عمل قذر”، قال بشكل شبه غير معقول.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (إلى اليسار) والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فندق بالاس خلال الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 سبتمبر 2017، في نيويورك. (AFP/Brendan Smialowski)

إنه يحب حقيقة أن ترامب “يقدم صفقة” لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني – بدلا من محاولة “صنع السلام”. إذا لم يأخذها الفلسطينيون، فهذه مشكلتهم، وسيواصل ترامب بمفرده. “إسرائيل يجب أن تكون قوية”، قال. “في بعض الأحيان يكون من المناسب الاستسلام”، مشيرا إلى الفلسطينيين. “انظر إلى الدالاي لاما”، إقترح. “انظروا كيف يُعامل شعبه. لكن لا يوجد لجوء للعنف”.

شعرت وكأنني أقصفه بالأسئلة. لا أريد أن أكون وقحا. أنا لا أريد أن أتعبه. لا أعرف ما هي حساسياته. يقول لي إن اهتمامه الوحيد هو أنه “إذا كنت أتحدث أو أتناول الطعام، فأنا لا أتنفس، وكلما قلت أنا أتنفس، كلما قلت طاقتي”.

عدنا إلى الفندق، والأخبار أتت عن هجوم خارج مستوطنة عوفرا في الضفة الغربية شمالي القدس – ليس بعيدا عن حيث نشأ مصعب في رام الله، وحيث أيضا لدي عائلة أنا شخصيا. أصيبت امرأة حامل، شيرا إيش-ران، بإصابة خطيرة. قام الأطباء بتوليد طفلها بواسطة عملية جراحية. قيل أن حالة الطفل مستقرة لكنه توفي. والأم تقاتل من أجل حياتها.

أميحاي (من اليسار) وشيرا إيش-ران، اللذان أصيبا في 9 ديسمبر، 2018، في هجوم وقع خارج مستوطنة عوفرا في الضفة الغربية، في صورة لهما من حفل زفافهما. (Courtesy of the family)

كان أسبوع الهجمات هو الخلفية المؤلمة والدموية لمؤتمرنا. عند تقديم مصعب في ذلك المساء في كنيس في فورت لودرديل، قمت بتحديث الجمهور حول الهجوم. لقد أشادت حماس بالهجوم “البطولي”، ونحن هنا مع ابن حماس في حفل لجمع الأموال لخدمة الإسعاف التي قدمت رعاية الطوارئ الأولى، ونقل الجرحى إلى المستشفى.

كان بإمكان الفلسطينيين، كما قال للجمهور، أن يكون لهم دولة منذ فترة طويلة، لكن قيادتهم فاسدة وغير جديرة بالثقة، ولا تعمل من أجل مصلحتهم. تذكر هذه الملاحظات بالخطاب القصير المذهل الذي ألقاه أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في العام الماضي، نيابة عن المنظمة غير الحكومية “مراقبة الأمم المتحدة”: “إن معاناة الشعب الفلسطيني هي نتيجة لمصالحكم السياسية الأنانية. إنكم أكبر عدو للشعب الفلسطيني”، قال حينها، وهو يوجه ملاحظاته للوفد الفلسطيني، في حين دهش زملائه المندوبين بصوت فلسطيني يتحدى الإجماع الذي يقوض إسرائيل.

خلال العشاء في الفندق في تلك الليلة، أخبرني مصعب أنه حضر مع دعوة في آخر لحظة حفل عشاء للصندوق القومي اليهودي في كاليفورنيا، حيث كان المتحدث المخطط له هي حفيدة ديفيد بن غوريون، التي اضطرت إلى الإلغاء لأن والدتها لم تكن على ما يرام. بكلمات أخرى، ابن حماس حل مكان في هذا المكان عندما مرضت ابنة رئيس الوزراء المؤسس لإسرائيل.

كما أخبرني أنه يرغب في إطلاق محطة إذاعية، تبث إلى غزة والضفة الغربية، وتناقش الأخبار اليومية – “ببساطة اقرأ ما هو على المواقع الفلسطينية وتعليقاتي”. أقترح ربما البودكاست، لكنه يفضل الراديو: “أريدهم أن يصلوا هذه المضامين بسهولة أكثر”.

يوم الإثنين

في وقت متأخر من الصباح، نتوجه بالسيارة إلى النادي في إحدى مجتمعات فلوريدا المسورة للالتقاء مع اثنين من منظمي المؤتمر.

واحدة منهما ترحب بمصعب كصديق قديم؛ كان قد تحدث في حدث لها منذ عام. أخبرتني لاحقا أن ذوقه في الملابس أفضل الآن، وهو أكثر هدوءا. بالنسبة لي، يبدو أنه تجسيد للسحر، يسأل عن عائلتها، يستفسر عن صحتها. أخبرتنا أنها تعاني من إصابة في القدم، والتي وضعت حدا لركضها لمسافات طويلة. وهو عرض ربطها بمعالج يعرفه في كاليفورنيا.

مصعب حسن يوسف يتحدث في مؤتمر لأصدقاء نجمة داود الحمراء الأمريكية في فلوريدا ، ديسمبر 2018 (Courtesy)

عندما تحدثنا، أدركت أن مصعب يعطي إنطباعا وكأنه من الفلاسفة. ليس لأنه لا يتحدث عن ماضيه. يفعل ذلك، ودون أي تواضع زائف. يتذكر حادثة قال فيها إن حدسه، بعد أن رأى شخصين كان يعرفهما في رام الله، دفعه إلى الاتصال بغونين، مقتنعا أنهما يخططان لشيئا شريرا. ثبت ذلك، وتمكن الشاباك من منعه. يذكر أنه كان الشخص الوحيد القادر على إثبات أن أحد الحراس الشخصيين لياسر عرفات كانا يقوما بهجمات قاتلة على الإسرائيليين. بئر هذه القصص عميقة.

لكنه يبدو أنه يفضل التحدث عن الحالة البشرية – نقلا عن الفلاسفة اليونانيين، يناقشها من ناحية تجارب الجسد البشري.

عندما أعادتنا مضيفنا من المؤتمر إلى الواقع، وتحدثت عن الخدمات اللوجستية الخاصة بحدث الليلة، قال مصعب: “كل ما يمكنني فعله لمساعدة قضيتك.” في هذا اليوم، اليوم الثاني من وقتنا معا، ما زلت لم أستطع تصور ابن الشيخ حسن يوسف يقول أشياء من هذا القبيل.

مصعب يستهجن. “كل شيء قمت به”، قال. “كان محاولة إنقاذ الأرواح. كان هذا اتفاقي مع الشاباك – ليس العمل مع إسرائيل، أو ضد الفلسطينيين، بل العمل على إنقاذ الأرواح”.

تفجير حماس الانتحاري في القدس في 11 يونيو 2003، والذي قتل 16 شخصا. (Quique Kierszenbaum/Getty Images/JTA)

في هذا الحدث، الذي عقد في منزل مانحين سخيين لجمعية نجمة داود الحمراء، شاهدوا خطابه الذي مدته 90 ثانية في اللأمم المتحدة، والناس تجمعوا، وقفوا، وصفقوا له قبل أن يتم تقديمه.

في طريقنا إلى المنزل، أخبرني عن حادثة وقعت في حدث يهودي عندما سألته امرأة عما إذا كان متزوجا. عندما علمت أنه ليس متزوجا، عرضت أن تعرفه على ابنتها.

كما أخبرني أيضا عن الحادثة، بعد حدث يهودي آخر، عندما جاء إليه أحد أفراد الجمهور بعد ذلك وهمس في أذنه، “أعتقد أنك مزيف”.

قال أنه يتحدث في عدد لا بأس به من الأحداث اليهودية، وأمام الجماعات المسيحية الإنجيلية أيضا. بالنسبة للمسيحيين في الشرق الأوسط، على النقيض من ذلك، فهو لعنة، لأنهم يزعمون أنه يخون القضية الفلسطينية. إنه يتحدث في الجامعات الأمريكية – وقد ألغيت الأحداث في الحرم الجامعي بسبب شكاوى من الطلاب الفلسطينيين الذين زعموا أنهم يخافون على سلامتهم إذا جاء. قال إنه سيتحدث في المساجد الأمريكية لو دعوه، لكنهم لن يفعلوا.

يوم الثلاثاء

لدينا حدثان يوم الثلاثاء، الأول في منزل والثاني في ناد ريفي. حتى الآن قمت بتقديم مصعب من خلال إخبار الجمهور بأن قصته استثنائية للغاية وأنهم يجب أن يتجولوا بدهشة تامة.

يعترف بأن أي شيء تقريبا كان يمكن أن يعطل تسلسل الأحداث التي نقلته من منزل والده إلى الشين بيت إلى الولايات المتحدة والآن إلى هذا الحدث. بالتأكيد، كان يعيش كذبة لسنوات. بالإضافة، لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي أي فكرة عما كان عليه فعلا، وقد اقتربوا من قتله في عدة مناسبات – طائرة مروحية كانت على وشك استهداف سيارة كان داخلها؛ غارة للجيش الإسرائيلي وجدت أنه حوصر في قبو.

مصعب حسن يوسف (إلى اليمين) وديفيد هوروفيتس في حدث أصدقاء نجمة داود الحمراء في فلوريدا، ديسمبر 2018 (Courtesy)

في الحدث الثاني، أمام حوالي 450 شخص، كانت المرة الأولى التي ينزعج فيها مُصعب. أخبرته امرأة أنه، مع هذه المجموعة، “يعظ أمام الجوقة”، وسألت ما إذا كان قد خاطب الجماهير التي لا تفهم القضية، والتي تعتبر معادية لإسرائيل. لا أظن أنها ناقده، لكنه يأخذ السؤال كإهانة، وسألها: “ألم أفعل ما يكفي؟” إنه ليس وقحا، لكنه شعر بالإهانة، وهو شرس في رده. هناك وميض من الصلابة الداخلية الذي لم أشهده من قبل.

أسئلة أخرى، الليلة ولكل ليلة، ركزت على سلامته (يعرف كيف يتخلص من المخاوف)، وعلى علاقته بأسرته (لا توجد علاقة). “لقد فعلت شيئا فظيعا مع والدي وأسرتي”، قال، على الرغم من أنه يشير أيضا إلى أن والده قد اغتيل على الأغلب لو لم يكن للدور الذي لعبه مصعب – الحاجة إلى الحفاظ على الوصول إلى أسرار حماس التي أعطاها له والده. ذات مرة، “أخبرني أن الله أنقذه عندما جاء الجيش وفتش كل منزل، ما عدا البيت الآمن الذي كان يختبئ فيه”، قال مصعب في إحدى الليالي. “ما كان يظن أن ابنه هو أحد عملاء الشاباك في تل أبيب”.

مؤيدو حماس يحتشدون في الضفة الغربية، تشرين الثاني 2012 (Flash90)

عندما وصفه أحد أعضاء الجمهور بأنه “بطل”، ألجم مرقّمه – في مقاومة للوصف. “إذا كنت بطلا لبعض الأشخاص، فإنني أنا خائن بالنسبة للبعض الآخر”، قال. “لقد حاولت فقط إنقاذ الأرواح – الإسرائيلية والفلسطينية”.

كما قال الليلة “نكتة” تتعلق بعاملين فوق سقالة على موقع بناء – أحدهما إسرائيلي والآخر فلسطيني. عندما فتح طعامه، شخر الإسرائيلي بمرارة، “شاورما، مرة أخرى! إذا كانت شاورما مرة أخرى غدا، فسوف أقفز إلى موتي”. “يفتح الفلسطيني طعام الغداء، ويشكو “فلافل، مرة أخرى. إذا كان فلافل مرة أخرى غدا، فسوف أقفز إلى موتي”. في اليوم التالي، يجد الإسرائيلي بالفعل شاورما في صندوق الغداء مرة أخرى، ويقفز حتى موته. الفلسطيني، كذلك، يجد الفلافل في صندوق الغداء الخاص به، ويقفز إلى موته.

في جنازة الرجل الإسرائيلي، تخبر زوجته الحزينة الجميع: “أنا لا أفهم ذلك. إذا لم يكن يريد الشاورما، كل ما كان عليه أن يفعله هو أن يخبرني. في جنازة الرجل الفلسطيني، تخبر زوجته الحزينة الجميع: “أنا لا أفهم ذلك. لقد حضر غدائه شخصيا”.

وهذا، يدعي مصعب، هو الوضع الفلسطيني.

يوم الأربعاء

اليوم لا توجد أحداث، ولكننا نقضي بعض الوقت مع مضيفينا. يعلِّمنا مصعب تمرينا للتنفس، وعلى الغداء – البروكلي والسبانخ – يظن أنه في حين أن “النازيين لم يختفوا أبدا”، و”كراهية حزب الله وحماس لم تختفي”، فإن “لا قوة على الأرض يمكن أن تدمر إسرائيل”.

عندما تحدثنا لاحقا، سألته ما إذا كانت إسرائيل قد حاولت فرض الرقابة على كتابه. (الرقيب العسكري يمنع المواطنين الإسرائيليين من نشر المواد التي يمكن أن تهدد الأمن القومي). قال لا، لكنه أبقى المواد الحساسة خارج النص.

نسمع الآن أنه على الرغم من تحسن حالة شيرا إيش-ران، الأم الحامل في هجوم عوفرا، إلا أن حالة طفلها تدهورت، وقد مات الآن. أيضا، بعد بضع ساعات، ادعت حماس المسؤولية عن عملية عوفرا “البطولية”. “كيف يمكنك أن تدعي الفضل في قتل طفل”، يصرح مصعب.

ملصق نشرته حركة ’حماس’ أعلنت فيه مسؤوليتها عن هجوم إطلاق نار في مستوطنة عوفرا في 9 ديسمبر، 2018 وأشادت ب’الشهيد’ صالح البرغوثي، تم نشره على الحساب الرسمي لحماس على ’تويتر’. (Twitter)

وقالل من أنه يخشى أن تكون حماس قد أقامت نوعا من البنية التحتية للإرهاب في الضفة الغربية، ويشير إلى أن كوبر، القرية التي يشتبه في منفذ الهجوم منها، وهو صالح البرغوثي، قد ولدت العديد من الإرهابيين، بمن فيهم عمر العبد (19 عاما)، الذي قتل ثلاثة أعضاء من عائلة سالومون في يوليو من العام الماضي بعد التسلل إلى مستوطنة حلميش في الضفة الغربية.

إنه من الجيد أن البرغوثي قد مات، قال – قُتل عندما حاول مهاجمة الجنود الذين تعقبوه. “وإلا لكان سيقتل المزيد من الأطفال”.

أراد أن يرى فيلم “الكتاب الأخضر”، عن العنصرية في الولايات المتحدة في أعماق الجنوب في أوائل الستينيات، المعروض عبر الشارع فذهبنا. يظهر مصعب متحمسا لذلك. “كان الفيلم عاطفيا قليلا”، قال أثناء مغادرته، متنبئا أنه ينبغي أن يفوز بجائزة أفضل فيلم وأفضل موسيقى وأفضل ممثل مساعد.

سمعنا في هذا اللحظة أن الجيش الإسرائيلي قد قتل المسلح الذي قتل اثنين من زملائه في العمل في منطقة بركان الصناعية في أكتوبر. “هذه ليلة جيدة للشين بيت”، قال مصعب. “يجب أن يكون هناك العديد من الأشخاص الذين لم يناموا خلال الأسابيع الماضية”.

ثم يوضح لي: “إنه ليس احتفالا. انها راحة”.

يوم الخميس

اليوم هو حدثنا الأخير، وكما هو الحال طوال الأسبوع، حاولت، خلال الأربعين دقيقة أو نحو ذلك، أن أقوم بمقابلته على خشبة المسرح، لأجعله يغوص بطريقة أو بأخرى في قصة حياته بأكملها، الدافع، آمال المستقبل، نظرته على الحياة، وأكثر من ذلك.

صراحة، هذا مستحيل، بسبب صعوبة التنبؤ بما سيكشفه مصعب. لقد سألته في كل مناسبة عن بعض الحديث عن طفولته، وعن تحوله، خصائص الشاباك، وعمله بعد ترك العمل كوكيل. في كل مرة، فكر وتعمد في إجاباته، وكشف عن أفكار وحقائق جديدة.

تذكّر الليلة أنه عندما اتصل به الشاباك بعد إطلاق سراحه من فترة مدته لحيازة سلاح، سألهم لماذا لم يأتوا لمساعدة موظفي حماس الذين يتعرضون للتعذيب على يد أسرى حماس الآخرين في السجن. لقد أكد له الشاباك أن هؤلاء الرجال ليسوا عملاء لديه. وأن واحدا فقط من وكلائه كان في مأزق من قبل. وفي حالة هذا الرجل، تدخل شمعون بيرس شخصيا مع عرفات لمنع الأذى الذي كان ممكنا أن يصيبه. لقد فحص هذه القصة، ووجدها حقيقية، كما قال، وكاتن تلك نقطة أخرى من نقاط التحول في كتابه “كيف تعلمت أن أوقف كراهية إسرائيل وأن أبدأ في مساعدتها على إنقاذ الأرواح”.

مصعب حسن يوسف خارج سوق هول فودز في فلوريدا، ديسمبر 2018 (طاقم تايمز إسرائيل)

قبل ذلك الحدث النهائي، خرجنا مرة أخرى لتناول الغداء – إلى سوق هول فودز، وإن كان فرعا مختلفا. هنا أخبرني أن والديه كانا يضرباه عندما كان طفلا – “كان ذلك منتشرا في المجتمع الفلسطيني”، قال – وقال أنه قد قلب كل غضبه بسبب هذا الإحباط وكل الإحباطات الأخرى، ضد إسرائيل – مرة أخرى، إلى أمر يعتبر طبيعي لدى الفلسطينيين.

في أمريكا، خلال الوجبة الاخيرة من وجبات الغداء معا، قال أنه وجد حريته. يقول إن الولايات المتحدة “تجمع بين السلطة والنعمة. أنا ممتن للغاية للولايات المتحدة”.

صورنا بعض الصور خارج المتجر، تعانقنا ووعدنا بعضنا البعض بأننا سنبقى على اتصال. أخبرني أنني يجب أن أذهب لزيارة غونين، الذي ظهر يوم الاثنين الماضي في محكمة تل أبيب كمحامي الدفاع في قضية تشهير رفعها يئير نتنياهو. ويوم الجمعة، بعد أربعة أيام، ألقي القبض على غونين خلال مظاهرة في تل أبيب ضد زيادات في تكاليف المعيشة، واحتجز لمدة 30 ساعة.

وكان غونين في السابق قد تصدر عناوين الصحف قبل شهرين، حيث خرج إلى الشارع ملوحا بعلم إسرائيلي، أمام موكب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إطار احتجاج ضد الفساد مكون من شخص واحد. هناك فيديو للواقعة يعرض أحد عملاء الشاباك الحاليين يدفع وكيل الشاباك السابق إلى الخروج من مسار موكب رئيس الوزراء في اللحظة الأخيرة.

لا يمكن إختراع هذه الأحداث.

لا يمكن إختراع أي جزء منها.