تُعتبر سلسلة الهجمات التي وقعت يوم الجمعة في شمال شرق شبه جزيرة سيناء، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 30 جنديا مصريا، بمثابة صفعة على وجه الإدارة في مصر وزعيمها، عبد الفتاح السيسي. حتى بعد أن بدا أن الجيش نجح في إستعادة إستقرار الوضع الأمني في سيناء، وحتى بعد أن قام الجنود بإقتلاع جذور المئات من الجهاديين وكانوا قادرين على خفض عدد أنفاق التهريب من قطاع غزة إلى داخل مصر بشكل كبير، أظهرت هذه التفجيرات الإرهابية أن الصراع مع المتطرفين الإسلاميين في البلاد لا يزال بعيدا عن نهايته.

ليس أن هناك من أعتقد في القاهرة أنه في غضون أيام أو أسابيع سيتم إزالة القواعد الإرهابية في شبه الجزيرة. على النقيض من ذلك، تكهن العديد من المسؤولين الأمنيين في القاهرة بأنه من أجل إستعادة الإستقرار والسلام إلى سيناء، على الجيش أن يعمل في المنطقة لمدة 3 سنوات على الأقل. ومع ذلك، الهدوء الجزئي الذي شهدته شبه الجزيرة في الأشهر الأخيرة أدى إلى اعتقاد الكثيرين بأن السيسي يستطيع أن يركز جهوده الآن على التهديدات الأمنية والسياسية التي يشكلها إرهابيون محليون في عمق البلاد، وعلى قمع احتجاجات الإخوان المسلمين في القاهرة ودلتا النيل وأماكن أخرى.

يبدو أن السيسي يدرك الآن أن عليه بذل جهود كبيرة على عدة جبهات في وقت واحد. فهو سيضطر إلى تخصيص وحدات نخبة في الجيش للعمل ليس فقط داخل مصر، للسماح بإجراء الإنتخابات البرلمانية كما وعد، بل أيضا عليه التعامل مع الجهاديين في مدن في شمال شرق سيناء مثل شيخ الزويد والعريش ورفح. لتحقيق هذه الغاية، بدأ السيسي يوم السبت بتعزيز 12 كتيبة في الجيش المصري تم نشرها في شبه الجزيرة بقوات إضافية.

بحسب تقارير في وسائل إعلام عربية، تم نشر جنود من واحدات 777 و999، التي تعتبر من أفضل وحدات النخبة في الجيش المصري، وقوات مظليين في نقاط رئيسية في شمال شرق سيناء. وتم إرسال قوات خاصة أخرى تابعة لقوات الداخلية إلى سيناء كذلك، من أجل تعزيز جهود جمع المعلومات الإستخباراتية في المنطقة. يتطلب دخول هذه القوات بالطبع موافقة الحكومة الإسرائيلية، بموجب اتفاق السلام بين البلدين، ولكن من غير المتوقع أن تكون هناك معارضة لخطوة كهذه – سيرغب المسؤولون الإسرائيليين برؤية مصر قوية ومستقرة بقيادة السيسي.

يبدو أن التحديات التي تواجه مصر في سيناء، إلى جانب كراهية الحكومة لحركة حماس الفلسطينية في غزة، أحدثت تعاونا طبيعيا بالإستناد على مصالح مشتركة مع الجانب الإسرائيلي. هذه وصفة لتوثيق العلاقات الحميمة أصلا بين البلدين.

مع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه القضية خالية من المشاكل. فما زال هناك خلاف كبير يلوث “شهر العسل” بين القاهرة والقدس، وهو القضية الفلسطينية. في سلسلة من الرسائل العلنية والسرية إلى إسرائيل، كرر السيسي وإدارته نفس الشعار – أنه من أجل المساعدة في إستعادة إستقرار الوضع في المدن المصرية، على القدس المضي قدما في المفاوضات مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. بالنسبة لمصر، عباس هو المفتاح لإستقرار المنطقة. عباس هو الطريقة الوحيدة بالنسبة للسيسي لإعادة إعمار غزة وإضعاف حماس في الوقت نفسه. تكمن المشكلة في أن السيسي لا يفهم ما إذا كانت لإسرائيل سياسة واضحة بشأن القطاع. كما أنه غير قادر على فهم هوس رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون في إدانة عباس، في ما تراه القاهرة بأنه جهد إسرائيلي معاكس للتوقعات البديهية والذي من شأنه فقط ضمان مواصلة حكم حماس في غزة.

يوم السبت بدا السيسي كنسخة مصرية لوينستون تشرتشل. فقد كان حذرا في إظهار تفائل مبالغ فيه في تصريحاته، وقام بدلا من ذلك بالتشديد على أن مصر ستواجه بعض الصعوبات في الأيام القادمة في جهودها لدحر الإرهاب في سيناء.

وقال: “وقع ضحايا وسيقع ضحايا في هذه الحرب”، وقال أنه من المرجح تورط قوى خارجية في الهجمات.

ولكن على الرغم من ميل القاهرة إلى إتهام حماس مباشرة بأي نشاط عنيف داخل الحدود المصرية، فمن غير المرجح أن تقوم الحركة الفلسطينية، التي تبحث حاليا عن طريقة لإعادة إعمار غزة، بالمخاطرة بالقيام بعمل كهذا في الوقت الحالي.

مع ذلك إحتمال أن يكون الجهاديون الذين شاركوا في الهجمات قد حصلوا على مساعدة ما من نشطاء في قطاع غزة لا يمكن استبعاده بشكل قاطع. هذا ما يجعل الجيش المصري يعتقد أن المنطقة العازلة في منطقة حدود غزة ستعمل على إضعاف التنظيمات الجهادية في سيناء بشكل كبير. بكلمات أخرى، سيقوم الجيش المصري بإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الحدود من أجل إلحاق الهزيمة بالإرهابيين المختبئين في مناطق سكنية. وليس من المرجح أن تكون المحكمة العليا في مصر هي من سيمنعهم من القيام بذلك.