السكان في الزرقاء يطلقون عليه لقب “الرجل الأخضر”. البلطجي محب الخمور، وقد يكون أيضا قواد، اكتسب هذا اللقب في المدينة الأردنية الفقيرة بسبب أوشام الزمرد الأخضر على يده اليسرى. ولكن العالم يعرفه بإسمه الجهادي: الزرقاوي، ومعناه الرجل من الزرقاء – قيادي القاعدة في العراق وعراب تنظيم “داعش” الذي تم إغتياله .

منذ مدة طويلة أعرب تنظيم “داعش” عن عزمه إحتلال الأردن. ولكن منذ إعلان الزرقاوي مسؤوليته عن تفجيرات الفندق في عمان عام 2005 والتي راح ضحيتها 60 شخصا لم يقع هناك هجوم واحد مستوحى من الجهاديين في المملكة. لكن الآن، الظروف التي عززت من تحول الرجل الأخضر إلى مؤسس جماعة إرهابية شرسة بدأت بالإنتشار في جميع أنحاء البلاد.

على الرغم من أن 94% من مواطني المملكة لا يأيدون “داعش”، بحسب تقديرات صدرت مؤخرا، فإن الأردن أرسلت 2,500 مقاتل أجنبي إلى العراق وسوريا. هذه ثالث أعلى نسبة بين الدول العربية، بعد السعودية وتونس.

معظم المقاتلين الأجانب ينحدرون من مدن فقيرة مثل السلط ومعن والزرقاء. ولكن الإقتصاد الآخذبالتدهور بشكل كبير يهدد بإيصال الظروف المزعزعة للإستقرار إلى باقي أنحاء البلاد، وخاصة العاصمة عمان.

تعتمد الأردن بشكل كبير على مساعدات أجنبية من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج. منذ إنطلاق الربيع العربي في 2011، حصلت الأردن على 12 مليار دولار على شكل ضمانات قروض ومساعدات تطوير ومساعدات عسكرية.

ولكن دكتور يوآف ألون، مؤرخ للمملكة الهاشمية في جامعة تل أبيب ومؤلف كتاب “صنع الأردن: العشائر والإستعمار والدولة الحديثة”، يقول لتايمز أوف إسرائيل بأن الوضع الإقتصادي الحالي غير قابل للإستمرار.

ويقول: “من الواضح إن الصدقات العرضية من حلفاء الأردن لن تكون كافية على المدى الطويل”، ويضيف: “المطلوب هو حل أساسي للإقتصاد الأردني المريض، حل يكون قادرا على تلبية إحتياجات جيل شاب يزداد تعليما ولكنه عاطل عن العمل” والمماعدة في ضمان مقاومة هذا الجيل للإجتذاب الوحشي لتطرف “داعش”.

ويقول ألون بأنه على الرغم من أن المعطيات الحكومية الرسمية تشير إلى أن نسبة البطالة تصل إلى 15%، ولكن معظم الأشخاص يعتقدون بأن النسبة تصل إلى 30% وحتى أعلى من ذلك بين الشباب.

عوديد عيران، السفير الإسرائيلي السابق لدى الأردن وباحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي، يقول بأن نسبة البطالة قد تصل إلى 50%.

دراسة حالة: منع طيار من الطيران

محمد كردي (27 عاما) تحدث إلى تايمز أوف إسرائيل عبر سكايب حول صعوبة العثور على عمل في الأردن من منزله في منطقة تلاع العلي التي تسكنها الطبقة الوسطى وتقع شمال غرب عمان.

من عام 2002 وحتى 2012، كان الكردي بطلا في الملاكمة. لكن حلمه كان أن يصبح طيارا. ولكن من دون المال للحصول على دروس الطيران التي تكلف كثيرا، لم يتمكن من الإقلاع. “بعد المدرسة الثانوية، قضيت عاما أبحث فيه عن منحة في الطيران. وجدت أنهم يمنحونها لأشخاص من الطبقة الأولى في المجتمع”، بحسب ما قاله الكردي.

مع ذلك، نجح في نهاية المطاف بترتيب لقاء مع ممثل عن الملكية الأردنية للطيران، الذي قال للكردي بأنه إذا نجح بالحصول على لقب أول في العلوم من جامعة جيدة، ستقوم شركة الطيران بإعطائه منحة. أنهى بطل الملاكمة اللقب الأول في نظم المعلومات من جامعة الأردن بعد ثلاث سنوات بعلامات كانت تكفيه للحصول على منحة من الملكية الأردنية. لكن جهوده باءت بالفشل. الملكية الأردنية قالت لللكردي بأن المنحة لم تعد متوفرة. “بالتأكيد كانوا يكذبون”، كما قال، “فهم يحتفظون بالمنحة لشخص مع الارتباطات المطلوبة”.

مع تحطم حلمه بالطيران، بحث عن عمل في مجال الكمبيوتر. على الرغم من علاماته الجيدة – معدله النهائي 3.6 من أصل 4.0 – لم ينجح في العثور على عمل لمدة 3 أعوام. “لم أتمكن من الحصول على وظيفة لأنه في الشركات الحكومية يقومون فقط بتوظيف أشخاص من عائلات في الحكومة. وفي الشركات العادية، يقومون بإعطاء الوظائف لأفراد عائلات”. ولم يتمكن الكردي أيضا من الحصول على منحة لدراسة اللقب الثاني.

اليوم يعمل الكردي لمدة 12 ساعة يوميا في وظيفتين. خلال اليوم، يعمل كمستشار موراد بشرية، وفي المساء يقوم بإعطاء دروس في الملاكمة في نادي رياضي. راتباه منخفضان لدرجة لا تمكنه إنهاء الشهر، كما يقول. مع ذلك يقول بأنه محظوظ في حصوله على وظيفة أصلا.

بحسب ألون، شبان مثل الكردي الغير قادرين على إيجاد وظيفة يثيرون قلق مؤسسة الأمن الأردنية.

الوضع الصعب للإقتصاد الأردني لا يؤثر فقط على أشخاص مثل الكردي، الذي يكشف إسمه عن أصوله الكردية. أفراد من الأردنيين الأصليين، الشركاء الطبيعيين للملك، يعانون هم أيضا بسبب تقليصات في القطاع العام.

بسبب الأنظمة الأخيرة التي أصدرها صندوق النقد الدولي، اضطرت الأردن إلى خفض الإنفاق على الرواتب. “لهذه الخطوة أهمية سياسية”، كما يقول ألون ويضيف: “الأشخاص المقربون من النظام يتم توظيفهم عادة في القطاع العام والكثيرون منهم يشعرون بالسخط”.

ما لذي تفعله إسرائيل لحماية الأردن؟

مع صعود تنظيم “داعش”، تبدو معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل التي أبرمت عام 1994 خطوة ذكية أكثر من أي وقت مضى للطرفين.

فقد تنظيم “داعش” الكثير من الأراضي والموارد البشرية والمصادر منذ التدخل الروسي الأخير في سوريا. لكن في الوقت نفسه، نجحت “كتائب شهداء اليرموك” التابعة لتنظيم “داعش” بوضع موطئ قدم لها في محافظ درعا على الحدود مع شمال الأردن ومع هضبة الجولان في إسرائيل.

متحدثا في مؤتمر نظمه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في الأسبوع الماضي قال قائد هيئة الأركان العامة الإسرائيلي غادي آيزنكوت أن هذه التطورات “تزيد من الإحتمال، بنظري، بأننا سنراهم يوجهون بنادقهم ضدنا وضد الأردنيين”.

قبل أسبوع من تحذير قائد الجيش الإسرائيلي من إحتمال وقوع هجوم خارجي لـ”داعش”، صرح عاموس غيلعاد، مدير مكتب الشؤون السياسية-العسكرية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، أيضا في تصريح نادر عن مخاوف من التدفق الهائل للاجئين السوريين في الأردن، وقدر بأن أعدادهم قد تكون حوالي 1.4 مليون – حوالي 20% من مجموع السكان.

وقال غيلعاد في مقابلة أجرتها معه مجلة “إسرائيل ديفنس” في 13 يناير.”لا شك بأن ’داعش’ يحاول إختراق [الأردن] من هناك، على مستوى منخفض في الوقت الراهن”

السلطات الأردنية لا تغض الطرف عن تهديد الخلايا النائمة لتنظيم “داعش”. منذ بدأ اللاجئون العراقيون بالتدفق إلى المملكة في بداية سنوات الـ -90 بسبب حرب الخليج الأولى، اتبعت الأردن سياسة الباب المفتوح للاجئين من المنطقة. لكن هذا الشهر أعلنت عمان بأنها ستبدأ بإجراء مسح لجميع اللاجئين السوريين الذين يحاولون دخول البلد. هذا القرار ترك عشرات الآلاف من اللاجئين عالقين في مخيمات على الحدود.

لمنع هجمات محتملة لتنظيم “داعش” ضد الأردن من الداخل والخارج، تدرس إسرائيل أيضا تقديم المساعدة للمملكة الهاشمية عسكريا وماليا.

العلاقات الإقتصادية بين البلدين عميقة أصلا. في العام الماضي، قبل تقديمه الإستقالة من الحكومة بسبب فضيحة تحرش جنسي في ديسمبر، وقع وزير الطاقة والمياه سيلفان شالوم على اتفاقات تاريخية لمعالج حاجات الأردن للطاقة والموارد – خط أنابيب مياه بقيمة 800 مليون دولار وصفقة غاز تُقدر قيمتها بـ -15 مليار دولار. (تقوم الأردن حاليا بإستيراد أكثر من 95% من الطاقة التي تحتاجها، بتلكفة تصل إلى حوالي خُمس الناتج المحلي الإجمالي).

على الجانب الأمني، هناك تنسيق إستخباراتي وثيق ضد المقاتلين الجهاديين. يشكل ذلك قيام إسرائيل بنشر طائرات إستطلاع على الحدود السورية-الأردنية لتوفير المعلومات الإستخباراتية للأردنيين. وقامت إسرائيل أيضا بإمداد الأردن بـ -16 مروحية قتالية من طراز “كوبرا” في يوليو من أجل حراسة الحدود.

مع ذلك، فإن إسرائيل لا تعتمد فقط على الأردن في مجال الأمن. مضر زهران، الناشط الذي يرأس الإئتلاف الأردني المعارض من المنفى في بريطانيا، أشار إلى أن إسرائيل قامت بإستثمار مليار دولار على سياج أمني على الحدود مع الأردن.

وقال زهران، “الذي يحمي إسرائيل هو قوة عسكرية لا تصدق، وتاريخ بأن كل من يهاجم يُعاقب بشدة”.