لربما بدت هذه الفكرة كفرة جيدة في البداية.

بعد أن طلب التايمز أوف إسرائيل توضيح ما الذي كان يقصده رئيس الحكومة في دافوس، يوم الجمعة، عندما قال أنه لن يقوم بإزالة أية مستوطنة أو بتهجير مستوطن واحد، قام مكتب رئيس الوزراء بتقديم شرح مفصل وصريح.

لا، فان نتانياهو لم يكن يتحدث فقط عن المستوطنات في غور الأردن، كما أوردت بعض التقارير. ولا، لم يكن رئيس الحكومة يتحدث فقط عن فترة انتقالية قبل الاتفاق الدائم.

ولكن من الآن فصاعدًا، حسب ما ذكر المسؤول للتايمز أوف إسرائيل، نتنياهو سيصر على أن يعطى لكل المستوطنين حرية اختيار البقاء في المكان والعيش تحت السيادة الفلسطينية بعد التوصل إلى اتفاق سلام، أو الانتقال طوعًا إلى مناطق تحت السيادة الإسرائيلية. “كما أن هناك أقلية عربية في إسرائيل، لا يرى رئيس الحكومة سببًا يمنع وجود أقلية يهودية في فلسطين،” وأضاف، “ينبغي أن يكون لليهود الذين يعيشون على ذلك الجانب الحق في اختيار ما إذا كانوا يريدون البقاء أم لا.”

وادعى المسؤول الذي تحدث إلينا أن موقفه هذا يمثل موقف نتنياهو “منذ فترة طويلة”. إذا كان ذلك صحيحًا، فلم يتم التعبير عن هذا الموقف بشكل واضح وصريح من قبل- كما هو واضح من العاصفة الدبلوماسية التي أثارها مقالنا.

قد يكون من الممكن أن نتنياهو حاول إطلاق بالون اختبار لمعرفة رد فعل المجتمع الدولي والمستوطنين. على كل حال، فإن النتائج حتى الآن لم تكن مرضية لرئيس الحكومة بشكل كبير. على الأرجح أنه كانت هناك مناورة لإحراج الفلسطينيين، الذين قد يكون توقع نتنياهو وبحق أنهم سيرفضون الفكرة بالمطلق. تكمن المشكلة بأن الرفض الشديد الذي جاء من قبل حلفاءه/ منافسيه في اليمين قام بإخفاء ردة الفعل الفلسطينية المتوقعة.

وكان الرائد في توجيه هذا السيل من الانتقادات في صفوف اليمين قائد البيت اليهودي ووزير الاقتصاد، نفتالي بينيت، الذي رفض فكرة خلق مستوطنين-فلسطينيين في تصريح نشره له مساء الأحد على صفحته في الفيسبوك والذي يمكن تلخيصه بكلمة واحدة، “أبدًأ”.

من وراء الكواليس في الساعات القليلة الماضية، هاجم أعضاء من معسكر بينيت نتنياهو للتنازل عن المستوطنين للفلسطينيين. وقد رد عليهم اعضاء من معسكر نتنياهو بأن بهجومه على نتنياهو لطرحه فكرة سيرفضها الفلسطينيون بكل تأكيد، فإن بينيت سبب الضرر للقضية الاستيطان. ورد أعضاء معسكر بينيت بأنه سيكون من الحكمة إعلامنا مقدمًا في المرة القادمة التي تريدون فيها طرح خطة عبقرية لفضح التعنت الفلسطيني. فلقد قضى نتنياهو وبينيت ست ساعات كاملة معًا يوم الأحد. ألم تخطر هذه الفكرة الماكرة على باله؟

واتت الانتقادات أيضًا من جانب أعضاء في حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو- ولم يشمل ذلك صقورًا فقط كنائب وزير الدفاع داني دانون، ولكن عضو الكنيست المقرب من نتنياهو ومساعده السابق أوفير أكونيس، الذي قال أن الفكرة “وهمية”.

وكان نتنياهو طرح هذه الفكرة بجلسة خاصة مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، كما أكدت مصادر فلسطينية للتايمز أوف إسرائيل اليوم الاثنين، وتشير بعض المصادر أن كيري طرح الموضوع مع الفلسطينيين.

لا بد أن نتنياهو اعتقد أن هذا التسريب سيثير ردود الفعل الغاضبة من قبل الفلسطينيين: سترفض السلطة الفلسطينية أي وجود إسرائيلي في دولتها، وسيكون بإمكانه انتقاد معاداتهم الجلية للسامية. علاوة على ذلك، قد يكون قد تمنى أن يحصل على مدح اليمين له لرفضه اقتلاع المجمعات اليهودية؛ على النقيض من أريئيل شارون والهدم الكامل للمشروع الاستيطاني في غزة في عام 2006. وقد يكون مساعدوه فكروا في ربط التعنت الفلسطيني بتاريخ معين في التقويم: ها هو محود عباس يصر على دولة خالية من اليهود في الوقت الي يتذكر العالم فيه المحرقة اليهودية.

لم تتحقق كل هذه الأشياء. فقد تم قتل فكرة الأقلية اليهودية في “فلسطين” على يد بينيت وزملائه المحاربين ضد الدولة الفلسطينية بحيث أنه بالكاد سيتم تسجيل أي رفض فلسطيني في المجتمع الدولي. حتى الآن حافظ كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الصمت، ومهد الفلسطينيون الطريق للتعبير الأولي عن سخطهم. وقام رد الفعل الغاضب لكبير المفاوضين صائب عريقات الصادر عنه ليلة الأحد، الذي قال أنه لن يسمح ببقاء “أي مستوطن” في فلسطين، والذي قوبل بهجوم من مكتب رئيس الحكومة، بإفساح الطريق أمام موقف رسمي أكثر قبولًا صادر عن المسؤولة في منظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي يوم الاثنين قالت فيه أن اليهود هم موضع ترحيب، أم المستوطنون “الإقليميون السابقون” الذين سيحتفظون بمواطنتهم الإسرائيلية غير مرحب بهم.

من الممكن أن فكرة نتنياهو بتقديم الفرصة للمستوطنين بالبقاء تمثل قبوله لتقسيم لا مفر منه للأرض واستعداده لترأس هذه العملية، ولكن رفضه المضي على خطى شارون وإخراج اليهود من إسرائيل التوراتية قصرًا: بإمكانه العيش مع بناء تدريجي للدولة الفلسطينية ودخول كتب التاريخ باعتباره القائد الذي أنهى الصراع. ولكن إخراج اليهود من منازلهم؟ هذا لن يحدث خلال فترته. فليبقو هناك إذا أرادوا ذلك. وإذا كان يجب إخراجهم، فليقم شخص آخر بذلك.

ومن الممكن أيضًا أن تصريحاته في دافوس- “لا أنوي أن إزالة مستوطنة واحدة، [و]لا أنوي تهجير إسرائيلي واحد- اعتبرت غير مرنة حتى من قبل الأمريكيين مما أضطره لإظهار أرضية واضحة لاستيعاب حل الدولتين: لا، لن يقوم باقتلاع المستوطنات، ولكن هذا لا يعني أنه لن يكون هناك حل دولتين.

مرة أخرى إذا أراد بذلك أم يبدو مرنًا فالنتيجة كانت عكسية.

بالتالي فنتنياهو لم يعد إلى نقطة البداية- حيث نظر إليه على نطاق واسع في العالم على أنه لاعب مركزي في عرقلة عملية السلام- ولكن ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث ينظر إليه بأنه يحاول وضع عقبة أخرى في طريق الدولة الفلسطينية، وجعل كل من الفلسطينيين والمستوطنين أكثر غضبًا منه وأقل ثقة به.