أ ف ب – يرى محللون ان تراجع نفوذ الولايات المتحدة وفشل مساعي وزير الخارجية الاميركي جون كيري في احلال السلام في الشرق الاوسط يؤثران على الجهود من اجل التهدئة في غزة، الا ان الولايات المتحدة تظل القوة العظمى الوحيدة القادرة على التوصل لاتفاق من اجل وقف المعارك.

ويقول الخبراء انه في ظل فراغ السلطة في الدول العربية بسبب المشاكل السياسية الداخلية في مصر، يبقى التوصل الى اي اتفاق لوقف اطلاق النار بين اسرائيل وحركة المقاومة الاسلامية (حماس) بعيدا لايام اذ يرفض الطرفان تقديم تنازلات.

وتشن اسرائيل منذ الثامن من تموز/يوليو هجوما عسكريا على قطاع غزة اسفر حتى الان عن سقوط 1110 قتلى فلسطينيين غالبيتهم العظمى من المدنيين. في المقابل قتل 53 جنديا اسرائيليا في اكبر حصيلة منذ الحرب على حزب الله اللبناني في العام 2006.

وتعرض كيري لحملة انتقادات شديدة من قبل الصحف الاسرائيلية الاثنين وذلك بعد ساعات فقط على عودته من مهمة استمرت اسبوعا كاملا في الشرق الاوسط ولم يتوصل خلالها سوى الى تهدئة لمدة 12 ساعة رغم الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي بذلها.

وصرح كيري الثلاثاء ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو طلب من جديد مساعدة واشنطن في محاولة التوسط في وقف اطلاق النار في قطاع غزة.

وتابع “الليلة الماضية تحدثنا، وحدثني رئيس الوزراء (نتانياهو) عن فكرة واحتمال لوقف اطلاق النار. واثار تلك المسالة معي كما فعل باستمرار”، مضيفا ان نتانياهو قال انه “سيتبنى وقفا لاطلاق النار يتيح لاسرائيل حماية نفسها في مواجهة الانفاق، وان لا تتضرر بعد التضحيات الكبيرة التي قدمتها حتى الان”.

ورفض كيري هجوم الصحافة الاسرائيلية عليه منذ فشل وساطته في التوصل الى وقف لاطلاق النار طوال اسبوع الاسبوع الماضي. وقال “لقد تعرضت للانتقادات من قبل في عالم السياسة، ولذلك فانا لست قلقا بشانها (الانتقادات). الامر لا يتعلق بي، بل يتعلق باسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها”.

واكد كيري “نحن نعمل بشكل وثيق مع اصدقائنا الاسرائيليين لكي نتمكن من ايجاد سبيل لخفض اعداد الضحايا من المدنيين ولمنع الوضع من التدهور الى مكان يجعل من الصعب على الجانبين ايجاد طريق الى الامام”.

وشدد كيري وفريقه على انهم يواصلون المساعي. لكن وبما ان هذه الجهود تاثرت بحالات من “سوء التفاهم” على حد تعبيره، يبدو انهم خفضوا سقف الآمال في تهدئة لمدة سبعة ايام لافساح المجال امام مفاوضات اوسع نطاقا، الى وقف اطلاق نار انساني لمدة 24 ساعة فقط لايصال الادوية والمواد الاولية الى قطاع غزة.

وقال كيري انه اذا تم التوصل الى اتفاق لاجراء مفاوضات جديدة حول قضايا اوسع، تريد اسرائيل وحماس معالجتها، فانها ستجري في القاهرة “وستكون باكملها دون اية شروط مسبقة ولن تعرقل قدرة اسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

واضاف انه “من المناسب اكثر محاولة حل القضايا على طاولة المفاوضات بدلا من مواصلة العنف والعنف المضاد .. ما سيجعل من الاكثر صعوبة الخروج من الوضع”. وقال ارون ديفيد ميلر الدبلوماسي الاميركي السابق والخبير في شؤون السلام في الشرق الاوسط “اعتقد ان امامنا ايام عدة على هذا النحو. وباستثناء اي تغيير جذري فان ايا من الفريقين ليس لديه الرغبة او القدرة على التراجع”.

وردت الولايات المتحدة على الصحف الاسرائيلية التي وصفت كيري ب”الهاوي الذي يعتقد ان بامكانه حل مشاكل العالم بمجرد حضوره الشخصي”.

واكد نائب مستشار الامن القومي توني بلينكن “اريد ان اقول الاتي حول كيري: ليس هناك صديق افضل منه لاسرائيل او مدافعا اكبر عنها. لا احد بذل جهودا كهذه لمساعدة اسرائيل على تحقيق سلام دائم وامن”.

كما المحت واشنطن الى حملة تخريب متعمدة لجهود كيري بعد تسريب مسودة سرية ل”ورقة مفاوضات” تحتوي على افكار من اجل وقف اطلاق النار الى الصحف الاسرائيلي. وقال بلينكن ان تسريب الوثيقة كان “محاولة للتضليل او كان عملا من طرف تعرض للتضليل”.

الا ان السياسة الاميركية في الشرق الاوسط تاثرت طيلة سنوات بالاعتقاد ان واشنطن تبتعد عن بذل جهود جدية لاحلال السلام، وتضررت بشكل اكبر بالانطباع بان الادارة الاميركية الحالية اساءت التعاطي مع الازمة في سوريا بما في ذلك التراجع عن التهديد بشن ضربة لمخزون النظام من الاسلحة الكيميائية.

وقال ميلر “المرة الاخيرة التي كانت هناك فيها سياسة فعالة في المنطقة تثير الاعجاب والخوف والاحترام كانت ابان الرئيس الاسبق جورج بوش الاب ووزير خارجيته جيمس بيكر، لكن ذلك كان منذ زمن بعيد”.

واضاف ميلر لوكالة فرانس برس “لكن اذا اراد الاسرائيليون تحقيق ما يقولون انهم يريدون تحقيقه اي نزع الاسلحة فهناك قوة وحيدة القادرة على القيام بذلك كما كان الحال عند الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا حول الاسلحة الكيميائية في سوريا”.

وتابع “لدينا ليس فقط تاثير على الاسرائيليين اذا شئنا استخدامه، بل ايضا دعم لا يستهان به في المنطقة”.

واعتبر الخبير حسين ايبش ان واشنطن “في موقع فريد” في مساعيها لاحضار كل الاطراف الى طاولة الحوار مع انها مضطرة للمرور بقطر وتركيا من اجل التاثير على حماس التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة ارهابية.

وقال ايبش المسؤول الكبير في قوة التدخل الاميركية حول فلسطين “ربما يكون نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة قد تراجع بعض الشيء مقارنة بالسنوات الثلاثين الاخيرة تقريبا منذ نهاية الحرب الباردة بسبب الانطباع بين حلفاء واشنطن بتراجع زخم سياستها (…) لكنني اعتقد انه حكم مسبق بعض الشيء”.

واضاف “على الرغم من رغبة عدد كبير من المسؤولين في واشنطن بالتركيز بشكل اقل على الشرق الاوسط، لكن ذلك ليس ممكنا فعلا. ربما قد يروق للبعض لكن لا يمكن القيام بذلك”.

وقال بعض الخبراء ان ايا من الاسرائيليين او الفلسطينيين لم يبد متحمسا لجهود كيري بعد فشل محاولته الاخيرة للتوصل الى اتفاق سلام شامل بشكل ذريع في نيسان/ابريل.

وقالت ميشال دان المسؤولة في معهد كارنيغي من اجل السلام الدولي ان “الناس كانوا لبقين خلال اجتماعهم بكيري لكنهم ليسوا متحمسين لمساعدته”. واضافت ان “جهود السلام السابقة لم تحظ بترحيب كبير ولم يحصل كيري على التعاون المطلوب”.

وقال ايبش ان مساعي كيري من اجل السلام في الشرق الاوسط اضرت به “لان الناس اعتادوا على فكرة انه سيحاول امرا ولن ينجح وانه بالامكان ان نقول +لا+ لكيري ومن خلاله الى الرئيس الاميركي باراك اوباما”.

والعامل الاخر وراء هذا الحائط المسدود هو عدم استعداد حماس او اسرائيل لوقف اطلاق النار.

فاسرائيل لا تزال تريد تدمير المزيد من الانفاق في غزة بينما تشعر حماس “بانها حققت مكاسب مهمة مع ان قوتها تاثرت الى حد كبير، وهي متورطة بعمق”، بحسب ميلر.

وختم ميلر بالقول “عليها ان تعطي تفسيرا لتبرير القتل والتدمير الذي ساهمت مقاومتها بالتسبب به”.