قبل أقل من شهر، في 15 سبتمبر، تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن مزايا اتفاق دفاع مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي تعهد بالدفع به بعد الإنتخابات.

وصرح نتنياهو: “هذا أمر تاريخي لأنه يضيف عنصرا قويا للردع ضد أعدائنا”.

ويا للفرق الذي تحدثه أسابيع قليلة.

يوم الخميس، متحدثا في مراسم تذكارية لضحايا حرب “يوم الغفران” عام 1973، حرص نتنياهو على التأكيد على أن إسرائيل لا تحتاج لمساعدة أي دولة لضمان أمنها.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مراسم تذكارية في جبل هرتسل في القدس لقتلى حرب ’يوم الغفران’، 10 أكتوبر، 2019. (Flash90)

وقال نتنياهو: “كما في عام 1973، نقدّر اليوم أيضا دعم الولايات المتحدة المهم للغاية، الذي ازداد بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وكذلك الضغط الاقتصادي الكبير الذي تستخدمه الولايات المتحدة على إيران. ومع ذلك، سنتذكر وسننفذ دائما القاعدة الأساسية التي توجهنا: إسرائيل ستحمي نفسها بنفسها ضد أي تهديد”.

نتنياهو لم يذكر ذلك صراحة، ولكن تصريحاته فُهمت على نطاق واسع بأنها رد على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا.

أشارت تقارير إلى أن إعلان ترامب المفاجئ صدم المسؤولين الإسرائيليين وأثار قلقهم. الخطوة لا تعني أن الأكراد تُركوا بلا حماية في مواجهة الهجوم العسكري التركي فحسب، كما يرى هؤلاء المسؤولون، بل أسوأ من ذلك. سيخلق الانسحاب الأمريكي فراغا سيملأه على الأرجح تنظيم “الدولة الإسلامية” وقوات جهادية أخرى، وسيجعل من إيران وسوريا وروسيا أكثر جرأة.

دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل في فترة الرئيس باراك أوباما وحاليا أستاذ زائر في معهد الدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب، كتب في تغريدة على تويتر: “يشعر الإسرائيليون بقلق عميق من قرار ترامب التخلي عن شركائنا الأكراد السوريين لتوغل تركي… ولكن الأمر أسوأ من ذلك”.

الرئيس الإيراني حسن روحاني، يسار، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وسط، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في صورة مشتركة قبيل لقاء ثلاثاء حول الشأن السوري، في أنقرة، 16 سبتمبر، 2019. (Umit BEKTAS/POOL/AFP)

وتابع شابيرو أن التكاليف المترتبة على المصالح الأمريكية والإسرائيلية واضحة، من بينها التخلي عن شريك سني معتدل – المقاتلون الأكراد في “قوات سوريا الديمقراطية”؛ الانتصارات التي تم تسليمها لأنقرة ودمشق وموسكو وطهران؛ واحتمال إحياء “الدولة الإسلامية” من جديد.

وأضاف شابيرو: “وبالطبع، فإن الانطباع في المنطقة أن الولايات المتحدة لن تقف مع حلفائها مع تنامي العدوان الإيراني تجاه شركائنا في الخليج وتجاه إسرائيل من جبهات متعددة”.

وذكرت تقارير أن القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من انسحاب ترامب من سوريا، ولكن أيضا من ميوله الانعزالية بشكل عام.

الرئيس الأمريكي دونالت ترامب يتحدث مع الصحافيين قبل مغادرته للبيت الأبيض في واشنطن إلى فلوريدا، 3 أكتوبر، 2019. (Jim Watson/AFP)

هذا الأسبوع كتب ترامب في تغريدة “القتال بين الجماعات المختلفة مستمر منذ مئات السنين. ما كان ينبغي أبدا أن تكون الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، وأضاف أن “الحروب الغبية التي لا نهاية لها انتهت بالنسبة لنا!”

الأمر الأكثر إثارة للقلق، من منظور إسرائيلي، هو عدم الرغبة الواضحة للرئيس الأمريكي في استخدام القوة العسكرية للرد على هجمات على أصول أمريكية أو حلفاء أمريكا في المنطقة. فهو لم يرد عسكريا عندما أسقط الإيرانيون طائرة مسيرة أمريكية باهظة الثمن، ولم يفعل ذلك أيضا بعد تعرض منشىأة نفط سعودية هامة لهجوم بطائرات مسيرة وصواريخ كروز في 15 سبتمبر – في هجوم نسبه الكثيرون لإيران.

يقول تشاك فريليك، وهو نائب سابق لمستشار الأمن القومي وأستاذ في جامعتي تل أبيب وكولومبيا، “ينبغي على إسرائيل أن تشعر بالقلق”.

وأضاف: “ليس فقط بشأن انسحاب ترامب من سوريا، الذي هو بالطبع أمر في غاية الأهمية من وجهة نظر إسرائيل”، مشيرا إلى دور القوات الأمريكية في منع خط إيراني غير منقطع من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط.

نائب مستشار الأمن القومي السابق تشاك فريليك. (Courtesy)

أبدى فريليك قلقا أكبر بشأن مسألة ما إذا كان ترامب لا يزال حليفا يمكن الوثوق به لإسرائيل، وقال “بعد كل شيء، فإن سياساته في الشرق الأوسط تفشل من كل النواحي”.

واستطرد فريليك قائلا إن أي إدارة أمريكية أخرى كانت سترد على التعبيرات المختلفة للعدوان الإيراني بإعلان الحرب، “لكن ترامب، ب’حكمته التي لا تضاهى’، لا يحرك ساكنا”.

توماس فريدمان، الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، توقع أن انسحاب ترامب من سوريا “سيجعل الشرق الأوسط أكثر تفجرا”. فلقد كانت القوات الأمريكية هناك تقوم بإحباط محاولة طهران إنشاء جسر بري “لتشديد الخناق حول إسرائيل – وانسحابها يمكن أن يساهم في إخراح الحرب الخفية بين إيران وإسرائيل إلى العلن”، كما كتب يوم الثلاثاء، وأضاف “هذا حدث كبير بالفعل في الشرق الأوسط اليوم”.

ولكن لا يشعر الجميع  بالقلق إزاء خروج ترامب الواضح من الشرق الأوسط. مستشار الأمن القومي الأسبق، الميجر جنرال (احتياط) يعقوب عميدرور، على سبيل المثال، يرى بأنه لن يكون هناك تغيير كبير، من الناحية الأمنية، بالنسبة لأمن الدولة اليهودية.

مستشار الأمن القومي سابقا، يعقوب عميدرور. (Flash90)

وقال لتايمز أوف إسرائيل في مقابلة أجريت معه الخميس “لا أعتقد أن هناك ما يدعو للقلق بالنسبة لإسرائيل. هناك مجموعات إقليمية مثل الأكراد بحاجة إلى الولايات المتحدة لحمايتها. اتخذت إسرائيل، عند تأسيسها، قرارا بعدم الاعتماد على أي كان من أجل أمنها. كان لدينا دائما شعار صارم: إسرائيل ستدافع عن نفسها بنفسها. وما زلنا جادين للغاية بشأنه؛ ولكننا لا نقول ذلك”.

ليس من السهل دائما تنفيذ إصرار إسرائيل على أن تكون دائما قادرة على توفير أمنها الخاص بها، فإن ذلك يتطلب تجنيدا إلزاميا وموارد مالية هائلة، كما يشير عميدور، الذي عمل مستشارا أمنيا لنتنياهو في الفترة 2011-2013. من ناحية أخرى ، يضع ذلك الدولة اليهودية في مستوى مختلف عن العديد من الدول الأوروبية والسعودية وبالطبع الأكراد، الذين يعتمدون جميعا على أمريكا لضمان سلامتهم.

لا شك في أن القدس تحتاج إلى دعم واشنطن في المجال الدبلوماسي، والدعم المالي الأمريكي والتعاون التكنولوجي أمر بالغ الأهمية، “لكن من الواضح أننا لسنا بحاجة إلى جنود أمريكيين هنا للدفاع عن أنفسنا”.

وأقر عميدرور، وهو اليوم زميل في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، بأن الخطوات الأخيرة التي اتخذها ترامب، أو عدم اتخاذه لخطوات، يوضح للمنطقة بكاملها “أن الأمريكيين قد خرجوا”، وهذه بالطبع أنباء سارة للإيرانيين والسوريين والأتراك والروس، كما أضاف.

غارة جوية إسرائيلية تضرب أهدافا عسكرية سوري، 1 يونيو، 2019. (Israel Defense Forces)

وقال: “إنه لأمر سيء للغاية بالنسبة للبلدان التي لديها علاقات طيبة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إسرائيل”، واستطرد قائلا: “ليس لأنه لا يمكننا الدفاع عن أنفسنا، وإنما لأننا ندرك أن الشرق الأوسط من الآن فصاعدا [سيكون عليه أن يتدبر أموره] من دون نفوذ الأمريكيين، أو مع تأثير أقل منهم”.

وأكد عميدرور على أن الولايات المتحدة ستواصل بالطبع ممارسة الضغط الاقتصادي، بما في ذلك العقوبات الخانقة على إيران.

وقال عميدرور “بحسب تقارير أجنبية، ضربنا في سوريا أكثر من 200 مرة. الولايات المتحدة لم تضرب الإيرانيين ولا مرة. وبالتالي، الأمر يتعلق بنا وليس بهم. لطالما قمنا بمهمة محاربة الإيرانيين ونفوذهم. إن قدرتنا على الاستمرار في القيام بذلك لن تكون محدودة بمجرد خروج الأمريكيين”.

وأضاف قائلا “لقد تعاملنا مع العدوان الإيراني حتى الآن بدون الأمريكيين، عندما كانوا لا يزالون في الشرق الأوسط. الآن نحن لوحدنا في هذه ’الحرب بين الحروب’، كما نسميها. حقيقة أنهم يقومون بالانسحاب لا تعني أي تغيير كبير. المسألة هي مسألة نفسية أكثر”.