من المقرر أن يجتمع مسؤولون إسرائيليون ولبنانيون صباح الأربعاء في نفس الغرفة – أو الخيمة، على وجه الدقة – لإجراء مفاوضات غير مباشرة حول الحدود البحرية فيما وصف بأنه إنجاز “تاريخي” مع احتمال تحقيق المزيد من الاستقرار والازدهار في المنطقة.

ومع ذلك، شدد البلدان على أن المحادثات تهدف فقط إلى حل نزاع جاري منذ عقد من الزمان حول التحديد الدقيق للمياه الإقليمية لكل منهما ولا تنذر بمفاوضات سلام أو عملية تطبيع.

ومن المقرر أن تبدأ المحادثات، التي تستضيفها الأمم المتحدة بوساطة الولايات المتحدة، الساعة العاشرة صباحا بالتوقيت المحلي في خيمة مفتوحة كبيرة في مقر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الناقورة، على بعد حوالي 200 متر شمال الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

وقال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس يوم الإثنين إن التوقعات بشأن المفاوضات “يجب أن تكون واقعية. نحن لا نتحدث عن محادثات سلام أو مفاوضات حول التطبيع، بل عن محاولة حل مشكلة تقنية اقتصادية تمنعنا منذ عقد من تطوير الموارد الطبيعية في البحر لصالح شعوب المنطقة”.

وأضاف شتاينتس أن المحادثات تهدف إلى حل “مشكلة محددة ومحدودة فيما يتعلق بالمياه الإقليمية”.

وستشهد المحادثات حديث الوفد اللبناني مع الإسرائيليين من خلال مسؤولين من الأمم المتحدة والولايات المتحدة. ولا يعتزم المفاوضون اللبنانيون التحدث مباشرة مع نظرائهم الإسرائيليين على الرغم من أن الطرفين سيجلسان تحت سقف واحد، بحسب تقرير الأسبوع الماضي.

وقال مسؤولون أمريكيون إن المحادثات بين إسرائيل ولبنان على الحدود البرية ستجرى على “مسار منفصل”.

وأكد المسؤولون الإسرائيليون أن المحادثات لا ينبغي بأي حال من الأحوال اعتبارها بداية لعملية تطبيع مماثلة لتلك التي مع الإمارات أو البحرين.

وقال مسؤول كبير في وزارة الطاقة يوم الثلاثاء إن الخلاف بين البلدين صغير، معربا عن تفاؤل حذر بشأن تسويته بسرعة.

وزير الطاقة يوفال شتاينتس في مؤتمر في تل أبيب، 27 فبراير، 2019. (Flash90)

وقال المسؤول لصحافيين في إفادة، متحدثا شريطة عدم الكشف عن اسمه: “إذا جاء الطرف الآخر إلى المحادثات بنهج عملي، فأنا آمل أن نتمكن من حل الخلاف والمضي قدما في غضون فترة قصيرة من الزمن – أسابيع، أشهر”.

وأضاف ساخرا: “بالطبع، إذا جاءت الأطراف الأخرى بنية تحقيق نصر آخر على ’العدو الصهيوني’، فيمكنها الاستمرار في الاحتفال بالانتصارات مثلما فعلت على مدار السنوات العشر الماضية”، مضيفا أن الخلاف اللبناني-الإسرائيلي الحالي حول الترسيم الدقيق للحدود البحرية مستمر منذ عقد.

وقال المسؤول: “المسألة مهمة بالنسبة لنا، وحتى أنها أكثر أهمية للطرف الآخر. لدينا بالفعل احتياطات غاز [طبيعي] توفر احتياجاتنا المحلية. لم نعد نستورد النفط الخام والغاز ووقود الديزل لمحطات الطاقة لدينا. كل شيء تقريبا عبارة عن غاز طبيعي”.

وأضاف أن إسرائيل تقوم بالفعل بتصدير الغاز إلى الأردن ومصر. من ناحية أخرى، تشتري لبنان وقود الديزل والكيروسين من الخارج بمليارات الدولارات كل عام لمحطاتها الكهربائية، وبالتالي، كما قال المسؤول، فإن من مصلحة بيروت أن تأتي إلى المحادثات بأسلوب عملي خشية أن يمر عقد آخر من الزمن قبل أن يبدأ الجانبان في استكشاف احتياطات نفط طبيعية إضافية في المنطقة.

قافلة من قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسيّر دوريات بالقرب من الناقورة، في لبنان بالقرب من حدودها مع إسرائيل، قبل مفاوضات بين البلدين في المنطقة ، 13 أكتوبر 2020 (Mahmoud Zayyat/AFP)

وتأتي محادثات الأربعاء في الوقت الذي تمر فيه لبنان بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية منذ عقود، يضاف إليها انفجار قاتل هز مرفأ بيروت في شهر أغسطس. وتأمل لبنان أن تساعدها اكتشافات النفط والغاز الطبيعي في مياهها الإقليمية على سداد ديونها الهائلة.

بدأت لبنان التنقيب البحري في وقت سابق من هذا العام ومن المتوقع أن تبدأ التنقيب عن الغاز في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل في الأشهر المقبلة.

كما بدا أن الرئيس اللبناني ميشيل عون يستبعد هو أيضا أي فرصة في أن تؤدي المحادثات إلى التطبيع مع إسرائيل.

وذكرت “الوكالة الوطنية للإعلام” الرسمية اللبنانية الثلاثاء أن الرئيس عون شدد على أن “هذه المفاوضات تقنية ومحددة بترسيم الحدود البحرية، وان البحث يجب أن ينحصر في هذه المسألة تحديدا”، وذلك بعد أن التقى عون بالوفد اللبناني في المحادثات.

وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن المحادثات في الأول من أكتوبر، ووصفها بأنها “تاريخية”.

وقال في ذلك الوقت إن موافقة كل من القدس وبيروت على الجلوس للمفاوضات من شأنه أن “يؤدي إلى مزيد من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء”، مضيفا أن “إعلان اليوم هو خطوة حيوية إلى الأمام تخدم مصالح لبنان وإسرائيل والمنطقة والولايات المتحدة”.

واجتماع الأربعاء يمثل المرة الأولى في أكثر من 30 عاما “منذ إجراء أي مفاوضات ذات مغزى بين لبنان وإسرائيل”، وفقا لما ذكره آلان بيكر، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية الذي يترأس “معهد الشؤون المعاصرة” في “مركز القدس للشؤون العامة”.

وكتب بيكر في مقالة أصدرها المركز: “تهدف المفاوضات إلى تغطية منطقة متنازع عليها تبلغ مساحتها 330 ميلا مربعا (860 كيلومترا مربعا) تمتد عبر منطقة الحدود البحرية بينهما في شرق البحر المتوسط، الغني بحقول الغاز الطبيعي”.

“يدعي كلا البلدين أن المنطقة المعنية تقع ضمن ’منطقتهما الاقتصادية الخالصة’ و ’الجرف القاري’، وهما منطقتان نظريتان بطول 200 ميل بحري قبالة سواحلهما وفيهما، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، تتمتع الدول الساحلية بحقوق حصرية لاستغلال الموارد الطبيعية والاستفادة منها”.

وسيرأس الاجتماع مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر. ولقد قام شنكر برحلات مكوكية بين البلدين في الأشهر الأخيرة في محاولة للتوصل إلى اتفاق حيث فشلت الإدارات السابقة.

وسيلعب السفير الأمريكي في الجزائر جون ديسروشر دور الوسيط الأمريكي لهذه المفاوضات التي يستضيفها منسق الأمم المتحدة الخاص للبنان يان كوبيس.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان يوم الثلاثاء إن “الاتفاق الإطاري لبدء المناقشات حول الحدود البحرية هو خطوة حيوية إلى الأمام توفر إمكانية تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء”.

يوم الإثنين، قال مكتب عون أن الوفد اللبناني المكون من أربعة أعضاء سيرأسه العميد في سلاح الجو اللواء بسام ياسين، والأعضاء الثلاثة الآخرون هم العقيد البحري مازن بصبوص والمسؤول النفطي اللبناني وسام شباط وخبير الحدود نجيب مسيحي.

أودي أديري (Screen capture: YouTube)

وسيرأس الوفد الإسرائيلي أودي أديري، مدير عام وزارة الطاقة وسيرافقه رئيس مكتب شتاينتس، مور حالوتس، ومستشار الوزير للشؤون الدولية أفيف عياش. وسيحضر المحادثات أيضا نائب مستشار الأمن القومي رؤوفين عازار، ونائب مدير عام وزارة الخارجية للأمم المتحدة والمنظمات الدولية ألون بار، كما سيحضر المحادثات البريغادير جنرال أورين ستير، رئيس الشعبة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي.

في الأسبوع الماضي، قالت منظمة “حزب الله” اللبنانية المدعومة من إيران إن المحادثات لا تعني التطبيع أو مفاوضات سلام مع الدولة اليهودية.

وقالت “كتلة الوفاء للمقاومة”، الجناح السياسي للمنظمة، في بيان: “على الرغم من كل الحديث الذي يدور، فإت إطار المفاوضات يتعامل مع حدودنا البحرية الجنوبية واستعادة أراضينا، لترسيم سيادتنا الوطنية”.

وأضافت المنظمة “لا علاقة لذلك مطلقا بـ’المصالحة’ مع العدو الصهيوني الجشع، ولا بالتطبيع الذي تبنته بعض الدول العربية”، في إشارة إلى الاتفاقين الأخيرين اللذين توصلت إليهما إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين.

ورفض حزب الله وحركة أمل الشيعية المتحالفة معه فجر الأربعاء مرة أخرى المحادثات، قائلين في بيان مشترك إن ضم ممثلين مدنيين إلى الوفد اللبناني يضر بمصالح البلاد وينتهك قرارا حكوميا سابقا.

وجاء في البيان أن “ما حصل مع الوفد يشكل تجاوزا لكل عناصر القوة لبلدنا، وضربة قوية لدوره ولمقاومته وموقعه العربي”.

خط عوامات وضعته إسرائيل بالقرب من الحدود البحرية اللبنانية-الإسرائيلية، غير معترف بها من قبل لبنان والأمم المتحدة، كما تظهر من بلدة الناقورة الساحلية الجنوبية، لبنان، 23 يوليو، 2010. (AP Photo / Mohammed Zaatari)

واعتبرت صحيفة “الأخبار”، المقربة من حزب الله، يوم الإثنين في ملف خصّصته للمفاوضات أن “قرار التفاوض غير المباشر مع العدو يمثل لحظة ضعف سياسية لبنانية غير مسبوقة”. ورأت أن إسرائيل تبدو “المستفيدة” الحقيقية.

لا توجد علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ولبنان وغالبا ما يقال إنهما لا يزالان من الناحية التقنية في حالة حرب.

وكتب بيكر، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية، “ومع ذلك، فإن التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين يبدو وكأنه يلقي بظلال من الشك حول ما إذا كانت حالة حرب رسمية، مع كل ما يوحي به ذلك، موجودة وذات صلة بالفعل”.

ساهم في هذا التقرير آرون بوكسرمان ووكالات.