نيويورك ـ منذ بضع سنوات فقط، كان بيتر مولرين يدافع عن إسرائيل في واحدة من أكثر البيئات الدبلوماسية المعادية للدولة اليهودية.

في عام 2013، بصفته نائب سفير الولايات المتحدة لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، أشاد بإسرائيل “لالتزامها القوي وسجلها الحافل في دعم حقوق الإنسان والحريات السياسية والمدنية”.

اليوم، مولرين هو مسؤول كبير في الأونروا، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والتي يمكن القول إنها المنظمة الأكثر كرها في إسرائيل ومنظمة التي وصفتها حكومة الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأنها “معيبة بشكل لا يمكن إصلاحه”.

من مكتبه مقابل مقر الأمم المتحدة في خليج ترتل في منهاتن في نيويورك، يروج مولريان للوكالة على أكبر مسرح دولي في العالم.

ينتقد مدير مكتب تمثيل الأونروا في نيويورك التقليصات الأخيرة في الميزانية من قبل الإدارة الأمريكية ويرفض بشغف الحجة التي غالبا ما تقول بأن الوكالة تديم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتقف في طريق الحل الواقعي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

بيتر مولرين، مدير مكتب تمثيل الأونروا في نيويورك، في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، 28 سبتمبر 2018 (Raphael Ahren/TOI)

لكنه لا يزال يؤمن بالأمور الجيدة التي كان يقولها عن إسرائيل خلال منصبه السابق.

“في كلتا الحالتين، كنت أقوم بعملي. لقد كنت دائما مؤمنا راسخا بالسياسات التي كنت أنفذها”، قال للتايمز أوف إسرائيل خلال مقابلة أجريت مؤخرا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

قال مولرين، الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في هايتي قبل أن يغادر الخدمة الخارجية العام الماضي بعد ثلاثة عقود، أنه “في مناسبات عديدة دافعت عن إسرائيل حول قضايا مختلفة”. على سبيل المثال، قال أنه قدم إنضمام إسرائيل إلى مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى في مجلس حقوق الإنسان في عام 2013.

“الأمر ليس كل شيء أو لا شيء. زرت إسرائيل مرات عديدة. إسرائيل بلد ساحر. لديها العديد من السمات الديناميكية للديمقراطية المهمة، ونود أن نرى إسرائيل تنجح”.

ولكن في الوقت نفسه، أضاف: “نود أيضا أن نرى مكانا للاجئين الفلسطينيين الذين ما زالوا لاجئين كل هذا الوقت. كما كنت أؤمن بالعمل الذي كنت أفعله حينها، أؤمن بالعمل الذي أقوم به الآن. أعتقد أنه هدف مهم”.

هناك حاليا خمسة ملايين لاجئ فلسطيني “في وضع صعب للغاية”، تابع مولرين، مستخدما احصاءات الأونروا. (في حالة استخدام الوكالة للمعايير التي تستخدمها هيئة اللاجئين الرئيسية في الأمم المتحدة، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، للاجئين الآخرين في جميع أنحاء العالم، يقدر أن العدد الإجمالي سيكون أكثر بقليل من نصف مليون شخص).

نريد أن نرى هؤلاء الناس يستمرون أيضا. لسنا منظمة سياسية، وليس لدينا رأي حول ماذا يجب أن يكون الحل. لكننا نأمل أن يكون هناك حل سياسي حتى يتسنى للإسرائيليين والفلسطينيين أن ينسجموا بسلام ويواصلوا حياتهم.

ملف – في 31  يناير 2014، تظهر صورة الملف الصادرة عن الأونروا، سكان مخيم اليرموك الفلسطيني المحاصر، يصطفون للحصول على الإمدادات الغذائية، في دمشق، سوريا (UNRWA via AP, File)

وبطبيعة الحال، كان مولرين مستاءا من القرار الأمريكي في أواخر أغسطس الماضي بسحب كل تمويل الأونروا، عندما قامت واشنطن بتوبيخ عمله على أنه ” يتوسع بشكل كبير ولا نهاية له كمستفيد مستحق” في حين أن نموذج العمل فيه ببساطة “الغير قابل للاستدامة”.

وأضاف أن التقليصات الأمريكية “جاءت فجأة إلى حد كبير”، مشيرا إلى أن كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية أعربوا عن “ارتياحهم” للوكالة في الاجتماعات التي عقدت في واشنطن قبل أشهر فقط.

في الواقع، في 7 ديسمبر 2017، وقعت الأونروا والولايات المتحدة اتفاقية تعاون جديدة، حيث قالت الإدارة إنها “ملتزمة بمواصلة شراكتها مع الأونروا لمساعدة اللاجئين المسجلين لدى الأونروا والأشخاص الآخرين الذين يقعون تحت ولاية الأونروا حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل ودائم وتنتهي ولاية الأونروا”.

بعد بضعة أسابيع، أعلنت الإدارة أنها ستقدم 60 مليون دولار فقط إلى الوكالة في عام 2018، أي أقل بمقدار 300 مليون دولار عما كانت تقدمه في السنوات السابقة.

ثم في 31 أغسطس من هذا العام، أعلنت وزارة الخارجية أنها “لم تعد راغبة في تحمل الجزء الأكبر من عبء تكاليف الأونروا التي كنا نتوقعها لسنوات عديدة”.

“لا يمكننا إلا أن نفترض أنه لأسباب سياسية أن الولايات المتحدة قطعت المساعدات إلى الأونروا”، قال مولرين، مشيرا إلى أن التخفيضات الحادة كانت مرتبطة بإعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 ديسمبر 2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل وما تلاه من سقوط بين واشنطن ورام الله”.

احتجاجات ضد الولايات المتحدة لحظرها 65 مليون دولار من برامج المساعدات الفلسطينية، أمام مكاتب الأونروا في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، 17 يناير 2018. (AP Photo / Adel Hana)

“ما علينا أن نستنتجه هو أنه كان قرارا سياسيا، وهو أمر مزعج للغاية لأن هذا تسييس للمساعدات الإنسانية”، كما قال.

“لم تكن الولايات المتحدة تقليديا فقط المساهم الأكثر سخاءا في المساعدات الإنسانية، ولكنها في الحقيقة واحدة من أكبر المدافعين عن المبادئ الإنسانية، أحدها هو أن تتخذ قراراتك على أساس الحاجة وليس على الأجندات السياسية”.

وخلال المقابلة، قال مولرين وهو أمريكي في الأصل من بوسطون، إن الأونروا منظمة إنسانية لا تتبنى أي آراء سياسية، ولا تتخذ أي موقف على الإطلاق فيما يجب أن تبدو عليه تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي الوقت نفسه، رفض بشدة ادعاءات يدلي بها مؤيدو إسرائيل في كثير من الأحيان، بأن الأونروا هي جزء من المشكلة لأنها تمنح وضع اللاجئ لأحفاد الفلسطينيين الذين غادروا منازلهم مباشرة بعد قيام إسرائيل.

بيتر مولرين يرحب بوزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري في جنيف، سويسرا، 21 يناير 2014 (AP Photo / Gary Cameron، Pool)

يجادل المنتقدون بأنه بدلا من محاولة إعادة توطين هؤلاء الأشخاص في بلدانهم المضيفة الحالية – حيث ولد معظم من هم على قيد الحياة الآن – تعمل الأونروا على إدامة الروح الفلسطينية المتمثلة في كونهم لاجئين سيعودون في يوم من الأيام إلى منازلهم في ما يعرف الآن بإسرائيل.

عند تفسير فكرة أنه إذا تبنت الأونروا نفس التعريفات التي تطبقها المفوضية العامة للاجئين في الأمم المتحدة، فإن ملايين الفلسطينيين سيخسرون مكانتهم كلاجئين، كان مولرين مترددا في مقارنة كيفية قيام وكالات الأمم المتحدة المختلفة بتحديد من يعتبر لاجئاً. لكنه اختلف بشدة مع الفرضية القائلة بأن الفلسطينيين يحصلون على معاملة استثنائية.

“يبدو أن هناك سوء فهم جسيم حول ما تفعله الأونروا من حيث منح وضع اللاجئ لأجيال، وما تفعله المفوضية العامة. لأن المفوضية تفعل الشيء نفسه بالضبط”، أصر مولرين. “هناك لاجئون أفغان، بمن فيهم الأطفال والأحفاد الذين حصلوا على وضع اللاجئ”.

وأضاف أنه في “الحالات التي طال أمدها” في جميع أنحاء العالم، تقوم المفوضية بتقليص وضع اللاجئين من جيل إلى جيل.

ومن جهته، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إنه لا يوجد فرق كبير بين الطريقة التي تعامل بها الأمم المتحدة اللاجئين من مناطق مختلفة. “إنها المعاملة في الأساس نفس الشيء”.

واعترف مولرين أن الأونروا، بشكل فريد، تتعامل مع مجموعة واحدة فقط من اللاجئين، في حين أن المفوضية مسؤولة عن جميع اللاجئين في العالم. يكمن سبب هذا الوضع الشاذ في حقيقة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1949 صوتت لصالح إنشاء الأونروا بهدف وحيد وهو مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، قبل تأسيس المفوضية العامة بعد عام للتعامل مع اللاجئين الآخرين، على حد قوله.

وأوضح مولرين أنه من المتوقع أن تعمل الأونروا “لفترة مؤقتة”، لكن الجمعية العامة جددت تفويضها كل ثلاث سنوات منذ ذلك الحين. يمكن إغلاق الوكالة أو دمجها مع المفوضية العامة فقط إذا وُجدت أغلبية لمثل هذا التحرك في الجمعية العامة.

طلاب مدارس لاجئين يحضرون حفل رسمي للعودة إلى المدرسة في إحدى مدارس الأونروا في مخيم الوحدات اللاجئين الفلسطينيين، في عمان، الأردن، 2 سبتمبر 2018. (AP Photo / Raad Adayleh)

وأضاف مولرين أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مستمر ليس بسبب تعريفات اللاجئين التابعة للأونروا، ولكن لأن القادة على كلا الجانبين لم يجدوا بعد حلا سياسيا.

“لا يعني ذلك أن اللاجئين يريدون أن يولدوا لاجئين، أو يريدون أن يبقوا لاجئين إلى الأبد. غياب الحل السياسي هو الذي يخلق ذلك”، قال.

مضيفا: “أنا أرفض تماما فكرة أن الأونروا هي التي تديم مشكلة اللاجئين. عدم وجود حل سياسي هو الذي يديم وضع اللاجئين. تم إنشاء الأونروا لتوفير الخدمات لهؤلاء اللاجئين حتى يتم إيجاد حل عادل ودائم لهم. هذا ما سنواصل فعله حتى تطلب الجمعية العامة منا القيام بخلاف ذلك”.