يوم الثلاثاء توقفت حافلات ممتلئة بالجنود من مدرسة قادة الفرق على شارع “عابر يهودا”. وترجل مئات الجنود الذين كانوا على متنها ببطء إلى الوديان الموجود شمالي الشارع، التابعة لقرية “بيت كاحل”، التي تقع شمال مدينة الخليل. بدأ قادة المستقبل، مع أسلحتهم والسترات الواقية (ارتدى جزء منهم سترات واقية قديمة قد لا تساعد في حالة وقوع مواجهة) بتمشيط دقيق للمنطقة. قامت أفواج وأفواج من الجنود بالتنقل بين البيوت، وإلقاء نظرة في الكهوف وآبار المياه وساحات البيوت.

صور حرب أخرى وهذه المرة أيضا، تماما مثل الأيام ال-11 السابقة، من دون نتيجة. في الليلة السابقة عثر الجنود في أحد البيوت على مجموعة قنابل يدوية وبندقية قناصة، ولكن لم يتم العثور على المختطفين أو الخاطفين. منطقة الخليل هي منطقة ضخمة، تكثر فيها الشقوق وأماكن الإختباء لدرجة يصعب فيها حتى على جيش كامل بتمشيط كل متر فيها، على إفتراض أن الخاطفين ما زالوا هناك أصلا. كان لديهم وقت كاف ليلة الإختطاف وعدد كاف من الوسائل للوصول إلى كل نقطة في الأراضي الفلسطينية أو داخل الخط الأخضر إذا أرادوا ذلك.

قبل أربع سنوات فقط، كشفت هنا قوات أمن السلطة الفلسطينية، عن بيت في حي “حارس” في الضواحي الشمالية لمدينة الخليل (الذي يكشف على الشارع الذي وقفت فيه الحافلات هذا الأسبوع)، خرج منه نفق يصل تقريبا إلى “عابر يهودا”. قامت حماس بحفر هذا النفق كما يبدو للقيام بهجمات على هذا المحور والهروب بعد ذلك. كان الإستنتاج من هذه الحالة، مثل الإستنتاج من عمليات التمشيط اللانهائية اليوم، أنه من دون معلومات دقيقة، عن مكان وجود المختطفين أو الخاطفين، سيكون من الصعب، وحتى من المستحيل العثور عليهم. من هنا وصل قادة الجيش الإسرائيلي إلى الإستنتاج بأنه يجب تقليص عمليات القوات على الأرض طالما لا توجد هناك معلومات دقيقة. ولكن هذا ليس السبب الوحيد. هذه “الحملة” ضد البنية التحتية لحماس، وصلت إلى نهايتها لأن المؤسسة العكسرية أدركت أيضا أنه وخاصة عشية رمضان (الذي سيبدأ يوم السبت)، فإن وجود كبير للجيش الإسرائيلي على الأرض أكثر من اللازم، لن يساعد في تحرير المختطفين أو بالعثور عليهم، بل سيتسبب بإثارة الغضب. قد يؤدي الإحباط في صفوف الجمهور الفلسطيني إلى مواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية أو كما رأينا في الأسبوع الماضي، في الإعتداء على مركز الشرطة الفلسطينية، وهو ما لا تريده إسرائيل أو السلطة الفلسطينية.

ومع ذلك كان لتقليص عدد القوات في الخليل تأثيره. ظهر يوم الثلاثاء بدت المدينة كمركز تسوق ضخم. حيث حول آلاف المتسوقين وسط الخليل إلى مصيدة إختناقات مرورية إستثنائية حتى بالنسبة لهذه المدينة المزدحمة. في عدة أماكن في الخليل كان بالإمكان رؤية لافتات حملة المعتقلين الإداريين المضربين عن الطعام، “ماء وملح”، وهو سبب الغليان رقم واحد في الأسابيع الأخيرة. ولكن في نفس الليلة وصلت الأنباء عن أن المعتقلين الإداريين قرروا وقف إضراب الطعام، من دون مقابل تقريبا. ببساطة، أدرك المضربون أن محاولتهم وقف الإعتقالات الإدارية و/أو وضع قضيتهم على الأجندة الفلسطينية والدولية قد فشلت فشلا ذريعا. من المفارقات أن السبب الذي منع نجاح إضراب الطعام الذي إستمر 63 يوما، هو “عملية التضامن” مع إضرابهم: إختطاف الفتيان الإسرائيليين الثلاثة. في ظل المونديال والإختطاف والإعتقالات الجماعية للفلسطينيين في شوارع الضفة وإقتراب رمضان، أدرك منظمو الإضراب أن لا أحد يهتم لأمرهم.

شكل رفع المعتقلين الإداريين الراية البيضاء إلى حد كبير فشلا لحماس. على مدى أسابيع قال مسؤولون في فتح والسلطة أن حماس هي من تقف وراء الإضراب وتحاول إستغلاله لإشعال الأراضي الفلسطيينة. من هنا أيضا أتت الشماتة التي أسمعها ممثلو فتح، عندما طُلب منهم التطرق إلى إنهاء الإضراب عن الطعام من دون نتائج. وبالفعل، تحولت عملية الإختطاف مثل الإضراب عن الطعام، إلى سلاح تستعمله المنظمة المنافسة. في الوقت الذي تقوم فيه حماس بالمبادرة بإضراب عن الطعام ومسيرات تضامن مع الأسرى، لم تترد السلطة بإستخدام القوة لتفريق هذه التظاهرات. في الوقت الذي تقوم فيه حماس بإختطاف ثلاثة فتيان في خطوة تهدف إلى زيادة الدعم للحركة، وبالأساس إلى إحراج رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن)، خرج الأخير بهجوم غير مسبوق ضد الخاطفين وهدد بمحاسبتهم عندما تعرف هويتهم. تحول التوافق الفلسطيني، الذي اعتُبر منذ فترة قصيرة فقط تهديدا وجوديا على دولة إسرائيل، أسوا من البرنامج النووي الإيراني، منذ عملية الإختطاف إلى فكرة غير واقعية آخذة بالإختفاء تدريجيا أمام أعين الفلسطينيين الحائرين في الضفة والقطاع.

تجدر الإشارة إلى ان عباس في موقفه الواضح ضد الإختطاف، نجح في كسر لامبالاة الجمهور الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين والسلطة. حيث ظهرت فجأة مقالات في الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن “القائد” عند الفلسطينيين وحتى عن أن هناك شريك لإسرائيل. ولكن عباس دفع وسيدفع ثمنا باهظا في الشارع الفلسطيني بسبب مواقفه غير الشعبيه هذه. تفقد السلطة الفلسطينية من قبضتها ومن شعبيتها في الشارع الفلسطيني، الذي لا يتردد بمهاجمة ممثليها، أفراد الشرطة الفلسطينية، في قلب المركز الحكومي، رام الله. وشعر أبو مازن شخصيا أيضا مدى وحدة القائد، كل قائد. لم يسارع أي مسؤول في فتح أو السلطة بالوقوف إلى جانبه. فجأة، امتنع أشخاص لا يتوقفون عادة عن الإدلاء بمقابلات لوسائل الإعلام، مثل كبير المفاوضين صائب عريقات، وصديقه السابق في فريق التفاوض محمد الشتية، وكثيرون غيرهم، عن التعليق واختفوا عن الساحة. لم يتجرأ أحدهم على أن ينطق بكلمة تنديد للإختطاف أو إشادة به أو أن يتحدث دفاعا عن الرئيس.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن تفكير هؤلاء المسؤولين موجود في مكان آخر في هذه المرحلة. من المتوقع أن يعقد بعد شهر ونصف “المؤتمر العام السابع” لفتح، والذي سيتم خلاله إختيار قيادة جديدة للحركة: “اللجنة المركزية” و”المجلس الثوري”. لا يريد أي أحد منهم في هذه المرحلة أن يظهر بشكل غير وطني بما فيه الكفاية، عن طريق إنتقاد عملية إختطاف إسرائيليين التي قد تنجح في إطلاق سراح أسرى فلسطينيين. في المؤتمر نفسه لن يشارك محمد دحلان ولا المقربين منه الذين تم إستبعادهم بسبب التوتر بينهم وبين أبو مازن. ومع ذلك، سيكون مثيرا للإهتمام رؤية من سينجح في الحصول على المركز الأول في “اللجنة المركزية” وأن يحصل على منصب الأمين العام للجنة. ظاهريا، لا توجد لهذا المنصب أهمية كبرى. ولكن عمليا فإن الشخص الذي سيتم إنتخابه لهذا المنصب قد يُعتبر أكثر الأشخاص شعبية في فتح بعد عباس، أو بكلمات أخرى، الوريث. حاليا يبدو ان مروان البرغوثي هو المرشح الأوفر حظا للفوز بعدد الأصوات الأكبر في التصويت للجنة المركزية. ولكن من الصعب حتى الآن رؤية أية “قائمة تصفيات” وأية تحالفات ستكون بين مسؤولي فتح. قد يحقق جبريل رجوب مفاجئة وكذلك أحد الأشخاص المخضرمين في الحركة، أحمد قريع (أبو علاء)، الذي لم ينجح في المؤتمر السابق بدخول اللجنة المركزية بسبب عملية تصفية سياسية له قام بها رجال أبو مازن.

الخاطفين وحماس
ليس من السهل أن تكون اليوم واحدا من مركزي الشاباك العاملين في الخليل. فعلى عاتقهم ملقاة مهمة العثور على المختطفين وخاطفيهم أو كما يحب الإعلام الإسرائيلي وصف ذلك، الوصول إلى “المعلومة الذهبية”. ولكن هذه مهمة إشكالية على اقل تقدير. قال لي مسؤول كبير سابق في أجهزة الأمن الفلسطينية هذا الأسبوع أنه عندما نجح رجاله في وقف خلايا كانت تخطط لخطف إسرائيليين وحققوا معم، تبين مدى سهولة إختفاء الخاطفين والمختطفين. أول ما تبين في التحقيق هو أن أعضاء هذه الخلايا (الجديون منهم) قد أعدوا مسبقا مكانا للإختباء. غالبا كان ذلك قبو أو نفق، مثل آلاف الشقوق التي بالإمكان العثور عليها تحت البيوت في الخليل. عام 2012 نجحت السلطة بالكشف عن مكان كهذا في قرية “عوريف”، كان مخطط هذه الخلية إحضار المختطف إلى هذا المكان واحتجازه لفترة طويلة. “في مكان كهذا هناك كهرباء، وربما تلفزيون وطبعا الكثير من الطعام والشراب. إن الخاطفين يحفرون ويختبئون والسؤال هو متى سيضطرون للخروج من مخبئهم”، كما قال لي المسؤول. “تكمن المشكلة أنه منذ اللحظة التي يقومون فيها بفصل هواتفهم المحمولة والتخلص منها، فإن قدرة معرفة مكانهم محدودة جدا”.

في حالة الفتيان الإسرائيليين الثلاثة، فإن هوية الخاطفين معروفة. مروان القواسمة، 29 عاما وعامر أبو عيشة، 32 عاما. مكان سكناهم لم يكن بعيد عن شارع “عابر إسرائيل”، في حارة “حارس”. ذهبوا إلى الصلاة في نفس المسجد. اعتاد أحدهم على زيارة منزل الآخر لقص شعر أطفاله. هما من نشطاء حماس. ولا يدور الحديث هنا عن صلة ثانوية مخفية مع الحركة، بل عن شخصين ترعرعا في أحضان نشطاء آخرين في حماس. وبسبب الرقابة لا يمكن إعطاء تفاصيل أكثر.

ولكن بالإضافة إلى مسألة هوية الخاطفين، التي عُرفت الآن، يشغل بال الجيش الإسرائيلي والشاباك سؤال آخر: من ساعدهما على بناء بنية تحتية لعملية الإختطاف؟ هل عملا بمفردهما أو أنهما تلقيا دعما ماليا وماديا من الخارج؟ ظاهريا، فإن إمكانية أن تكون الخلية عملت بمفردها هي إمكانية واردة دائما. ومع ذلك فمن الأرجح، نظرا لضرورة تحضير بنية تحتية (مكان للإختباء، وطعام لفترة طويلة، وسيارة وما إلى ذلك)، أن يكون أحدا قد قدم لهم الدعم المالي على الأقل. قال مصدر أمني هذا الأسبوع أن الإشتباه الرئيسي هو أن يكون صالح العروري، الذي يسكن في تركيا وأصله من الضفة، هو الرجل الذي ساعد هذه الخلية (كانت هناك خلايا أخرى فشلت في تنفيذ مهامها) في تنفيذ عملية الإختطاف هذه. ولكن هذه المصادر اعترفت أنها لا تملك دليلا على ذلك. في المقابل، قالت مصادر فلسطينية رفيعة المستوى أن مخططي العملية هم نشطاء مركزيين في حماس، الذي أرادوا في الأساس إفشال المصالحة. بحسب أقوالهم هناك مجموعة كبيرة في الحركة، التي عارضت بشدة المصالحة مع فتح بحسب الشروط التي وافقت عليها قيادة غزة. “هم لم يوافقوا على التخلي عن الحكومة ولا على كيفية إمتناع قيادة حماس عن حل مشكلة الرواتب. بالنسبة لهم شكل الإختطاف فرصة حقيقية لتعزيز التأييد الشعبي للمنظمة من جهة ووقف المصالحة من جهة أخرى”. وما أكثر فعالية من خطف ثلاثة إسرائيليين لتصفية حسابات سياسية داخلية فلسطينية؟