تسلط ثلاثة مدافع برونزية تم العثور عليها قبالة ساحل مغاديم في شمال إسرائيل الضوء على كيفية ابتكار صناعة الأسلحة الفينيسية (من البندقية) لمساعدة التجار في محاربة القراصنة قبل مئات السنين.

وكما ورد في مقال نُشر في نشرة شهر أغسطس من “مجلة العلوم الأثرية”، فإن المدافع الثلاثة هم على الأرجح جزء من ترسانة سفينة تجارية تحطمت قبالة سواحل حيفا في الربع الأخير من القرن الـ 16 أو أوائل القرن الـ -17، خلال النصف الأول من “عصر الشراع” (1571–1862).

وتم اكتشاف المدافع البرونزية الثلاثة ذات الماسورة الطويلة ودراستها لأول مرة ما بين عامي 1972-1973. وتم رفع مدفع A ومدفع B بواسطة وسادات هوائية ونقلهما إلى الشاطئ، وبعد ذلك تم استخراجهما لدراستهما. في عام 2013، تم استخراج المدفع C، وحجرات متحركة لمعالجة البارود وحبال أشرعة وصواري. وتم تصنيف A وB على أنهما من نوع “الصقر” – طولهما حوالي 3.5 متر، في حين صُنف C على أنه من طراز “فالكون” بطول 2.8 متر.

وكانت هذه الفترة هي فترة “الجهاد البحري”، حيث كانت العداوة مع الإمبراطورية العثمانية حاضرة دائما عند التجار الأوروبيين المسيحيين. بالإضافة إلى هذه التهديدات البحرية الوجودية كان هناك عدد قليل من القراصنة اليهود الذين كانوا عازمين على الإنتقام بعد طرد إسبانيا لليهود. أبرزهم كان سنان اليهودي، الذي أبحر تحت قيادة الأميرال العثماني سيء الصيت هيريدين بارباروسا.

في سنوات السبعين من القرن السادس عشر، بدأ سلاح البحرية الفنيسي بإستخدام المدفع كسلاح مضاد للسفن. كما ساعد التجار، الذين أجبروا على الاستعداد للحرب في البحر، على تمويل سباق التسلح الذي غذى الإبتكارات في الذخائر البحرية، وخاصة في المنطقة الصناعية الضخمة “ترسانة البندقية”.

وكانت ترسانة البندقية مركز تصنيع متطور بصورة مدهشة في وقته. حيث تم فيه إستخدام تقنيات خط تجميع وكان فيه مخزن ضخم من قطع الغيار الجاهزة الموحدة، التي ساعدت في بناء السفن والأسلحة بسرعة وفي بناء سلاح بحرية قوي.

دكتور دانا أشكنازي من كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة تل أبيب. (courtesy)

دكتور دانا أشكنازي من كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة تل أبيب. (courtesy)

المدافع الفينسية التي تم العثور عليها في مغاديم لم تُستخدم من قبل سلاح البحرية الفينيسي – الذي كانت عدوا معروفا للإمبراطورية العثمانية، التي حكمت الأراضي المقدسة. وإنما، “يُعتقد أنها كانت ملكا لمالك سفينة خاص”، بحسب فريق بحث متعدد التخصصات، برئاسة دكتور دانا أشكنازي من كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة تل أبيب.

البحث الذي أجرته أشكنازي هو دراسة التحليل الكيميائي الأولى لمدافع برونزية فينسية من هذه الفترة. لذلك، فإن الإستنتاجات التي تم نشرها في “مجلة العلوم الأثرية” تشكل قاعدة بيانات لدراسات على مدافع مشابهة في المستقبل.

وتتكون المدافع في الأساس من البرونز. لكن “الإختلافات الطفيفة بين المدافع قد تكون مرتبطة باستخدام تقنيات ما قبل العصر الصناعي، حيث لم تكن المواد المتاحة موحدة، وتوفرت فقط أساليب تحليلية بسيطة”، بحسب التقرير. ويفترض فريق الباحثين أن دمج معادن الخردة في الذوبان أثناء صب المدفع قد يكون هو السبب لبعض التباينات.

وكما يلائم الحرفية الفينيسية، فالمدافع هي تحف فنية فضلا عن منفعتها.

المدفع A، الذي يزن 1,260 كيلوغراما، مزين بـ”زخرفة نباتية”، وفقا للتقرير. وتشمل الزخرفات الأخرى شعار نبالة، ودرع بيضاوي يحتوي على صدفتين، وثلاث نجوم سداسية. في خاصية تميز هذا المدفع، يوجد مقبضين على شكل دولفين على واجهة التدعيم الأمامية.

بوزن 1,145 كيلوغراما، تزين المدفع B صفوف من أوراق الأقانثا، التي تتخللها ورود حول المحيط. ويزين السلاح أيضا صف من النيران المتعرجة، بالإضافة الى “درع مزخرف بزخارف نباتية، تحتوي على شعار يمثل يدين تحملان ما يبدو أنه لفافة”. بحسب الدراسة، تم صب هذا المدفع من قبل جيوفاني (زواني) الثاني ألبرغيتي وقد يعود تاريخه إلى سنوات السبعين أو الثمانين من القرن السادس عشر.

المدافع البرونزية عند اكتشافها في البحر والعناصر الزخرفية على المدفع C بعد تنظيفه. (Photos: E. Galili)

المدافع البرونزية عند اكتشافها في البحر والعناصر الزخرفية على المدفع C بعد تنظيفه. (Photos: E. Galili)

المدفع الأصغر من بين الثلاثة، المدفع C، يزن نحو 575 كيلوغرام ويحمل هو أيضا زخارف نباتية مع أشرطة ملفوفة. ويشكل الدرع المدبب مع رأسي أسدين على جانبيه وشعار نبالة الخالي الذي يزينه، بحسب الفريق، علامة مميزة لقطعة السلاح هذه، التي تُنسب لسيجيسموندو الثاني ألبيرغيتي، ابن إميليو الأول، ابن العم من الدرجة الاولى لجيوفاني الثاني (زواني).

بالإضافة إلى التحليل المعدني، تمت أيضا دراسة مجموعة قليلة من بقايا الخشب النادر وتحف أخرى من الحديد المطاوع. بحسب المقال، “تم تطبيق نهح اختبار متعدد التخصصات، يجمع بين التصنيف وتوصيف المعادن والتحليل أركيوبوتانيكالي وتأريخ بالكربون المشع 14C”.

حجرة معالجة بارود برونزية رق م1: (A) كما كانت عند استخراجها؛ (b) حجرة معالجة البارود بعد إزالة طبقة التحجير، مع ثقبين حيث المقبض الحديدي مفقود؛ (c) حجرة معالجة البارود بعد إزالة طبقة التحجير، بعيدا عن المقبض المفقود؛ (d) رسم لحجرة معالجة البارود رقم 1، حيث المقبض المفقود؛ و(e) مقطع عرضي لحجرة معالجة البارود وحشوتها الخشبية (الحشوة الخشبية 1). (Drawing: R. Pollak, Photos: E. Galili)

حجرة معالجة بارود برونزية رق م1: (A) كما كانت عند استخراجها؛ (b) حجرة معالجة البارود بعد إزالة طبقة التحجير، مع ثقبين حيث المقبض الحديدي مفقود؛ (c) حجرة معالجة البارود بعد إزالة طبقة التحجير، بعيدا عن المقبض المفقود؛ (d) رسم لحجرة معالجة البارود رقم 1، حيث المقبض المفقود؛ و(e) مقطع عرضي لحجرة معالجة البارود وحشوتها الخشبية (الحشوة الخشبية 1). (Drawing: R. Pollak, Photos: E. Galili)

وكانت هناك ثلاث أنواع أشجار ممثلة في بقايا الخشب، ما يشير إلى جنسية السفينة. “على الرغم من أن موطن جميع الأصناف في جنوب أوروبا، يمتد اثنان منها إلى داخل منطقة البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى إسرائيل (السرو الإيطالي والصوماك من منطقة صقلية)”.

مع ذلك يستبعد الباحثون أن تكون أصول السفينة من الأراضي المقدسة، لأن الشجرة الثالثة، الصنوبر الثمري الإيطالي “تقتصر على المناطق الشمالية”.

وقالت الدراسة إن “هذه المعلومات تعزز من الإقتراح القائل بأن السفينة قد تكون جاءت في الأصل من بلد أوروبي جنوبي ربطته علاقات مع البندقية ونابولي وراجوسا (دوبروفنيك)”.