أ ف ب – تمددت التنظيمات الجهادية في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان مع تصاعد نفوذ الإسلاميين المتطرفين في سوريا، وباتت أحياء المخيم الفقيرة والمنسية ملجأ للعديد من المقاتلين المتنقلين بين سوريا ولبنان.

ويقول رجل الدين الإسلامي المتشدد جمال حمد لوكالة فرانس برس، “في المخيم تعاطف (…) مع القوى الإسلامية (…) هناك تعاطف مع جبهة النصرة والبعض يتعاطف مع الدولة الإسلامية”.

ويعتبر حمد من أبرز قيادات تجمع “الشباب المسلم” الذي ترافقت نشأته في عين الحلوة مع بروز التنظيمات الجهادية كلاعب رئيسي على ساحة النزاع السوري المستمر منذ أربع سنوات. ويقول مصدر أمني لفرانس برس، أن التجمع يضم إسلاميين متطرفين، بعضهم مطلوب في جرائم تفجير واغتيالات حصلت في لبنان في العامين الآخيرين.

ويقول حمد “كعمل تنظيمي لا وجود معلن للنصرة أو الدولة الإسلامية” في المخيم، لكنه يصف تجمع “الشباب المسلم” بـ”تجمع فسيفسائي للشباب الجهادي”، ويعتبر أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي قتل على أيدي الأميركيين “ملياردير تخلى عن ثروته ليسكن في مغارة”، وبالتالي هو مثال يحتذى.

في وسط الطريق المؤدي الى حي الطوارئ الذي يعتبر منطقة نفوذ للحركات المتشددة في المخيم، ترتفع راية تنظيم الدولة الإسلامية السوداء. وعلى بعد أمتار داخل كشك لبيع القهوة، صورة لزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي وأخرى لأسامة بن لادن. لكن مرافقي فريق وكالة فرانس برس ينصحون بعدم دخول الحي. فالمخيم مقسم مناطق نفوذ بين القوى المسلحة، ولا يخاطر أفراد هذه القوى بدخول مناطق غير مناطقهم.

وتتوزع المجموعات الإسلامية المتطرفة على ثلاثة أحياء، هي الطوارىء والصفصاف وحطين التي يستقر فيها جهاديون قاتلوا في سوريا أو يستعدون للتوجه إليها للقتال، بحسب مصادر أمنية وسكان.

ويوضح الفلسطيني أبو هاجر الموجود في سوريا لفرانس برس عبر سكايب أنه قاتل مع جبهة النصرة في الغوطة الشرقية والقلمون في ريف دمشق وفي حمص والقصير في وسط البلاد.

ويقول الشاب العشريني “في المرة الأولى، بقيت ثلاثة أشهر في سوريا ثم عدت إلى المخيم بعد إصابتي بيدي اليسرى في معركة القصير. ثم عدت مرة أخرى ومكثت شهرين (…) وهكذا في كل مرة أذهب ثم أعود”. مضيفا، “الحمد لله كله جهاد في سبيل الله الذي أرجوه أن يختم لي بالشهادة التي أحبّ”.

ويروي أبو هاجر المطلوب من الأجهزة الأمنية أنه يجتاز حواجز الجيش اللبناني عند مدخل المخيم بهوية مزورة “مع تعديل بسيط على الشكل الخارجي”.

ورصدت الأجهزة الأمنية اللبنانية مغادرة قرابة 46 شابا مخيم عين الحلوة إلى سوريا للقتال، بالإضافة إلى العديد غيرهم “يأتون ويذهبون”.

ويقلل قائد الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب من أهمية العدد الذي توجه إلى سوريا، متحدثا عن “اقلية”. ويقول أن “عددا منهم رجع، لأنهم لم يقتنعوا بما قاموا به، أو لأن ما رأوه على الأرض جاء مغايرا لما اعتقدوه”.

أما قائد القوة الأمنية المشتركة في مخيمات لبنان اللواء منير المقدح، فيؤكد أن “أعمار الشبان الذين توجهوا إلى سوريا لا تتعدى 17 عاما. (…) هم من الجيل الجديد غير الواعي وغير المدرك”.

إلا أن حمد يدافع بقوة عن “المجاهدين”. ويقول بإنفعال “أيحق للشيعي أن يأتي من أفغانستان ومن لبنان ومن كل الدنيا ليقاتل في سوريا، فيما لا يحق للمسلم السني التعاطف مع أهل السنة الذين يذبحون بالسكود والبراميل المتفجرة والسلاح الكيميائي؟”، في إشارة إلى المقاتلين الشيعة من دول عدة ومن حزب الله اللبناني الذين يقاتلون إلى جانب النظام السوري.

ولا تتعدى مساحة المخيم الكيلومتر المربع الواحد، والذي يعيش فيه 55 ألف فلسطيني على الأقل وفق سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يضاف إليهم ستة آلاف على الأقل قدموا من سوريا منذ بدء النزاع، ومعظم هؤلاء من مخيم اليرموك للاجئين في دمشق.

ورؤية السلاح والمسلحين أمر عادي في المخيم الذي لا تدخله القوى الأمنية اللبنانية بموجب اتفاق ضمني مع القيادة الفلسطينية يطبق على كل مخيمات لبنان التي تعتمد “الأمن الذاتي”. وتنتشر في أزقة المخيم الضيقة والمليئة بالحفر وبرك المياه الآسنة مكاتب حزبية وعسكرية وحواجز للقوة الأمنية المشتركة وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

ويبدو واضحا أن توسع نفوذ التنظيمات الجهادية داخل المخيم والرد الأمني يثيران إستياء الأهالي الذين يشكون أصلا من الفقر والتهميش.

في محل متواضع وسط شارع صغير يضج بالمارة ومحال تجارية عشوائية وأسلاك كهربائية متدلية من كل مكان وجدران مغطاة بصور زعماء و”شهداء” وملصقات حول فلسطين، يقول فادي بعصبية بينما يبيع القهوة “نحن نعيش في التوتر بينما لا أحد هنا قادر على تأمين لقمة عيشه”.

ويقول رافع (23 عاما)، “يسافرون إلى سوريا ليقبضوا أموالا”. ويؤيده لطفي (25 عاما) قائلا بأسى، “يرمون أنفسهم إلى الموت”.

عند مدخل المخيم، يخضع الجيش كل الداخلين والخارجين والسيارات لتفتيش دقيق. واستقدم أخيرا جنديات لتفتيش المنقبات.

ويخشى المقيمون على المخيم أن ينعكس تنامي التنظيمات الجهادية صدامات مسلحة كما حصل عام 2007 في مخيم نهر البارد (شمال)، حيث تسببت معركة بين الجيش وحركة فتح الإسلام المتطرفة بتدمير المخيم ومقتل العشرات. وهم يؤكدون تعاونهم مع السلطات.

ويقول المقدح، “هناك توافق مع الجيش اللبناني على معالجة موضوع المطلوبين بطريقة هادئة”، مشددا على أن “العبث بأمن المخيم ممنوع. أمن البلد والمخيمات خط أحمر”.