إن خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة لم يحمل أية مفاجآت. يبدو أن التغيير الوحيد هو في لهجة عباس، التي تبدو أكثر هدوءا وأكثر ضبطا.

عباس يشعر بالوحدة ويريد أن يعود الى الساحة السياسية. يريد أن تعرف إسرائيل والولايات المتحدة أن الحداد عليه سابق لأوانه. يبدو أنه تعلم أن الحديث الصريح لن يؤدي به الى أي مكان، ولا سيما مع الإدارة الأمريكية الحالية.

الخطاب بالطبع لم يكن مؤيدا لإسرائيل أو متعاطفا مع الولايات المتحدة.

استطاع عباس مرة أخرى أن يثير الحاجبين عندما ذكر ستة ملايين لاجئ و5000 سنة من التاريخ الكنعاني.

وأوضح مساعدو عباس أن الرقم ستة ملايين استند الى احصاءات الأمم المتحدة، قائلين أن عباس لم يخترعه.

بالنسبة لآلاف السنين من التاريخ، قال المساعدون إن “العديد من المؤرخين يشاركون هذه الحقيقة التاريخية المعروفة”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (يمين) يتحدث في مجلس الأمن الدولي في 20 فبراير / شباط 2018. (AFP Photo/Timothy A. Clary)

وأشاروا إلى أنها ليست المرة الأولى التي يذكر فيها عباس تلك القضايا ولا يوجد شيء جديد بشأنها.

مرة أخرى، عباس الذي يبدو أنه يتمتع بالدراما والإهتمام الناتج عن الخطب والظهور استغل المنصة الدولية لرفع نقاط المحادثات القديمة، ويؤكد مجددا استعداده لإستئناف محادثات السلام مع إسرائيل.

تشمل نقاط المحادثات هذه التزاما بعملية السلام والسعي إلى تحقيق حل الدولتين.

كما لم تكن المرة الأولى التي يتحدث فيها عباس عن ضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام. كما أنها لم تكن المرة الأولى التي يعرب فيها عن معارضته للعنف والإرهاب.

عباس قال نفس الأشياء خلال الأسابيع والشهور القليلة الماضية. في الواقع، يبدو خطاب الأمم المتحدة وكأنه مجموعة من الأقوال القديمة التي قالها الرئيس الفلسطيني.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدث إلى اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 14 يناير / كانون الثاني 2018. (Flash90)

كانت التوقعات أن عباس، الذي بدا اكثر تطرفا في الاسابيع الأخيرة، سيلقي خطابا آخرا يدين بشدة الولايات المتحدة واسرائيل.

لكن بدا عباس أكثر تساهلا في خطابه بالمقارنة مع خطابه أمام منظمة التحرير الفلسطينية وحكة فتح في رام الله في الأسابيع القليلة الماضية.

في الأمم المتحدة، لم يتحدث عباس عن قطع العلاقات مع إسرائيل، كما فعل عندما خاطب قادة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح. كما أنه لم يتحدث عن نهاية اتفاقات أوسلو، كما فعل في الأسابيع الأخيرة. الحديث عن “قبول الحد الأدنى من مبادلات الأراضي، وبقيمة ونسبة متساوية” ربما كان المفاجأة الوحيدة في الخطاب.

صحيح أن عباس تحدث عن هذا السيناريو في الماضي. لكن في الأسابيع الأخيرة، خاصة بعد تصاعد التوتر بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية، لم يذكر هذا الموقف. بل على العكس من ذلك، لم يبذل عباس منذ ذلك الحين سوى تهديدات لإنهاء عملية السلام، وإلغاء الاعتراف بإسرائيل وتعليق جميع العلاقات مع الإسرائيليين، بما في ذلك التنسيق الأمني.

محمود عباس يلقي كلمة أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 20 فبراير، 2018. (لقطة شاشة: UNTV)

وعلى هذا النحو، فإن خطاب عباس في الأمم المتحدة يشير إلى خروجه عن النهج المتشدد الذي اتخذه مؤخرا، والذي بدأ بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب في كانون الأول / ديسمبر الذي اعترف فيه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

عباس، على سبيل المثال، لم يعد يتهم اليهود “بالتدنيس بأقدامهم القذرة” الأماكن المقدسة الإسلامية. لم يتضمن خطاب الأمم المتحدة الادعاء أن إسرائيل هي “مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية” استخدمه في خطابه الأخير في رام الله.

كما تجدر الإشارة إلى أن عباس لم يستبعد امكانية أن تكون الإدارة الأمريكية جزءا من مؤتمر دولى للسلام في الشرق الأوسط. عباس يشعر بالضيق إزاء إدارة ترامب، لكنه يشير بوضوح – كما تدل لهجته في خطاب الأمم المتحدة – إلى أن الفلسطينيين ليسوا مهتمين بحرق جميع الجسور مع إسرائيل.

كما أن الفلسطينيين لا يحرصون على مقاطعة إسرائيل، خلافا للقرارات التي اتخذتها منظمة التحرير الفلسطينية وزعماء حركة فتح في رام الله.

في الواقع، كان عباس منذ ذلك الحين يتصرف ضد القرارات، التي دعت إلى فك الإرتباط الكامل من إسرائيل. في الأسبوع الماضي وحده، عقد عدد من الإجتماعات في رام الله وباريس بين السلطة الفلسطينية والمسؤولين الإسرائيليين. على الأرض، فإن التنسيق الأمني ​​بين السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي مستمر، بل أصبح أقوى، على الأقل وفقا للفلسطينيين.

يحاول عباس من خلال خطابه في الأمم المتحدة أن يقدم نفسه إلى العالم بطريقة أقل سلبية. من خلال الإمتناع عن الخطاب اللاذع ضد الولايات المتحدة في الأسابيع القليلة الماضية، وبالسماح بالإجتماعات بين مسؤوليه وإسرائيل، ربما يحاول إظهار أنه لا يزال لاعبا ذا صلة.