إذا كنت تحبه أو تكرهه، فإن محمود عباس موجود في هذه الأيام  بوضع لا يحسد عليه . حين تدخل المفاوضات مع إسرائيل الثلث النهائي من إطار التسعة أشهر، يقف رئيس السلطة الفلسطينية مثل الصبي الهولندي الصغير واضعًا أصبعه في السد؛ فهو واقع بين قيادة فلسطينية تطالب بشكل متزايد بمحاربة إسرائيل وقيادة إسرائيلية عازمة على اعتباره كمتطرف غير قابل للمساومة.

في الأسبوع الماضي قال وزير المخابرات يوفال شتاينتس لجمهور الحاضرين في معهد تل أبيب لدراسات الأمن القومي أن عباس هو أكثر المزودين “لسم معاداة السامية ومعاداة إسرائيل” وأضاف أنه “لا توجد عملية سلام، بل عملية دبلوماسية….لديها بعض الفرص، ولديها أهميتها، ولكن لأسفي الشديد نحن لا نرى حتى أضعف المؤشرات أن الجانب الآخر، وأن القيادة الفلسطينية، لديهم نوايا حقيقية”.

على الجانب الفلسطيني، وظيفة عباس ليست بأسهل. فقد انهار فريقه التفاوضي عندما استقال المفاوض محمد شتية في نوفمبر بسبب استمرار البناء الإسرائيلي في الضفة الغربية، تاركًا خلفه كبير المفاوضين صائب عريقات ليقف وحده مقابل الثنائي الإسرائيلي تسيبي لفني ويتسحاق مولخو.

وقال شتية أمام تجمع للمحامين الفلسطينيين في 22 يناير، “سوف تنتهي المفاوضات بالفشل. سنودع حل الدولتين إذا استمرت إسرائيل في سياسة الحقائق على الأرض وبناء المستوطنات.” وأضاف، “عدم وجود اتفاق أفضل بألف مرة من اتفاق مهين ” مدعيًا أنه كان على السلطة الفلسطينية تقديم طلب الحصول على العضوية في جميع أجهزة الأمم المتحدة مباشرة بعد الاعتراف ب-“فلسطين” كدولة غير عضو ذات صفة مراقب في الجمعية العامة في نوفمبر 2012.

وقال شتيه “على السلطة الفلسطينية تغيير دورها من مزود خدمات إلى سلطة مقاومة”.

قد يكون عباس اليوم آخر قائد فلسطيني لديه قدر ما من الثقة في العملية الدبلوماسية. فليس فقط أن حماس، التي تسيطر على غزة منذ عام 2007، تعارض بشدة أي تطبيع مع إسرائيل، ولكن الضغوط آخذة بالازدياد أيضًا على الزعيم الفلسطيني من قبل اعضاء في حركة فتح يطالبونه بالسماح باندلاع أعمال العنف في الشارع الفلسطيني، في ذات الحين يشكك كبار مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية في فعالية المفاوضات مع حكومة نتنياهو، داعيين إلى حملة دبلوماسية لعزل إسرائيل في الأمم المتحدة.

قبل ساعات قليلة من حديث شتاينتس، أشار عباس، في مقابلة سُجلت خصيصًا للمؤتمر، أنه قد لا يكون قادرًا على الصمود في وجه الضغوطات أكثر من ذلك. وقال، “آمل أن ننجح [في المحادثات] حتى لا نضطر إلى اللجوء إلى المواجهة القانونية أو الدبلوماسية أو السياسية على المنصة الدولية”.

يقول عيدو زلكوفيتش، محاضر في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا ومؤلف كتاب عن فتح في 2012، “عباس، بطريقة ما، هو الآن بارد الأعصاب المحوسب الأخير [في فتح]،” وأضاف، “هو البالغ المسؤول”.

كان عباس أول قائد من المستوى العالي في الصف الفلسطيني الذي تصدى لياسر عرفات، منذ عام 2003، وتحدث عن عدم جدوى “الكفاح المسلح” كوسيلة لتحقيق قيام دولة فلسطينية. ولكنه يواجه اليوم معارضة شديدة من أعضاء “جيل الوسط” في فتح، الذين يستذكرون عهد عرفات عندما عمل العنف جنبًا إلى جنب مع الدبلوماسية.

الضغط على عباس أكبر, داخل القيادة الفلسطينية الأمنية.

توفيق طيراوي، الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة الفلسطينية والذي يرأس حاليًا تحقيقًا وطنيُا في ظروف وفاة عرفات، نسب في الفترة الاخيرة قرار عباس بالدخول في المفاوضات لضعف الشعب الفلسطيني.

وقال الطيراوي لقناة الميادين الإخبارية اللبنانية في الأسبوع الماضي، “إن العصر الحالي هو من أسوأ الأوقات التي مررنا بها كفلسطينيين” وأضاف “نحن منقسمون، والعالم العربي في اضطرابات… صحيح أن معظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كانت ضد [دخول المفاوضات]، ولكن هناك شيء يُسمى المصالح الوطنية الفلسطينية. هل تنازلنا عن أي من مبادئنا؟ لا. هذا هو المهم”.

لا يمكن المبالغة في شكوك طيراوي بشأن إمكانية تحقيق السلام من خلال المفاوضات وحدها. “ليس هناك أي إمكانية لإنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في العشرين سنة القادمة” كما قال، وتابع “على الإطلاق. وكل من يعتقد خلاف ذلك فهو مخطئ. لن تجلب لنا المفاوضات شيئًا. علينا، كل الفصائل الفلسطينية، العودة إلى دائرة النشاط.” وفي حال أن أي شخص لم يفهم ما الذي يقصده بدائرة النشاط فقد أوضح أن ذلك يشمل العنف المسلح.

زميل طيراوي والرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية جبريل رجوب وجه أيضًا “للمقاومة” خلال زيارة نادرة قام بها إلى إيران في الأسبوع الماضي. وقال رجوب لوزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أن فتح “لن توقف المقاومة حتى تشكيل حكومة فلسطينية مستقلة” في القدس الشرقية.

على عكس الطيراوي ورجوب، الذين بدآ حياتهما في فتح كأعضاء في جناحها المسلح، بدأ عباس مشواره في المنظمة كمجند للموظفين في سنوات الستينات والسبعينات، حسب ما أشار زلكوفيتش من جامعة حيفا.

وقال زلكوفيتش، “على عكس هؤلاء الرجال، فهو لم يلبس يومًا الزي العسكري. بالتالي أن رؤيته مختلفة… فهو يدرك الضعف الاستراتيجي في الكفاح المسلح والأضرار التي يتسبب بها للقضية الفلسطينية في الرأي العام العالمي.”

لا يأتي التحدي لعباس فقط من جانب جنرالات فتح، بل من الدبلوماسيين فيها أيضًا.

حيث أنهم ينتقدون قراره بتجميد جميع الإجراءات الدولية ضد إسرائيل خلال فترة المفاوضات مقابل الإفراج عن 104 سجينا أمنيا فلسطينيًا الذين تم سجنهم قبل توقيع معاهدات أوسلو في عام 1993.

ضم شتية صوته إلى أصوات كبار منظمة التحرير الفلسطينية, في الندب على تقاعس السلطة الفلسطينية في الجبهة الدبلوماسية مثل حنان عشراوي وياسر عبد ربه، الذين انتقدوا بشدة استراتيجية التفاوض الفلسطينية.

يرفض عباس من جهته التطرق إلى ما قد يحدث بعد فشل المحادثات مع إسرائيل. متجاوزًا لحكومة نتنياهو، يلتقي عباس بشكل منظم مع برلمانيين إسرائيليين، مؤسسات فكر ورأي وأعضاء بارزين في المجتمع المدني. في خطابه الأخير لنشطاء في القدس الشرقية، تفاخر عباس بسلمية القرويين في قصرة في تعاملهم مع مستوطنين يشتبه قيامهم بعملية “دفع الثمن”.

يقول زلكوفيتش، “يدرك عباس أن قوة الفلسطينيين لا تكمن في ساحة المعركة ولكن في الأروقة الدبلوماسية في الأمم المتحدة وفي جبهة الدفاع في أوروبا.”

في الوقت الراهن، هو عاقد العزم، فهو ملتزم بتعهده للأمريكيين حتى فترة التسعة أشهر من المفاوضات- إلقاء اللوم على الإسرائيليين لتعنتهم، يتلقى اللوم بدوره ه من قبل إسرائيل. الا أنه, قريبًا جدًا، سوف يضطر عباس إلى اتخاذ قرار بشأن خطة إطار وزير الخارجية جون كيري – فهو مصمم للحفاظ على استمرار تلك المحادثات على الأقل حتى نهاية العام. هل سيقول نعم للأمريكيين، ويزيد من احباط منتقديه في الداخل ؟ أو أنه سيتحدى كيري، ويقوم بإخراج الاصبع من السد؟