هذا ما كان ينقص سكان غزة. شاطئ غزة، المهرب الوحيد من الحر وضائقة سكان قطاع غزة، أصبح محظور. اتخذت بلدية غزة هذا القرار، بسبب التلويث الشديد في جزء من شواطئ المدينة، الناتج عن انسياب مياه الصرف الصحي إلى البحر الأبيض المتوسط. وأزمة الكهرباء الكبيرة في القطاع أدت الى وقف عمل منشآت التطهير، ومياه المجاري التي تصل البحر بدون معالجة.

“المكان الوحيد لدينا للترفيه أغلق أيضا”، قال الفلسطيني ط، من سكان المدينة. “يوجد بضعة شواطئ قليلة في شمال القطاع التي لا زالت مسموحة للسباحة، ولكنها بعيدة. اذا إلى أين نذهب؟ لا يوجد أجور، لا كهرباء، لا شواطئ. نحن نسبح بالبراز”، أضاف ضاحكا.

ومن يحتفل في اسرائيل ضائقة سكان القطاع، يجب أن يعيد النظر بالأوضاع: التيارات في مياه البحر المتوسط قد تحول مياه مجاري غزة الى شواطئ عسقلان واسدود شمال القطاع.

وقال ط. أن اليأس يزداد سوءا من يوم إلى يوم. “نحن في شهر رمضان، في الماضي كانت الشوارع ممتلئة كل ليلة بالمارين، تماما مثل رام الله. اليوم؟ حركة المشترين ضئيلة. لا يوجد مال لإجراء المشتريات. لا يوجد عنف والوضاع هادئة نسبيا، ولكن لن اتفاجأ إن ترى يوما ما أشخاص يسيرون بإتجاه حاجز ايريز من اليأس”.

عائلات فلسطينية تجتمع خلال انقطاع الكهرباء للافطار في شاطئ غزة، 31 مايو 2017 (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

عائلات فلسطينية تجتمع خلال انقطاع الكهرباء للافطار في شاطئ غزة، 31 مايو 2017 (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

وسيناريو المسيرات الضخمة بإتجاه السياج هو طريقة لتوصيل حماس رسائل تهديد. فقد قامت الحركة بالإعلان أن يوم الجمعة هو يوم غضب، وكذلك كل الاسبوع المقبل، حيث سوف يسير السكان بإتجاه السياج الحدودي مع اسرائيل. هدف حماس من جهة تحويل الغضب العام باتجاه اسرائيل، ومن جهة اخرى توصيل رسالة الى الطرف الإسرائيلي أنه في حال عدم حل ازمة الكهرباء بالوقت القريب، يمكن ان تتدهور الأوضاع الى مواجهة شاملة.

اطفال فلسطينيون يقرأون القرآن في اول يوم رمضان، في مسجد العمري في غزة، 27 مايو 2017 (AFP PHOTO / Mahmud Hams)

اطفال فلسطينيون يقرأون القرآن في اول يوم رمضان، في مسجد العمري في غزة، 27 مايو 2017 (AFP PHOTO / Mahmud Hams)

ولكن في مسألة المواجهة المحتملة، ربما يجب ان نبدأ بالأخبار السارة:

أولا، اسرائيل لم تقلص يوم امس كمية الكهرباء التي توفرها الى قطاع غزة. بالرغم من أنها كانت من المفترض ان تفعل ذلك في الاول من يونيو، في اعقاب طلب السلطة الفلسطينية عدم خصم تكلفة الكهرباء لقطاع غزة من أموالها. اسرائيل هي الموفرة الرئيسية للكهرباء في قطاع غزة (اسرائيل توفر 125 ميغاواط، مصر 23، ومحطة توليد الكهرباء في القطاع توقفت عن العمل)

سكان غزة يحصلون على 4-6 ساعات من الكهرباء يوميا. ويمكن التقدير انه في حال وقف اسرائيل توفير الكهرباء الى القطاع، ستتوفر الكهرباء لمدة 2-4 ساعات فقط. ولكن في هذا الوقت، على ما يبدو بسبب ضغوطات من قبل وزير الطاقة يوفال شتاينيتس، قرر النظام الامني الانتظار. ولذا يستمر توفير الكهرباء كما كان. المشكلة بذلك هي ان ذلك يعني توفير الكهرباء لمدة 4-6 ساعات يوميا، يليها انقطاع لمدة 12 ساعة.

ثانيا، حماس تقوم بكل ما تستطيع من أجل تجنب مواجهة عسكرية مع اسرائيل. إن يتم فحص نشاطات الحركة منذ شهر اغسطس 2014، عند انتهاء عملية الجرف الصامد (منذ حوالي ثلاث سنوات) وحتى اليوم، من المفاجئ الإدراك ان حماس، الحركة التي تعهدت تدمير دولة اسرائيل، تعمل تقريبا مثل حرس الحدود الإسرائيلي. نقاط الحراسة التي نصبتها الحركة على الحدود مع اسرائيل تهدف من جهة مراقبة العدو عبر الحدود، ولكنها أيضا تمنع وصول مسلحين قد يريدون تنفيذ عمليات ضد اهداف اسرائيلية لمنطقة السياج الحدودي.

حماس تحبط العمليات ضد اسرائيل او اطلاق الصواريخ، وفي الحالات التي لا تنجح فيها احباط الهجمات، تقوم باعتقال او حتى تعذيب أعضاء التنظيمات الجهادية التي تحاول اطلاق صواريخ ضد اسرائيل. وجميع الصواريخ التي اطلقت منذ انتهاء الحرب، وعددها 40، اطلقتها تنظيمات غير حماس.

حماس تفتش المركبات التي تصل معبر كرم أبو سالم من الطرف الفلسطيني لضمان عدم التخطيط لتنفيذ هجمات، وحتى تجري محادثات مع صيادي الأسماك الفلسطينيين لضمان عدم تخطيهم المناطق المسموحة للصيد.

إلى هنا الأخبار السارة، والآن إلى الأخبار السيئة.

جيش الضيف

بالإضافة إلى عمل الحركة لتجنب المواجهة، تقوم حماس للتجهيز للحرب القادمة بكامل قواها.

قد تبدو مكانة حماس أقوى مما كانت عليه في صيف عام 2014:

محمد الضيف

محمد الضيف

حماس منظمة اليوم مثل جيش تقليدي. في الحركة 27,000 مسلح، يعملون ضمن ست الواء، مع 25 كتيبة و106 فرق.

ومن بين المسلحين، 2500 من وحدة النخبة – الوحدات الخاصة التي ثلث اعضائها تدربوا لتنفيذ عمليات هجومية في الاراضي الإسرائيلية. وهذه القوات التي يفترض ان تعمل من البحر، الجو – بواسطة مظلات، وطبعا من البر – خاصة عن طريق الأنفاق. أي فرقة مسلحة يفترض ان تخرج من نفق لمهاجمة بلدة اسرائيلية او قاعدة عسكرية بهدف القتل أو الإختطاف.

وهذا اساس نشاطات حركة حماس العسكرية – الأنفاق، الهجومية والدفاعية.

في هذا السياق، حماس تستثمر أكثر بالأنفاق “الدفاعية”، اي داخل القطاع، وليس بالأنفاق الهجومية، التي تصل داخل الأراضي الإسرائيلية. ويوجد في القطاع انفاق يصل طولها الشامل عشرات الكيلومترات. أي يوجد بلدة انفاق تحت القطاع قد تمكن قيادة الحركة وانظمتها الصاروخية بالعمل حتى في حال الحرب والقصف الجوي من قبل اسرائيل.

عناصر كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في مدينة غزة، 18 ديسمبر 2016 (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

عناصر كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في مدينة غزة، 18 ديسمبر 2016 (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

ويشرف على هذه النشاطات محمد الضيف (52 عاما)، وينحدر من مخيم خان يونس، وهو ملاحق منذ ثمانينات القرب الماضي، عندما كان أحد مؤسسي الجناح العسكري للحركة.

وقد أصيب الضيف عدة مرات خلال محاولات اغتياله، وقد فقد زوجته واثنين من أطفاله في محاولة اسرائيل لإغتياله خلال عملية الجرف الصامد.

وبالرغم من اصاباته، يعتبر اليوم الضيف القائد الأعلى للجناح العسكري، وهو المسؤول عن تجهيزه للحرب. وبينما يعتبر يحيى السنوار بمثابة “وزير الدفاع” في التنظيم، الضيف يركز على الجوانب العسكرية. وقد اقام هيئة اركان عامة صغيرة فيها نائبه مروان عيسى، رئيس المخابرات العسكرية ايمن نوفل، بالإضافة الى بعض قادة الواء حماس.

قائد حماس الجديد في غزة يحيى السنوار (الثاني من اليمين) وقيادي الحركة إسماعيل هنية (من اليسار) يجلسان إلى جانب نجل القيادي في الحركة الذي تم اغتياله مازن فقهاء، 27 مارس، 2017، في مدينة غزة. (AFP Photo/Mahmud Hams)

قائد حماس الجديد في غزة يحيى السنوار (الثاني من اليمين) وقيادي الحركة إسماعيل هنية (من اليسار) يجلسان إلى جانب نجل القيادي في الحركة الذي تم اغتياله مازن فقهاء، 27 مارس، 2017، في مدينة غزة. (AFP Photo/Mahmud Hams)

ولكن من الجدير الذكر أن الضيف، والسنوار، اللذان يعتبران متطرفين جدا، حذران ويتجنبان اندلاع الحرب مع اسرائيل. وهذا بالرغم من تدهور الأوضاع في القطاع، الاغلاق المستمر لمعبر رفح، تهديدات السلطة الفلسطينية اجبار عشرات آلاف الموظفين في القطاع للتقاعد المبكر وتقليص أجور الباقين.

من ناحية حركة حماس الجديدة-القديمة، بقيادة اسماعيل هنية، السنوار والضيف، الهدف المركزي في الوقت الحالي ليس حرب اخرى مع اسرائيل، بل بقاء سلطة حماس في غزة، والسيطرة على مراكز القوى في الساحة الفلسطينية، فتح والضفة الغربية، في المستقبل.

التأقلم

أحد أسباب عدم رغبة حماس خوض حرب اخرى هو سئم الجماهير في غزة الحروب والكوارث. قد اعتاد سكان غزة، كالعادة، للواقع الجديد الذي فيه انقطاعات طويلة للكهرباء وتقليص اجور، وتعلموا التأقلم مع الواقع الجديد.

فعلى سبيل المثال، يسارع الشباب بعد الإفطار الى المقاهي الشهيرة في غزة، إلى أماكن مثل “قهوتنا”، في شاطئ شيخ عجلان الملوث، ولـ”حبيبة”. الأراجيل هي المنتج المطلوب في هذه الأماكن، وكذلك ايضا المشروبات – القهوة، الشاي والعصائر. هذه أماكن للشباب فقط. هناك أيضا مقاهي فيها رجال ونساء سوية، مثل “الديرة” (في شاطئ الرمال)، ROOTS في المكان ذاته ومقهى Level Up، في الطابق الحادي عشر في أحد مباني الرمال.

ولا زالت تهديدات السلطة الفلسطينية تقليص الأموال الى غزة فوق رؤوس الجميع. فمثلا لدى ط. انتقادات عديدة للخطوات التي تخططها السلطة: “لا أفهم ما يهدف أبو مازن تحقيقه بالتقليص وقطع دفع فاتورة الكهرباء. إنه يريد معاقبة حماس ولكنه بالفعل يعاقب مليوني سكان غزة”.