في الوقت الذي يكافح فيه بشار الأسد لاستعادة السيطرة على آخر ما توصلت إليه المقاومة المتمردة، تدخل الحرب الأهلية المستمرة منذ سبع سنوات مرحلة جديدة تضع إسرائيل على مسار تصادمي مع المحور إيران-سوريا-حزب الله.

يمكن رؤية ذلك في الغارات الجوية الأخيرة في سوريا التي أفيد بأن إسرائيل قامت بها، والأهم من ذلك، في الطرق المتزايدة التي استجابت دمشق لها. كان آخر مثال لذلم في وقت مبكر من صباح يوم الاربعاء عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية منشأة أبحاث عسكرية خارج دمشق يشتبه في أنها تقوم بتطوير أسلحة كيميائية للأسد ومساعدة إيران وحزب الله في تحسين تكنولوجيا الصواريخ.

وفقا لتقرير جديد صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة فكرية وشركة للدعوة، فإن الوحيد القادر على منع نشوب نزاع دموي كامل بين إسرائيل والمحور الذي تقوده إيران هو روسيا التي خرجت من الحرب الأهلية السورية باعتبارها الوسيط الوحيد المتبقي.

يذكر أن الولايات المتحدة بالكاد ذكر أنها تلعب دورا في أي جهود محتملة لتجنّب النزاع، في ضوء المكانة المتصاعدة لموسكو في المنطقة وتقلص المكانة الأمريكية، حيث خفضت بشكل كبير تدخلها في سوريا على مدى السنوات القليلة الماضية، وفقا لعوفر زلزبرغ، محلل مجموعة الأزمات الدولية والمقيم في القدس الذي ساعد في كتابة التقرير.

يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره السوري بشار الأسد في سوتشي بروسيا في 20 نوفمبر 2017. (AFP/SPUTNIK/Mikhail KLIMENTYEV)

“موسكو وحدها يمكنها التوسط في تعزيز اتفاقية نزع السلاح. اذا لم تفعل ذلك فان قواعد اللعبة السورية من المحتمل ان تتغير من خلال الهجوم والاستجابة مع احتمال التصعيد”، وفقا للتقرير.

صدر تقرير مجموعة الأزمات الدولية بعنوان “إسرائيل وحزب الله وإيران: منع حرب أخرى في سوريا” يوم الخميس. قال زلزبرغ لصحيفة التايمز أوف إسرائيل الاربعاء، إن هذا التقرير هو نتيجة لمقابلات أجرتها المنظمة مع دبلوماسيين ومسؤولين عن الدفاع في القدس وطهران وبيروت وواشنطن وموسكو وعمان.

بما أن مجموعة الأزمات الدولية تعمل أيضا كمنظمة للدعوة، فإنها لم تنشر هذا التقرير للجمهور فحسب، بل كانت تعمل مباشرة مع روسيا في محاولة لإقناعها بقبول دور الوسيط بين إسرائيل وحزب الله وإيران وسوريا.

قال زلزبرغ: “إننا نشهد بعض الزخم من المسؤولين الروس”.

تحدد المجموعة ثلاثة جوانب رئيسية يجب معالجتها: وجود القوات الإيرانية والشيعية بالقرب من الحدود الإسرائيلية؛ بناء البنية التحتية العسكرية الإيرانية في سوريا؛ والتوصل إلى اتفاق بأن “كل ما يحدث في سوريا، يبقى في سوريا”، حتى لا ينتقل القتال إلى لبنان.

لا يشير التقرير إلى أن صراعا بين إسرائيل وحزب الله بات وشيكا، حيث يرى الجانبان في الوقت الراهن قيمة الحفاظ على الهدوء النسبي، ولكنه يرمز الى أنه مع عودة المحور إيران-سوريا-حزب الله إلى السيطرة الكاملة على البلاد، يمكن أن تبدأ حزب الله معاداة إسرائيل من جنوب سوريا، حيث تتمتع بشيء من القوة، حيث أن لديها القليل من المصادر الهامة في تلك المنطقة لكي تضربها القوات الإسرائيلية.

انصار تنظيم حزب الله اللبناني يشاهدون خطاب لأمين عام التنظيم، حسن نصرالله، في الذكرى الحادية عشر لانتهاء حرب عام 2006 مع اسرائيل، في بلدة خيام في جنوب لبنان، 13 اغسطس 2017 (AFP/Mahmoud ZAYYAT)

قال زلزبرغ ان المحللين من مجموعة الازمات الدولية جاءوا الى الإستنتاج المثير للقلق بأن الجانبين ليس لديهم فهم واضح لمخاوف ورغبات الاخر مما يثير احتمالات سوء التقدير التي قد يؤدى الى الحرب.

على سبيل المثال، قال إن إسرائيل لا ترى حزب الله وسوريا كفاعلين مستقلين ولديهما أهدافهما الخاصة، ولكن أكثر على أنها “دمى متحركة” التي تسيطر عليها إيران، وهي وجهة نظر لا تتشاطرها إيران أو سوريا أو حزب الله أو روسيا.

ما الفائدة من الحرب؟ لا شيء على الإطلاق

ابتداء من سبتمبر 2015، بدأت روسيا تقديم دعم كبير لحليفها الأسد، وإرسال طائرات مقاتلة وقاذفات قنابل إلى البلاد، بالاضافة الى القوات البرية. منذ ذلك الحين، أصبح الجيش الروسي يستثمر بشكل أعمق في دعم الأسد، حيث شن حملة جوية مدمرة ضد المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في البلاد والتي قتلت عددا لا يحصى من المدنيين، وكان آخرها في إدلب، وفقا لمجموعات حقوق الإنسان التي تعمل في تلك المناطق.

يرى التقرير وكاتبيه انه من مصلحة روسيا فى النهاية تجنب الحرب الشاملة بين اسرائيل وحزب الله التي تدعمها ايران والتي ستحمل امكانية زعزعة استقرار المنطقة بشكل كامل.

يغطي الجنود الإسرائيليون أذنيهم وهم يطلقون قذائف المدفعية على جنوب لبنان من كريات شمونة في شمال إسرائيل خلال حرب لبنان الثانية في 22 يوليو / تموز 2006. (Pierre Terdjman/Flash90)

خلافا لما حدث في حرب لبنان الثانية عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله عندما كان القتال يقتصر في المقام الأول على شمال إسرائيل وجنوب لبنان، فإن وجهة نظر المسؤولين الإسرائيليين وحزب الله هي أن الصراع المقبل بين المجموعتين سيشمل أيضا القتال في سوريا.

قال التقرير إن “قيام إسرائيل بحملة واسعة النطاق ستحدث أضرارا جسيمة لإنجازات [دمشق ومؤيديها]، وربما تزعزع استقرار النظام نفسه”.

وبحسب زلزبرغ، فإن هذا الوضع ليس مرغوبا فيه بالنسبة لروسيا، حيث تود موسكو أن ترى أن الأسد – زعيم عربي علماني قوي – يبقى في السلطة في سوريا.

أشار الى ان هذا يتناقض مع ايران التى تريد ان يبقى الاسد فى السلطة، ولكنها لا تريد بالضرورة ان تراه يصبح قويا جدا. تفضل طهران بدلا من ذلك السيطرة على سوريا من قبل ائتلاف، على غرار لبنان، بحيث يمكن للميليشيات الشيعية التي تدعمها أن تلعب دورا بارزا في البلاد.

أضاف زلزبرغ ان روسيا قد ترغب في ان ترى حربا صغيرة بين اسرائيل وحزب الله حيث يمكن لموسكو زيادة تحسين وضعها الدولي من خلال التفاوض على وقف لاطلاق النار. مع ذلك، فإنها يدرك أنه نظرا لأن الرأي السائد هو أن أي قتال متواصل بين الاثنين من المرجح أن ينتقل إلى حرب شاملة – مع إطلاق حزب الله ما يزيد على ألف صاروخ وقنبلة يوميا على إسرائيل، في حين أن الجيش الإسرائيلي يرد مرة أخرى مع ضربات من الجو والبحر والأرض – ينبغي تجنب جميع الصراعات بين الجانبين.

اللعبة الوحيدة في المنطقة

إن دعم الأسد وضع موسكو على نفس جانب المؤيدين الرئيسيين لسوريا الآخرين، إيران وحزب الله، الأمر الذي يجعل المسؤولين الإسرائيليين حذرين من نظرائهم الروس.

نقل تقرير مجموعة الأزمات عن مسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية لم يذكر اسمه قوله: “من الصعب الوثوق بهم. إنهم يقولون لنا إنهم لا يبيعون أسلحة لحزب الله، لكننا نعرف حقيقة أنهم يفعلون ذلك. إن سياساتهم ساخرة. انهم ليسوا وسيطا مغريا”.

وفقا لمحللي الدفاع، ساعد القتال إلى جنب القوات الروسية أيضا على تحويل حزب الله إلى جيش أكثر فعالية مع تكتيكات واستراتيجيات وأسلحة أفضل.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، 7 يونيو 2017 (Prime Minister’s Office)

ومع ذلك، هناك تفاهم بين البعض في إسرائيل بأن روسيا، وإن لم تكن مغرية، هي الوسيط الوحيد الذي له تأثير كبير على إيران وحزب الله.

“المشكلة هي أنه، على الجانب الإسرائيلي، لا ندرك جميعنا من هو الرئيس. نحن لسنا قوة عظمى. هم قوة عظمى.” قال مسؤول في الجيش الإسرائيلي لمجموعو الأزمات.

وقد اضطرت إسرائيل بالفعل إلى الحفاظ على علاقة وثيقة، وإن كانت غير مستقرة مع موسكو بسبب تدخلها في المنطقة.

S-400 نظام الدفاع الصاروخي تريومف في قاعدة هميمين العسكرية الروسية في محافظة اللاذقية، في شمال غرب سوريا، في 16 ديسمبر 2015. (Paul Gypteau/AFP)

بعد أن أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية غزت أجواءها، قامت موسكو بتثبيت نظام دفاع صاروخ من طراز S-400 في سوريا. بواسطة هذا الجهاز باستطاعة روسيا، التي تعد واحدة من اكثر بطاريات الطائرات المضادة للطائرات تقدما فى العالم، مراقبة الغالبية العظمى من المجال الجوي الاسرائيلي النشط، بما في ذلك الرحلات العسكرية الاسرائيلية.

أو، كما قال مسؤول إسرائيلي لمجموعة الأزمات، “لا يمكن أن تطير ذبابة فوق سوريا دون موافقة روسية في الوقت الحاضر”.

كان ذلك بمثابة ضربة مروعة للقوات الجوية الإسرائيلية التي كانت حتى ذلك الحين تتمتع بتفوق جوي لا جدال فيه في المنطقة، وطالبت القدس وموسكو بإنشاء خط ساخن لمنع أي نزاعات محتملة بين الجيشين.

رئيس أركان تاجيش الإسرائيلي غادي إيزنكوت (يسار) يجتمع مع رئيس أركان الجيش الروسييفاليري غراسيموف في موسكو، روسيا، في 21 سبتمبر 2015. (Israel Defense Forces)

وقد حافظت القدس علنا ​​على “خطوط حمراء” التي في حالة عبورها، ستؤدي إلى تدخل عسكري إسرائيلي في سوريا، لا سيما محاولات تصنيع ونقل أسلحة متقدمة التي قد تؤدي الى “تغيير اللعبة” إلى حزب الله. في السنوات الأخيرة، شنت القوات الجوية الإسرائيلية ما ياقرب 100 غارة جوية ضد انتهاكات واضحة لهذه “الخطوط الحمراء”، وقال رئيس القوات الجوية في الجيش الإسرائيلي المنتهية ولايته لصحيفة هآرتس في عام 2017.

وعلى الرغم من هذا الحجم الكبير من النشاط في سوريا، لم تحدث اشتباكات كبيرة بين إسرائيل وروسيا في ضوء جهود التنسيق بين البلدين.

عملت اسرائيل دبلوماسيا مع روسيا لتأمين منطقة عازلة حول الحدود الجنوبية الغربية السورية حيث لن يسمح لحزب الله وغيره من الميليشيات الشيعية المدعومة من ايران بالحفاظ على وجودها.

كانت المنطقة الحدودية بطبيعة الحال مصدر قلق كبير لإسرائيل التي لا تريد أن ترى حزب الله يبني مواقع عسكرية على مرتفعات الجولان للانضمام إلى البنية التحتية الهامة التي وضعتها مسبقا في جنوب لبنان.

في الشهر الماضي، استعاد الجيش السوري، بمساعدة بعض الميليشيات الشيعية، السيطرة على منطقة بيت جن، أو بيت جان، التي تقع على بعد 13 كيلومترا فقط من منتجع جبل الشيخ للتزلج في إسرائيل.

على الرغم من أنه يركز حاليا على استعادة منطقة إدلب في شمال غرب سوريا، فمن المرجح أن يركز هذا التحالف قريبا اهتمامه على منطقتي القنيطرة ودرعا، بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

على الرغم من أن إسرائيل قد ضمنت عزل هذه المنطقة، فإن تقرير مجموعة الأزمات يشير إلى أنه سيكون من السهل نسبيا على هذه المجموعات أن تتغلب على القيود، “على سبيل المثال عن طريق دمج المقاتلين في الجيش السوري أو مجرد الباسهم الزي الرسمي”.

تؤكد مجموعة الدعوة أنه قبل تحرك محور سوريا-إيران-حزب الله باتجاه الجنوب الغربي، يجب على روسيا العمل على التفاوض على اتفاق بينها وبين وإسرائيل.

تشير مجموعة الأزمات إلى أن إصرار إسرائيل على أن تبقى القوات الإيرانية أو المدعومة من إيران خارج جنوب سوريا سيكون أصعب المفاوضات، لأن حزب الله والميليشيات الشيعية لن يميلوا إلى قبولها، ويمكنهم الغش بسهولة من خلال تمويه أنفسهم كسوريين.

غير أن كتاب تقرير المجموعة يقولون إن ذلك يمكن أن يحل عن طريق الحصول على موافقة روسيا على منع إيران من إنشاء أنواع البنية التحتية الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل، مثل ميناء بحري يمكن للجمهورية الإسلامية من خلاله شن هجمات ضد حقول الغاز الطبيعي الإسرائيلي، نقل أسلحة إلى حزب الله، أو مصنع لإنتاج صواريخ دقيقة.

“لا يزال هناك وقت لروسيا لتحاول التوسط في مجموعة من التفاهمات لمنع المواجهة، لحماية كل من استثمارها في النظام والحياة السورية والإسرائيلية واللبنانية”، قالت مجموعة الأزمات.