محكمة عوفر العسكرية، الضفة الغربية – توقف خط المنتظرين عند نافذة تسجيل الوصول خارج محكمة عوفر العسكرية عن التحرك. بدأ أكثر من مائة من الصحفيين والدبلوماسيين والناشطين بالهيجان، قلقين من أن لا يحضروا بدء محاكمة الفتاة الفلسطينيةعهد التميمي.

خرج ضابط من المحكمة من الجانب الآخر من النافذة الزجاجية وبدأ يصرخ على الحشد بالتراجع.

قال أحد المراسلين باللغة العبرية المكسّرة: “نحن هنا من أجل جلسة استماع التميمي”. على افتراض أن ليس كل من في المجمع يعرف عن الفتاة الفلسطينية البالغة من العمر (17 عاما)، والتي تم تصويرها في ديسمبر الماضي وهي تصفع جندي إسرائيلي خارج منزلها في قرية النبي صالح في الضفة الغربية.

“هذا واضح”، قاطع الضابط. “لكنكم ترون كل هؤلاء الناس على الجانب الآخر من البوابة؟”، مشيرا إلى حشد متساو الحجم من الفلسطينيين الذين يقفون وراء المجموعة الأجنبية في غالبها. “هؤلاء هم أفراد أسرتها، فضلا عن أشخاص آخرين هنا لمحاكماتهم الخاصة. أنتم تمنعوني من السماح لهم بالدخول”.

ومع ذلك، لم يتحرك أحد.

“ماذا قال؟” سأل أحد المراسلين الذين وصل من لندن لتغطية المحاكمة. لم يتلق أي رد، مما أوضح أن معظم الحشد لا يتكلم العبرية.

في نهاية المطاف، ظهر جندي ناطق باللغة الإنجليزية من وحدة المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي وأوضح للحشد لماذا يحتاجون إلى التراجع وفسح المجال.

باسم التميمي (مركز) وهو والد عاهد التميمي، البالغة من العمر 17 عاما، يصل إلى بداية محاكمتها في المحكمة العسكرية الإسرائيلية في سجن عوفر العسكري في قرية بيتونيا بالضفة الغربية في 13 فبراير 2018. (THOMAS COEX/AFP)

مشهد يوم الثلاثاء هو رمزا لما أصبحت عليه محاكمة التميمي: انها محتوى يجب على المراقبين الأجانب رؤيته حتى وإن اصطدم حماسهم بسماع ومشاركة قصة من أصبحت الرمز الفلسطيني مع حقيقة أنهم لا يستطيعون فهم اللغات التي تحكى بها هذه القصة.

احتفلت التميمي بعيد ميلادها السابع عشر من السجن الشهر الماضي بعد أن أمر قاض عسكري بإعادة احتجازها حتى انتهاء الإجراءات ضدها. صدر نفس الحكم ضد والدة عهد، ناريمان، التي ظهرت أيضا في اللقطات التي انتشرت على نطاق واسع. وأطلق سراح ابنة عمها، نور التميمي، بعد اتهامها بمشاركتها في الحادث في 15 ديسمبر.

قالت عهد للمحكمة في ديسمبر أن نفس الجنود الذين يظهرون في الفيديو أصابوا ابن عمها في الرأس برصاصة مطاطية قبل ساعة من تصوير الفيديو. “رأيت نفس الجنود الذين ضربوا ابن عمي، وهذه المرة أمام بيتي. لم أستطع الحفاظ على الهدوء، وأجبت كما فعلت”، قالت.

تواجه أفراد عائلة التميمي الثلاثة تهمة الإعتداءات المشددة. تتضمن لائحة الإتهام ضد عهد 12 تهمة منها بيانا أعطته لأمها – التي كانت تصور الحادث مباشرة على فيسبوك – الذي أشارت فيه إلى عمليات الطعن والهجمات الانتحارية ضد الإسرائيليين باعتبارها شكلا مشروعا من أشكال مقاومة الحكم العسكري.

وأصبحت منذ ذلك الحين قضية شعبية لمؤيدي الفلسطينيين، وعقدت مسيرات في عدة مواقع تدعو إلى إطلاق سراحها. ويرى العديد من الفلسطينيين أنها تتعامل بشجاعة مع السيطرة العسكرية على الضفة الغربية، بينما يتهم الإسرائيليون عائلتها بإستخدامها كضحية.

“أعتقد أنه يقول يجب أن نغادر”

 

عند دخول الحشد، وجدوا أن مجال الرؤية مغطّى لأن نحو 12 مصورا كانوا قد وصلوا في وقت مبكر، وقفوا في الجزء الأمامي من مجال الرؤية، وكاميراتهم تستهدف مباشرة الباب الذي ستدخل منه عهد.

لم يلاحظ الا البعض عندما دخل القاضي العسكري إلى قاعة المحكمة المبنية من غرف متنقلة، حيث كان الحضور مشغولون بالتقاط صور لعهد. حاول ضباط المحكمة تهدئة الجميع، ولكن الضجة كانت أكثر من اللازم بالنسبة للقاضي، لذلك أمر الجميع – باستثناء أقارب عهد – بالخروج.

عهد التميمي تصل إلى بداية محاكمتها في محكمة عوفر العسكرية في الضفة الغربية في 13 فبراير / شباط 2018. (Thomas Coex/AFP)

بدأ ضباط المحكمة في تنفيذ أمر القاضي، وحثوا الجمهور على الخروج من الغرفة، ولكن الأغلبية لم تتحرك مرة أخرى. سألت دبلوماسية أوروبية بشكل محموم عما كان يتجلى.

قالت زميلتها: “أعتقد أنه يجب أن نترك، لكنني لست متأكدة”.

بعد أقل من دقيقة من نجاح الضباط في تمرير الجميع إلى ساحة الفناء خارج الغرفة، فتحت الأبواب مرة أخرى وتم السماح لجميع من هم غير مصورين بالدخول مرة أخرى.

لكن هذه المرة ما حدث هو ان القاضي مناحيم ليبرمان أعلن رسميا قراره بإرجاء ما تبقى من جلسة الاستماع وراء الأبواب المغلقة.

ذكر ليبرمان “مصلحة القاصر” في تبرير هذه الخطوة. لكن كلماته كانت على الأرجح دون معنى لمعظم من في قاعة المحكمة، الذين لم يتكلموا العبرية التي نطق بها القاضي ولا العربية التي نطق بها المترجم.

اعترضت محامية التميمي غابي لاسكي على القرار، بحجة أنه كان ضد رغبة المدعى عليها وعائلتها، ولكن ليبرمان لم يغير رأيه وبدأ ضباط المحكمة مرة أخرى باخراج الحشد.

ضائع في الترجمة

ظهرت مجموعة كبيرة من الحاضرين مرة أخرى في البرد الرطب في فبراير حول موظف من مجموعة حقوق “بتسيلم”، الذي اطلع الحشد الأجنبي باللغة الإنجليزية على قرار القاضي.

خرجت لاسكي من قاعة المحكمة لتقديم بيان سريع للصحفيين – باللغة الإنجليزية، طبعا – للتعبير عن غضبها على الحكم.

أوضحت المحامية أنه عند عودتها إلى داخل الغرفة، فإنها ستجادل بأنه نظرا لأن احتلال إسرائيل للشعب الفلسطيني غير قانوني، فإن قضية محاكمة التميمي العسكرية هي غير شرعية كذلك.

يبدو أن خط الدفاع يشكل معركة شاقة للاسكي في أنه يتطلب من القاضي أن يندد سلطته من أجل الحكم في صالح التميمي.

لكن جمهورها خارج القاعة لم يكن قلقا لأنهم هزّوا رؤوسهم في الموافقة على الدفاع.

طلب منها مراسل إسرائيلي وحيد أن تقدم تصريحا باللغة العبرية، لكنها لم تقل إلا على بضع كلمات قبل أن يتم إعادتها إلى قاعة المحكمة لبدء الإجراءات.

مع القليل من المعلومات التي كانت لديهم، بدأ بعض الصحفيين بث الأخبار على الفور.

قال أحد المراسلين الأوروبيون: “إننا هنا خارج المحكمة حيث بدأت محاكمة عهد التميمي لتوها ولكن بناء على طلب من الاسرة، امر الجميع بالخروج من الغرفة”، موضحا بشكل غير دقيق سبب جلسة الاستماع المغلقة.

فلسطينيون ينتظرون خارج محكمة عوفر العسكرية في الضفة الغربية في 13 فبراير / شباط 2018. (Jacob Magid/Times of Israel)

الدبلوماسيون ظهروا بشكل رسمي أكثر بكثير من بين الصحفيين الذي لبسوا ملابس يومية. لقد وصلوا الى المحكمة من السفارات في تل ابيب والقنصليات في القدس ومثلوا دولا مثل السويد وايرلندا واسبانيا وايطاليا.

قال مسؤول في القنصلية السويدية في القدس لوكالة فرانس برس: “نحن هنا في الأساس لكي نراقب ونوصل الأخبار لحكوماتنا”.

إلى جانب الدائرة الدبلوماسية وقف اثنان من المتدربين من القنصليات الإسبانية والإيطالية، الذي قارنوا نصف الصفحة من الملاحظات التي كانت لكل منهم وجمعوها خلال دقيقتين في قاعة المحكمة.

“ان وجودنا يظهر ان بلادنا تشعر بالقلق ازاء سجل اسرائيل لاحتجاز الاطفال. على الأقل، هذا ما شرحه زعماءنا عندما أرسلونا هنا”، اعترف المتدرب الإيطالي.

نور التميمي (الثانية من اليسار) وعمتها ناريمان التميمي (الثانية من اليمين) يحضران جلسة استماع في محكمة عوفر العسكرية في الضفة الغربية في 1 يناير / كانون الثاني 2018. (AFP Photo/Ahmad Gharabli)

ردا على سؤال حول ما إذا كان يعتقد أن محاكمة التميمي كانت تتلقى قدرا غير متناسب من الاهتمام الدولي، قام الموظف بفحص الفناء المليء بمراقبين بانتظار أي تحديث إضافي من الداخل.

“أنا بصراحة لا أعتقد ذلك. تراقب ايطاليا حالات مماثلة فى دول اخرى ايضا”، قال. “بالإضافة إلى ذلك، تم بث هذا الحادث على فيسبوك. لقد شاهده العالم كله”.

كانت هذه النقطة واضحة بالنسبة لعبد الرحمن عمرو، وهو فلسطيني يبلغ من العمر 14 عاما كان حاضرا أيضا في الفناء، بانتظار بدء محاكمته الخاصة بعد التميمي.

وقال عمرو المطوّق على يد والدته أنه كان بالقرب من منطقة اندلعت فيها اشتباكات بين جنود الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين في مدينة الضفة الغربية المزدحمة. ادعى عمرو أن الجنود ربطوه بالخطأ بالقاء الصخور واحتجزوه في مكان الحادث، وعاملوه بوحشية في هذه العملية.

“لقد ضربوني بركبهم مرارا وتكرارا في الرأس. كنت مغطى بالدم”، قال، وانحنى لإظهار جرح على فروة رأسه.

وقال أنه احتجز في السجن لمدة يومين قبل الإفراج عنه. بعد أكثر من شهرين تلقى مكالمة هاتفية من مسؤول عسكري طلب منه أن يحضر إلى محكمة عوفر العسكرية يوم الثلاثاء.

يقف عبد الرحمن عمرو (14 عاما)، وهو من سكان الخليل، إلى جانب والدته خارج محكمة عوفر العسكرية في الضفة الغربية في 13 فبراير / شباط 2018. (Jacob Magid/Times of Israel)

ثم اقترب الى عمرو ناشط أمريكي سأله عما إذا كان مرتبطا بالتميمي. عندما هز المراهق رأسه مجيبا بأن لا علاقة له بها، ابتعد عنه الناشط.

“لو كانت كاميراتهم نحونا مثلما هي نحو عهد، لكل هؤلاء الناس كانوا سيحاولون التحدث معنا أيضا”، أم عمرو قالت.

العودة إلى البيت

بعد ساعتين تقريبا، دخل معظم المراقبين الأجانب إلى غرفة طعام خارج قاعة المحكمة لبعض الدفء.

مع عدم وجود لو كلمة من داخل قاعة المحكمة وعدم وجود أي دليل على انتهاء جلسة الاستماع، بدأ عدد من الدبلوماسيين مناقشة خطط العودة إلى ديارهم.

ينتظر الصحفيون والدبلوماسيون والناشطون في غرفة خارج محكمة عوفر العسكرية، حيث تجري محاكمة عهد التميمي خلف أبواب مغلقة في 13 فبراير / شباط 2018. (Jacob Magid/Times of Israel)

قال عامل بالسفارة السويدية لزملائه: “لقد اثرنا ضجة من خلال المجيء الى هنا”.

ومع بقاء أفراد عائلة التميمي داخل قاعة المحكمة، قالت المجموعة وداعا لأعضاء الوفود الأوروبية الأخرى، وشرعت من خلال متاهة من السياج الحديدي في الخروج من المجمع.