وهكذا، من دون ضجة كبيرة، انتهت يوم الثلاثاء تسعة أشهر من المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. من دون اتفاق سلام أو احتفالات مؤثرة، من دون انفجارات وانتفاضة. في الجانب الفلسطيني ألقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) كلمة خاصة، بُثت على التلفزيون الفلسطيني وعرض خلالها شروط تجديد المحادثات: إطلاق أسرى الدفعة الرابعة، وتجميد كامل للبناء في المستوطنات ومفاوضات لثلاثة أشهر يتم خلالها تحديد حدود الدولتين، إسرائيل وفلسطين. في الجانب الإسرائيلي لم يُسمع صوت رئيس الحكومة بينيامنين نتنياهو بشأن هذه المسألة. يبدو أنه تم إزالة خطر اتفاق السلام وباستطاعة نتنياهو تنفس الصعداء- لا يزال تحالفه كاملا وكبيرا. اختفى خبر انتهاءالمفاوضات بشكل رسمي في إسرائيل داخل الأنباء عن جلسات الاستماع في المحكمة عن عقاب رئيس الحكومة السابق أيهود أولمرت ومباراة ريال مدريد وبايرين ميونخ. في الملعب كانت هناك مبارة من طرف واحد (لصالح ريال مدريد لمن فاته الأمر)، ومع ذلك، فإن رونالدو وزملاءه أفضل بكثير من تقرير آخر عن المحادثات العقيمة.

سئل مسؤول أمريكي رفيع المستوى قبل أربعة أشهر، لماذ قررت الولايات المتحدة تحديد المحادثات السياسية لتسعة أشهر ورد مازحا، وربما كان جادا، بأنه قد يكون ذلك مثل الحمل، المفاوضات قد تلد اتفاق سلام. الاستنتاج الواضح على ما يبدو هو أن هذا الحمل انتهى بإجهاض. مع أنه لا يزال من المستحيل التوصل إلى استنتاجات بعيدة المدى، ليس في هذه الرحلة على الأقل. توجد للطرفين مصلحة مشتركة للحفاظ على الهدوء، وحتى الاستمرار في المحادثات، حتى إذا لم يتوصلوا إلى نتيجة هامة، على الأقل لاظهار صورة لاتصالات من نوع ما. سئل نفس المسؤول الأمريكي خلال نفس المحادثة “ماذا سيحدث بعد انتهاء التسعة أشهر”، ماذا ستكون خطة ب؟ امتنع عن الإجابة ولكن يبدو أن هذا السؤال طُرح عشرات المرات قبل ذلك. بالتالي يبدو أن هناك احتمال كبير بأنه توجد للإدارة الأمريكية خطة طوارئ “لليوم التالي”. من الصعب معرفة ما هي هذه الخطة. ربما سيتم عرض “الخطوط العريضة” الشهيرة لأوباما ورؤية من سيتجرأ على رفضها. وربما سيتم ترك الطرفين للتعامل مع ما قاموا بطبخه: أن تقف إسرائيل وحدها أمام الإنتقادات الدولية وربما وقف المساعدات للفلسطينيين إذا كان هناك تصعيد على الأرض.

تطرق عباس بنفسه لهذا السؤال عند لقائه مع صحافيين إسرائيليين قبل عشرة أيام. كان ذلك قبل الإعلان عن اتفاق المصالحة بين حماس وانفجار محداثات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. “ماذا سيحدث في اليوم الذي يلي 29 أيريل؟” سئل عباس. أوضح أبوم مازن أنه لن يحدث اي شيء غير عادي. حتى انه ألمح إلى أن المحادثات ستستمر من خلال قنوات غير رسمية. وشدد أيضا على أن التنسيق الأمني بين الطرفين سيستمر. هل من الممكن ات تبدأ الآن محادثات سرية بين الطرفين؟ ولماذا سيكون الجوااب لا. إذا كان التنسيق الأمني يدور في قنوات سرية ونصف سرية، وإذا كان قائد المنطقة الوسطى نيتسان ألون ومنسق العمليات في الأراضي الفلسطينية اللواء يوآف (بولي) مردخاي، يقومان بزيارة رام الله وليس بالسر، هل من الصعب أن يتم إجراء لقاء بين ممثلين من الطرفين للحديث عن “ما يجب فعله” للتوصل إلى انفراج في المفاوضات؟ إن المرشحين للقاء من هذا النوع موجودون. يتسحاق مولخو، المبعوث الدؤوب لرئيس الحكومة وماجد فراج، رئيس جهاز المخابرات العامة. لا يمكن القول أن الرجلين من المعجبين بوسائل الإعلام، وهما يمتنعان عن تقديم لقاءات وتصريحات ويدركان أهمية التسوية السياسية. ولكن الأمر لا يتعلق بهما. في نهاية المطاف يدرك كل من نتنياهو وعباس أنه سيكون هناك ثمن للانفراج في العملية السلمية ولا يبدو أنهما متحمسان لدفعه. نتنياهو غير متحمس لتفكيك حكومته وأبو مازن لا يثق بنتنياهو. ويشكل اتفاق المصالحة أيضا انتصارا هاما، ولو كان مؤقتا، أمام حماس ولن يسارع في التنازل عنه. وافقت حماس عمليا على قبول كل شروط أبو مازن: التنازل عن المشاركة في الحكومة التي ستكون برئاسة عباس، وقبول كل شروط الرباعية الدولية وإجراء انتخابات خلال ستة أشهر.

شدد أبو مازن على هذه الأمور في خطابه أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم السبت الماضي. في ما يبدو كخطاب معتدل أوضح فيه للجمهور الإسرائيلي بطريقة أو بأخرى بأن كل ما طلبته إسرائيل على مر السنين موجود في اتفاق المصالحة: “هذه الحكومة برئاستي”، قال عباس في إشارة منه إلى حكومة التكنوقراط التي يتم التخطيط لتشكيلها. “أنا أعترف بإسرائيل وهي تعترف بإسرائيل، وأنا أنبذ العنف وهي تنبذه كذلك، وأنا أعترف بالاتفاقات السابقة وبشرعيتها والحكومة ستفعل ذلك أيضا”، حسبما قال عباس. ولكنه اكتشف بعد ذلك أن في إسرائيل 2014 لا يوجد أي شخص راغب في أن يسمعه أو يستمع إليه. جاء في البيان الذي صدر من مكتب رئيس الحكومة في أعقاب الخطاب أن “عباس حرص على قتل عملية السلام”. في مكتب نتنياهو كما يبدو لا يسمحون للحقائق، أو في هذه الحالة للتصريحات، بإرباكهم. في اليوم التالي أصدر الرئيس الفلسطيني بيانا قال فيه أن المحرقة هي أسوأ جريمة في تاريخ البشرية. ومرة أخرى جاء الرد الصهيوني بالشكل المناسب من طرف نتنياهو: تصالح عباس مع منكري المحرقة. ما كان ينقص هو أن يأتي الوزير يوفال شتاينتس ويدعي مرة أخرى أن أبو مازن هو واحد أكبر المعادين للصهيونية في العصر الحديث.

الشيطان في التفاصيل

“الشياطن في التفاصيل”. هذه الجملة تُسمع مرارا وتكرارا من المسؤولين في فتح في الأيام الاخيرة عندما يدور الحديث عن المصالحة. الشيطان في التفاصيل. الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية المركبة من تكنوقراطيين، هي ليست بسهلة والطريق إلى إجراء انتخابات عامة للرئاسة والبرلمان، ستكون طويلة ومعقدة أكثر. وهذه هي المشاكل التي على الحركتين حلها في الثلاث أسابيع ونصف المتبقية حتى تشكيل الحكومة. الأولى، ماذا سيكون مصير 20 ألف شخص من أفراد قوات الأمن في حماس؟ جميعهم مسلحون، جزء منهم من رجال الشرطة العاديين، وجزء آخر من رجال المخابرات وما يقارب ألف شخص مسؤولون عن منع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. من سيدفع لهم رواتبهم؟ هل سيواصلون الامتثال لتعليمات اسماعيل هنية أم أنهم سيعملون من الآن وصاعدا تحت أمرة عباس.

يوم الثلاثاء قال أحد المسؤولين في حماس، محمود الزهار، في لقاء مح صحيفة “اليوم السابع” المصرية، بأنه لن يكون هناك أي مسلح في غزة سيعمل تحت أمرة الرئيس محمود عباس. لا يتمتع الزهار بنفس المكانة التي كان يتمتع بها في الماضي، ولكن قد يخلق هذا التصريح مع ذلك جوا من التوتر مع فتح. إذا لم يكن هناك “أي مسلح”، كما قال الزهار سيمتثل لأوامر أبو مازن، فهذا يعني عدم وجود أي معنى لاتفاق المصالحة. وحتى ان الزهار لم يحاول التحدث فقط عن نشطاء الذراع العسكري الذين يدرك الطرفان بأنهم لن يقوموا بتسليم أسلحتهم للسطلة الفلطسينية. لقد تحدث عن “كل مسلح”- وهذا يشمل حتى الشرطة المدنية. المشكلة الثانية هي مصير مستخدمي حكومة حماس، 20-30 ألف شخص آخر تلقوا أجورهم حتى اليوم من حكومة حماس. لا توجد لأبو مازن الموارد التي ستمكنه من دفع الرواتب ل-40-50 ألف شخص من مستخدمي حماس، إلى جانب ال-160 ألف مستخدم الذين يقوم بدفع رواتبهم. المشكلة الثالثة تتعلق بالقوانين التي قامت حكومة حماس بتمريرها في القطاع في السنوات الأخيرة، وخاصة تلك ذات الطابع الديني: منع النساء من التجول على الشاطئ بمفردها، وحظر تسريحات الشعر على غرار تسريحات رونالدو، ومنع النساء من ركوب الدراجات النارية وما إلى ذلك. هل ستوافق حكومة أبو مازن على الحفاظ على هذه القوانين؟

وإذا حدث وتم تشكيل هذه الحكومة، ستبقى مسألة ثانوية أخرى، مسألة الانتخابات. كيف سيتم إجراء انتخابات في الأراضي الفلسطيينة بالضبط؟ فالكثير كم قادة حماس في السجون الإسرائيلية وقوات الأمن الإسرائيلية تحد من تحركات أولئك الموجودين خارج السجون. والسؤال الاكثر أهمية، أين ستجرى هذه الانتخابات؟ سيطالب عباس وحماس ان تجرى هذ الانتخابات في الضفة وغزة وشرقي القدس. ولكن إسرائيل لن توافق على إجراء انتخابات في القدس الشرقية تشارك فيها حماس. في حالة كهذه قد يقوم عباس وحركة حماس بإلغاء الانتخابات. وقد يكون هذا هو السلم الذي سيساعد عباس على النزول عن شجرة الانتخابات. فبالرغم من كل شيء، خاطر عباس بالرهان على إجراء انتخابات في الوقت الذي يعاني فيه الفتح من الضعف والانقسام. في نهاية عام 2005 وبداية 2006، كادت حكومة إسرائيل (بداية برئاسة أريئيل شارون وبعد ذلك أيهود اولمرت)، ان توافق على المشاركة في واحد من ألمع المناورات السياسية التي أردات السلطة الفلسطينية القيام بها. خشى مسؤولون في فتح من أن الانتخابات قد تؤدي إلى هزيمة أمام حماس، ولذلك توصلوا إلى تفاهمات مع الطرف الإسرائيلي بأن تعلن الحكومة الإسرائيلية عن عدم استعدادها لاجراء انتخابات في القدس الشرقية. في هذه الظروف سيعلن عباس أنه غير موافق على الانتخابات وبذلك لا تخاطر فتح بهزيمة ممكنة. لم يتم تنفيذ هذه الخطة في نهاية المطاف لأسباب عديدة والعواقب كانت وخيمة: انتصار كبير لحماس. هل من الممكن أن تنجح هذه المناورة هذه المرة؟ لا يزال اولقت مبكرا لتحديد ذلك، حيث انه ليس هناك أي ضمان بنجاح حركتي فتح وحماس بتشكيل حكومة وحدة وطنية.