إنها مجموعة تتبع أسلوب “الوشاية”، محاربون سابقون في القوات الإسرائيلية الذين يوثقون سرا ما يعتقدون أنها انتهاكات في الضفة الغربية شهدوها خلال خدمتهم العسكرية. مكروهون في بعض دوائر الجمهور الإسرائيلي، ومحبوبون في أخرى، يعتبرون عرض هذه المعلومات في وسائل الإعلام وسيلة فعالة لتغيير الوضع في الواقع، في حين أثار منتقدوهم في كل مناسبة الشكوك حول أساليب تمويلهم الغامضة.

قراء مدركين للغضب الشعبي مؤخرا في إسرائيل يمكن أن يغفر لهم للإعتقاد أن الوصف أعلاه يشير إلى المنظمة اليسارية “كسر الصمت” غير الحكومية. ولكن في الواقع، هو أيضا وصف لمنظمة “عاد كان” اليمينية (اسمها يعني “يكفي حتى هنا” في العبرية)، أعضاؤها، متنكرون في زي نشطاء حقوق إنسان، تسللوا إلى بعض المنظمات اليسارية الإسرائيلية وسجلوا أنشطتهم خلسة.

إنهم “شتوليم”- الكلمة العبرية سيئة السمعة “لجواسيس” التي دخلت مؤخرا في الخطاب الإسرائيلي لوصف وتشويه سمعة المنظمات غير الحكومية اليسارية التي تمولها الحكومات الأجنبية، والتي انغرس فيها نشطاء من اليمين كجزء لا يتجزأ من هذه المجموعات للتتجسس عليها. وعلى الرغم من أن مختلف منظمات حقوق الإنسان هذه بعيدة جدا سياسيا من “عاد كان”، حيث أن لها أهداف مختلفة كليا، وتستاء من هذه المقارنة على الأرجح، يقول مؤسس “عاد كان” جلعاد آخ أن استراتيجية عمل منظمته مستوحاة من تلك الأولى.

وقال عن فكرة تصوير الناشطين، “لقد تعلمنا هذا التكتيك على وجه التحديد من هذه المنظمات”، وأضاف: “منظمات مثل ’كسر الصمت’ و’فوضويون ضد الجدار’ و’تعايش’ و ’بتسيلم’ – ماذا يفعلون؟ هم يصورون جنود الجيش الإسرائيلي، يجمعون وثائق عن هؤلاء الجنود من داخل الدولة، كما هو الحال، كمواطنين، ومن ثم يعرضوها على العالم”.

وتابع قائلا: “نحن نستخدم الأسلوب ذاته. الفرق الوحيد هو أن كاميراتهم الخاصة ظاهرة، وكاميراتنا مخفية”.

من المخالفات البيئية وصولا إلى حقوق الإنسان

لقد بدأ ذلك مع رصد مخالفات بيئية.

مع إقتراب نهاية ست سنوات من الخدمة العسكرية في لواء غولاني، شقيق آخ الأكبر – جندي كوماندو في البحرية الإسرائيلية سابقا، الذي تعرض خلال فترة تدريبه لمياه نهر كيشون الملوثة بشكل كبير، توفي من مرض السرطان. (تحقيق للجيش الإسرائيلي حول ارتفاع الإصابة بالسرطان بين الجنود الذين تعرضوا إلى مياه النهر الملوثة خلص إلى أنه لم يكن هناك صلة مباشرة، ولكن تم تعويض العائلات في وقت لاحق على الرغم من ذلك).

آخ  البالغ (32 عاما)، يهودي متدين نشأ في الضفة الغربية، وفريق من جنود سابقين أسسوا المنتدى لمنظمة اسرائيل الخضراء غير الحكومية وبدأوا بتصوير المخاطر البيئية في الضفة الغربية سرا، حيث كانت هذه الأنظمة غير مطبقة إلى حد كبير عبر البلاد. في البداية، كانت مجموعة من المتطوعين توثق شاحنات تلقي النفايات في البحر الأبيض المتوسط ​​أو المحاجر غير القانونية في الضفة الغربية، وتسلم المعلومات مباشرة إلى وزارة حماية البيئة.

يقول آخ، “كان ذلك بريئا بعض الشيء. في أفضل الأحوال، تم رميها بعيدا في مكان ما. في أسوأ الأحوال، تم رميها في سلة المهملات”.

عند تأسيس المنظمة غير الحكومية، غيرت الجماعة تكتيكاتها، مقررة الكشف عن النتائج التي توصلت إليها ليس مباشرة إلى السلطات، “لكن من خلال وسائل الإعلام”. قال آخ أنه منذ بدأت المجموعة عملها – والتي لا تزال تعمل – تم إغلاق نحو 13 من المحاجر غير القانونية، وتم تقديم إلتماس لمحكمة العدل العليا بشأن أربعة مواقع أخرى.

في مرحلة معينة خلال استطلاع للمجموعة، شهد آخ مشادة بين نشطاء حقوق الإنسان وجنود الجيش الإسرائيلي في تلال الخليل في الضفة الغربية، وصدم من قبل ما وصفه اليد العليا القانونية التي كانت للمجموعات فوق الجيش.

قائلا: “بعد ذلك، فكرت في ذلك – إنه وضع مستحيل. أنا أيضا قائد سرية في قوات الإحتياط. لأنك تملك بندقية، تملك أسلحة، تملك جنودا، ولكن ماذا ستفعل، هل ستطلق النار على هؤلاء الناس؟ إذا قبضت عليهم، سوف تقع أيضا في مأزق … لذلك قلت، عليك العمل في نفس الميدان”.

“إنهم [الجيش الإسرائيلي] يأتون مع أسلحة، والنشطاء يأتون مع الكاميرات. قلت، نحن أيضا نعرف كيفية التصوير. يمكننا أن نساعد في هذا الوضع”.

ابتداءا من عام 2013، آخ وعدد من النشطاء – في أوجها، ضمت المجموعة التي تعرف الآن بإسم “عاد كان” نحو 25 شخصا – بدأت تحضر الإحتجاجات الأسبوعية المنظمة ضد الجيش من قبل “فوضويون ضد الجدار”. من خلال العمل بشكل سري، كانت لديهم صعوبة في اختراق المجموعات إلى حد كبير لأن المنظمات كانت “مغلقة”، كما يقول. بداية، جاءوا دون كاميرات خفية. في النهاية، بدأوا بالتصوير دون علم المنظمات – خطوة غير ممنوعة بموجب القانون الإسرائيلي.

خلال حرب غزة عام 2014، بينما خدم في الإحتياط، جندت منظمة آخ أفيرام زئيفي، وهو مسؤول في وزارة الأمن العام سابقا، للمشاركة في قيادة المنظمة. كان معظم الأعضاء الآخرون من قدامى المحاربين في الجيش “الذي تعرضوا لرشق الحجارة” أثناء خدمتهم من قبل المتظاهرين الفلسطينيين وأعضاء من هذه المجموعات. ادرجت المجموعة نفسها كمنظمة غير ربحية في سجل المنظمات الإسرائيلية في شهر سبتمبر. كما يدير اخ منظمة غير حكومية ثالثة، التي تأسست عام 2013 واسمها “ماغين – من أجل إسرائيل يهودية وديمقراطية”.

روى قائلا: “أحضرت أشخاصا كانوا في الجيش، وحتى وكلاء مخابرات”. بعد الضغط عليه لإعطاء المزيد من المعلومات. قال بغموض: “بالضبط كما سمعت”. كفريق واحد، قاموا “بمحاكاة” بعض الأنشطة – “مثل عملية”، كما قال آخ.

تم تسليط الأضواء على المجموعة في شهر يناير بعد تحقيق للقناة الثانية الإسرائيلية في برنامج “عوفدا”، الذي بث تقريرا بالإعتماد على توثيقها. ركز البرنامج على ناشط منظمة “تعايش” عزرا ناوي، وهو سباك إسرائيلي أدين سابقا بإقامة علاقة غرامية مع قاصر فلسطيني، الذي اعترف أمام الكاميرا بـ”تسليمه” الفلسطينيين الذين باعوا أراض للمستوطنين الإسرائيليين لأجهزة الأمن الفلسطينية (والتي تُعتبر جريمة عقوبتها الإعدام في السلطة الفلسطينية). تم تصوير ناوي وهو يتباهى بإرساله هؤلاء الفلسطينيين للتعذيب أو للموت.

في اليوم الذي بث فيه التقرير، تقدمت المجموعة بشكوى للشرطة وتم إعتقال ناوي في المطار، حيث بدا أنه يحاول الفرار من البلاد. اعتقلت الشرطة ناوي وناشطين آخرين ظهرا في التقرير – أحدهم باحث ميداني فلسطيني في “بتسيلم” – لعدة أيام، قبل أن تأمر المحكمة بإخلاء سبيلهم بسبب عدم توفر أدلة كافية حول صحة الادعاءات المتعلقة بناوي. (ذكر آخ ان مجموعته سلمت الوثائق إلى الشرطة قبل عدة أشهر ولكن تم توجيه اتهامات رسمية فقط بعد التقرير).

برنامج الإعلامية إيلانا ديان، “عوفدا”، تعرض لإنتقادات حادة من قبل اليسار الإسرائيلي لإستناده في التقرير على توثيق منظمة يمينية. كاتبة صحيفة “هآرتس” أميرة هاس منظمة وصفت منظمة “عاد كان” بأنها “جاسوسة” اختلقت قصة ناوي (لم يعلق آخ على ما إذا كانت المعلومات صحيحة)، ومن جهته اتهم نائب رئيس تحرير “عوفدا” شاحر الترمان محرر هآرتس ألوف بن بشنه حملة ضد البرنامج التلفزيوني – وهو اتهام تم نفيه بشدة. (لم يذكر اسم رئيس تحرير “عوفدا”، جلعاد توكتالي، من ضمن أسماء العاملين على حلقة “عاد كان” ولم يعلق علنا ​​على الجدل).

في رسالة إلى الترمان، كتب بن أن عوفدا “تعاونت مع مجموعة فاشية عدوانية التي لم ‘تكشف الحقيقة’، ولكن العكس من ذلك بالضبط، العمل على إخفاء الحقيقة وردع كل من يحاول السرد للعالم واقع الإحتلال ومساعدة الفلسطينيين في مواجهة حرمانهم من ممتلكاتهم. لقد منحتهم وقت بث ثمين، بينما تجاهلتم بإعتقادكم بأنكم أقوم من الآخرين عواقب أفعالكم – بدءا من اعتقال الأبرياء”.

وكت بن، في رسالة نشرها موقع “واللا” الإخباري، “أن جميع التحذيرات والإعلانات عن التمسك بالحقيقة الصحفية والهجمات ضدنا لن تزيل بسرعة وصمة العار هذه”.

كما إتهم المنقدون أيضا ديان بالخلط بين تحركات ناوي مع جماعات حقوق الإنسان في المنطقة ككل، وأشاروا إلى أن توقيت البرنامج، الذي جاء كما تتهم الجماعات الحكومة باستهدافها مع مشروع قانون الشفافية للمنظمات غير الحكومية المثير للجدل وخلال عدة حملات من جانب المجموعة اليمينية “ام ترتسو” التي وصفت النشطاء والشخصيات الثقافية في وقت لاحق في إسرائيل، بـ”الجواسيس”. اتهمت ديان بالمساهمة في “مطاردة الساحرات” و”التحريض” ضد هذه الجماعات.

لكن ديان دافعت بشدة عن قرارها بث هذا التقرير، وكذلك فعلت “عاد كان”.

ويقولا آخ عن التجسس على هذه المجموعات، “لا أرى مشكلة أخلاقية مع ذلك. كما أنه ليس هناك مشكلة أخلاقية مع الناس الذين كشفوا عن الفساد”.

أيام قبل أن بث البرنامج، سحبت “عاد كان” نشطائها من هذه المجموعات. بحسب آخ، “في الوقت الراهن، لم يبقى الكثير من الناس في هذا المجال. عدد قليل من الناس”، ويقر بأنه سيكون زرع عملاء آخرين في المنظمات “صعبا جدا” الآن. وحول السؤال إن كان يعتقد أنه يمكن لنشطاء آخرين أن يتسللوا لمنظماته، أجاب: “ما تفعله للآخرين، يمكن أن يفعلون لك”.

ويقول عن منظمات حقوق الإنسان، “قبل ذلك كانوا منغلقين جدا”، ويتابع قائلا: “لا أحد يتعامل معهم. لم يتعامل الشاباك [جهاز الامن العام] معهم. لا أحد يعترف بهم. لقد وجدوا وسيلة للتحايل، فهم يطلقون على أنفسهم منظمات حقوق الإنسان، ولا يمكن المساس به. لا يريد الشاباك أن ينظر إليه في العالم مثل الكي جي بي أو ستاسي أو شيء من هذا القبيل”.

وهنا يكمن هدف المنظمة غير الحكومية: دفع السلطات إلى إتخاذ إجراءات ضد الناشطين.

“تماما كما أن هناك فرع يهودي للشين بيت الذي يتعامل مع هجمات ‘دفع الثمن’، يجب أن يكون هناك فرع يهودي يتعامل مع اليسار الراديكالي أو المنظمات الفوضوية التي تريد تفكيك دولة إسرائيل من الداخل. هذا هو بيت القصيد”، كما يقول آخ.

من يمولهم؟

الشهر الماضي وسط ضجة قضية ناوي، اجتمعت لجنة العدل، الدستور والقانون في الكنيست لمناقشة تقرير “عوفدا”. وخلال الجلسة الساخنة، تم رسم خطوط الصدع السياسي على الفور: أعضاء  حزب (ميرتس) في الكنيست بقيادة زهافا غلئون (إحدى مؤسسات منظمة بتسيلم) وتمار زاندبيرغ، طالبوا مرارا وتكرارا من “عاد كان” الكشف عن الجهات المانحة لها؛ عضو الكنيست عن (البيت اليهودي) نيسيم سموليانكي، الذي ترأس الجلسة، قال للمجموعة انها ليست مضطرة للرد على هذه المطالبات.

صاجت زاندبيرغ (قبل أن يتم إبعادها في وقت لاحق عن الجلسة)، “وكلاء من أنتم؟ كيف لي أن أعرف انه ليس بأنه لا يوجد كاهن نازي يمولكم؟”.

متحدثا في الإجتماع, قال زئيفي أن ميزانية المنظمة غير الحكومية تصل حتى 500,000 شيكل (130,000 $)، من “مانحين يهود وإسرائيليين”. وقال آخ أن ميزانية المنظمة أقرب إلى 200,000 شيكل، وذكر أن جنود سابقين (وهو من ضمنهم) تبرعوا بالأموال، وأن العديد من “الجواسيس” كانوا متطوعين. إحدى الجهات المانحة من خارج البلاد؛ الآخرين إسرائيليين، بحسب أقواله. لكن آخ، الذي لا يبدو أن يأبه للشعور بوجود مؤامرة إزاء منظمته، يرفض الكشف عن هويتهم.

ويقول: “أفضل ألا أفعل. في النهاية، فإن جماعتنا مهددة؛ أيضا أنا كنت مهددا. لا يوجد أي هدف لذلك”.

وفقا لمرصد المنظمات غير الحكومية، تملك منظماته الغير حكومية فترة صلاحية مدتها عامين قبل أن يكونوا ملزمين بتقديم تقارير حول تبرعاتهم إلى سجل الدولة، ولكن “عادة ما يكون إنفاذ القانون متراخ جدا”، بسبب آلاف المجموعات المسجلة. حين يبلغ عنها، يمكن للمنظمات أن تطلب أن تبقى جهاتها المانحة مجهولة لأسباب مختلفة.

بعد أيام من بث التقرير، أفاد الموقع الإخباري “واللا” أن المنظمة غير الحكومية ممولة من لجنة مستوطني السامرة التي ترعاها الدولة. نفت اللجنة التقرير، قائلة أنها دعمت المشاريع المجموعة الأولى لآخ، “منتدى إسرائيل الخضراء”، لتقديم تقارير عن محطات وقود ومحاجر غير قانونية في الضفة الغربية، ومشروع آخر حول تزوير الانتخابات. (مدونة “رتروسبكتيفا” ذكرت لاحقا أن مراسل “واللا” الذي نشر القصة على علاقة مع المتحدثة بإسم “كسر الصمت”).

منظمة آخ كذلك نفت انها ممولة من قبل منظمة تمولها الدولة، وأن “عاد” كان لم تتلق أي دعم من الدولة أو لم يكن لها أي علاقة بها على الإطلاق “إلا إذا كانت الدولة معقدة جدا”، كما قال.

من هنا

بفضل بث “عوفدا”، وضعت المنظمة على الخريطة، للأفضل أو للأسوأ. ولكن مستغلة لهذه الضجة، فهي تخطط لفعل الأمور بشكل مختلف في المرة القادمة.

ويقول آخ، “هناك تهديد جديدا للدولة الذي لا تعرف السلطات كيفية التعامل معه. حتى الآن، لم يتم التعامل معه. قضية ناوي هي مجرد مثال لكيفية عدم معرفتهم حول التعامل معه. قدمنا ​​لهم كل المواد”.

وتابع قائلا أن النتيجة “الأكثر إثارة للدهشة” للتقرير هي رد فعل “بتسيلم”، التي دافعت عن الفلسطينيين الذين سلموا بائعي الأراضي لقوات الأمن الفلسطينية بوصفه “الشكل الشرعي الوحيد للعمل” بالنسبة لهم. أدانت المجموعة اليسارية في الوقت نفسه “التعذيب والقتل في نطاق القضاء أو الإعدام تحت أي ظرف من الظروف، سواء تم ذلك في أقبية الشاباك أو في أقبية السلطة الفلسطينية”.

“عاد كان”، التي لديها مكاتب في مدينة القدس، تملك 2000 ساعة مصورة، والكثير منها “مهمة”، ولكنها سوف تأخذ وقتها في جمعها، كما يقول آخ.

قائلا: “نحن لا نتسرع هنا. لمدة ثلاث سنوات ونحن نجمع المواد؛ سنحتاج عام ونصف لنتمكن من إنشاء الملفات (…) كانت قصة عزرا ناوي نوعا من التجربة حتى نرى كيف يتعامل النظام مع ذلك، ولكنه لم يعمل بشكل جيد. الآن علينا أن ندرس خطوات قانونية بطريقة ذكية أكثر”.