أ ف ب – اقتحم محتجون في لبنان يوم السبت مرافق عدة أبرزها وزارة الخارجية، بعد عودتهم بزخم إلى الشارع تحت شعار “يوم الحساب”، مطالبين بمعاقبة المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة 160 شخصا وآلاف الجرحى وفاقم النقمة الشعبية ضد السلطات.

وتخلل التظاهرات الحاشدة التي جاءت عشية مؤتمر دولي عبر الفيديو تعقده فرنسا لدعم لبنان بمشاركة عربية ودولية واسعة، مواجهات مع قوات الأمن.

وعلى وقع التحركات الغاضبة، دعا رئيس الحكومة حسان دياب الى اجراء انتخابات نيابية مبكرة لانتشال البلاد من أزمتها “البنيوية”. وأمهل الأطراف السياسية مدة “شهرين حتى يتفقوا” معتبرا أن المطلوب هو “عدم الوقوف ضد انجاز اصلاحات بنيوية حتى ننقذ البلاد”.

ووصل الآلاف من المتظاهرين الى وسط بيروت وشوارعها، وحاولت مجموعات عدة التقدّم الى المداخل المؤدية الى البرلمان، حيث اشتبكت مع قوات الأمن التي ردت على رشقها بالحجارة عبر اطلاق الغاز المسيل للدموع، وفق مراسلي فرانس برس.

وبينما كانت قوات الأمن تخوض حالة من الكر والفر مع المتظاهرين في وسط العاصمة، عمدت مجموعات في خطوة بدت منسقة الى اقتحام وزارات عدة الواحدة تلو الأخرى، أبرزها وزارة الخارجية، التي دخلها العشرات غالبيتهم من العسكريين المتقاعدين.

وقال المتحدث بإسمهم العميد المتقاعد سامي رماح للصحافيين في بيان تلاه: “من مقر وزارة الخارجية الذي اتخذناه مقرا للثورة، نطلق النداء إلى الشعب اللبناني المقهور للنزول إلى الساحات والمطالبة بمحاكمة كل الفاسدين”.

وبعد ثلاث ساعات، أخرج عناصر الجيش اللبناني بالقوة المتظاهرين من المبنى، وفق ما شاهدت مصورة فرانس برس.

وتزامن اقتحام الخارجية مع اقتحام مجموعات أخرى وزارات الاقتصاد والطاقة والبيئة ومقر جمعية المصارف الذين أضرموا النيران في طابقها الارضي قبل تدخل الجيش. وأقدم المحتجون على نزع صور الرئيس اللبناني ميشال عون وبعثرة ملفات في عدد منها.

ومن داخل وزارة الطاقة التي تتولى قطاع الكهرباء، المثال الصارخ للفساد والهدر في البلاد، قال أحد المتظاهرين إن القادة السياسيين “يحكمون لبنان منذ 30 عاما واليوم لبنان بات لنا”.

وأوقعت المواجهات في وسط بيروت وفق ما أعلن الصليب الأحمر اللبناني 238 مصابا، تم نقل 63 منهم إلى مستشفيات للعلاج، بينهم مدنيون وعسكريون، من دون تحديد عددهم.

إلقاء زجاجات حارقة على جنود لبنانيين من قبل متظاهرين مناهضين للحكومة خلال احتجاج ضد النخب السياسية والحكومة بعد الانفجار الدامي الذي وقع هذا الأسبوع في مرفأ بيروت الذي دمر أجزاء كبيرة من العاصمة، 8 أغسطس 2020. (AP Photo/Hassan Ammar)

وأعلنت قوى الأمن الداخلي من جهتها مقتل أحد عناصرها في وسط بيروت “أثناء مساعدة محتجزين داخل فندق لوغراي بعد أن اعتدى عليه عدد من القتلة مثيري الشغب، ما أدى الى سقوطه واستشهاده”.

وكان محتجين ققد أضرموا النيران عند مدخل الفندق في وسط بيروت.

’مرارة’

توافد المتظاهرون تباعا إلى وسط بيروت آتين من مناطق عدة وسط اجراءات أمنية مشددة. وانطلقت مسيرة حاشدة وفقال مراسل فرانس برس من شارع مار مخايل المتضرر بشدّة إلى وسط بيروت، رافعين لافتة كبيرة ضمت أسماء ضحايا الانفجار المرفأ.

وردد المتظاهرون شعارات عدة “بينها “الشعب يريد اسقاط النظام” و”انتقام انتقام حتى يسقط النظام”، و”بالروح بالدم نفديك يا بيروت”. كما رفعت في مواقع عدة في وسط بيروت مشانق رمزية، دلالة على الاقتصاص من المسؤولين عن التفجير.

ويسابق عناصر الإنقاذ الزمن للعثور على 21 مفقودا ما زالوا تحت الركام جراء الانفجار، الذي يعد بين الأضخم في التاريخ الحديث وأسفر عن إصابة 6000 شخص على الأقل.

وأعرب جاد (25 عاما)، وهو موظف في مجال الاعلانات، في حديث إلى فرانس برس، عن شعور “غضب وحزن ومرارة وأحاسيس كثيرة لا يمكن التعبير عنها”.

وأوضح أن التظاهرات “مستمرة منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر وليست بجديدة لكن توجهنا مختلف اليوم لأننا نسير على ركام مدينتنا”.

وبينما كانوا يتابعون بعجز الانهيار الاقتصادي المتسارع في بلدهم ويعيشون تبعات الوضع الهش الذي أضيف إليه تفشي فيروس كورونا مع تسجيل معدل إصابات قياسي في الأيام الاخيرة، أتى انفجار مرفأ بيروت ليشكل أكبر كوارث اللبنانيين.

ومنذ 17 تشرين الأول/أكتوبر، نزل مئات الآلاف الى الشوارع ناقمين على الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد ويحملونها مسؤولية الأزمات المتلاحقة. إلا أن وتيرة تحركهم تراجعت تدريجا بعد تشكيل حكومة جديدة ومن ثم انتشار وباء كورونا لتقتصر على ترحكات امام مرافق ومؤسسات.

دعم دولي

وأوقفت السلطات، التي تعهدت بمحاسبة المسؤولين عن الانفجار وعن تخزين كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت منذ ست سنوات من دون اجراءات حماية، أكثر من 20 شخصا على ذمة التحقيق بينهم مسؤولون في المرفأ والجمارك ومهندسين، على رأسهم رئيس مجلس إدارة المرفأ حسن قريطم ومدير عام الجمارك بدري ضاهر، وفق مصدر أمني.

وقالت حياة ناصر، التي تنشط في مبادرات عدة لمساعدة المتضررين إن التظاهرات هي “التحذير الأكبر للجميع، لأنه لم يعد لدينا شيء لنخسره بعد الآن”.

وأثار الانفجار تعاطفا دوليا مع لبنان، الذي زاره مسؤولون غربيون وعرب تباعا وتتدفق المساعدات الخارجية إليها عشية مؤتمر دعم عبر تقنية الفيديو تنظمه فرنسا بالتعاون مع الأمم المتحدة، بمشاركة دولية وعربية واسعة.

ويخشى المتظاهرون ومحللون أن تجد السلطة في مبادرات الدعم الدولية فرصة لتعزيز مواقعها مجددا، بعدما اعتبر عون في تصريحات للصحافيين الجمعة أن “الانفجار أدى الى فك الحصار” بعد تلقيه اتصالات من رؤساء وقادة آخرهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ورأى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الجمعة أن المشهد الخارجي “الإيجابي”، “يفتح فرصة أمام لبنان (…) للخروج من حالة الحصار” خلال الفترة الماضية.

وقدم خمسة نواب منذ الانفجار استقالاتهم من البرلمان، داعين زملاءهم إلى اتخاذ الخطوة ذاتها.

ويقول الأستاذ الجامعي والباحث في مركز عصام فارس ناصر ياسين لفرانس برس: “الخوف أن تستفيد السلطة من هذه الكارثة الكبيرة ومن الاهتمام الدولي والعربي حتى تعيد تقويم نفسها داخليا وخارجيا”.

ويرى أن المطلوب اليوم هو “ضرب رأس الأخطبوط الذي يمسك بكل مفاصل الاقتصاد والدولة ويسيطر على المجتمع… ضرب المنظومة على رأسها والتشديد على المحاسبة من أصغر موظف حتى رأس الهرم”.