قالت خبيرة في الديمقراطية إن ما يقف وراء قيام حزب “الليكود” بتجهيز ممثليه في مراكز الاقتراع بكاميرات في البلدات العربية خلال الإنتخابات التي أجريت في أبريل هو ليس كما زعم الحزب الرغبة منه في منع التزوير، وإنما الرغبة في ردع  الناخبين في هذه المجتمعات المستهدفة من الإقبال على صناديق الإقتراع.

مشيرة إلى منشور على “فيسبوك” قام من خلاله أحد المنظمين بالتباهي بنجاح المشروع في تقليص نسبة إقبال الناخبين العرب على صناديق الإقتراع إلى ما تحت 50%، قالت الزميلة الأقدم في “معهد إسرائيل للديمقراطية”، تهيلا شفارتس ألتشولر، الإثنين في مقابلة أجراها معها تايمز أوف إسرائيل إن حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “تعمد قمع الصوت العربي. لا يمكن تجنب هذه النقطة”.

وأضافت “من يجري نقاشا حول تزوير الإنتخابات ويتجاهل النية الحقيقية لأولئك الذين يقفون وراء الكاميرات لا ينظر إلا إلى نصف الصورة”.

في الأسبوع الماضي، قدمت ألتشولر رأيا قانونيا نيابة عن معهد إسرائيل للديمقراطية أوصت فيه للجنة الإنتخابات المركزية بمنع الليكود من أن يقوم مرة أخرى بتنفيذ ما يسميها “عملية المعايير الأخلاقية” في الإنتخابات المقبلة في شهر سبتمبر مرة أخرى.

تهيلا شفارتس ألتشولر (Courtesy)

وقد دافع الليكود عن أنشطة المراقبة الخاصة به بالقول إنه من الضروري منع ما يزعم بأنه تزوير هائل للانتخابات في الوسط العربي، وقام بمضاعفة الميزانية المخصصة لحملة الكاميرات الجديدة في شهر سبتمبر.

في شهر أبريل، صادق رئيس لجنة الإنتخابات المركزية، حنان ملتسر، على إستخدام الكاميرات في الحالات التي فيها “خشية كبيرة” بوجود تزوير في الانتخابات، ولكن لم يحدد ما الذي يُعتبر “خشية كبيرة”. وجاء قراره السريع في يوم الإنتخابات، بعد أن تم الإمساك بممثلي حزب الليكود في صناديق الاقتراع وهم يحملون كاميرات خفية قبل أن تقوم الشرطة بإبعادهم عن مراكز الاقتراع لفترة وجيزة.

نظرا لعدد كبير من الطلبات التي قدمتها أحزاب يسارية ومنظمات حقوقية اعترضت على قراره، عقد ملتسر جلسة في هذا الشأن في الأسبوع الماضي، والتي تم خلالها توجيه دعوة لألتشولر، التي ترأس برنامج الديمقراطية في عصر المعلومات في معهد إسرائيل للديمقراطية، للإدلاء بشهادتها.

كيفية القبض على محتال

خلال الجلسة، وفي المقابلة التي أجريت معها الإثنين، قالت ألتشولر أن مسألة تزوير الانتخابات هي مسألة تستحق النقاش، ولكنها وضحت أن وضع كاميرات من قبل مسؤولين ذوي دوافع سياسية في مجتمعات محددة بشكل حصري لا يعالج المشكلة.

وقالت “هناك ما يكفي من الحلول التكنولوجية التي يمكن اعتمادها لمنع التزوير من دون السماح لحزب سياسي بإنشاء أرشيف بيانات ضخم عن جميع الناخبين العرب”.

لمنع قيام الناخبين للإدلاء بصوت شخص متوفي أو خارج البلاد، اقترحت ألتشولر استخدام جهاز كمبيوتر مبرمج خوازميا يقوم بمسح سجلات الناخبين في كل مركز اقتراع ومقارنتها بالسجلات الرسمية في وزارة الداخلية.

وقال ألتشولر “يمكن استخدام الأسلوب نفسه لمنع التزوير الذي يقوم به أعضاء لجان الاقتراع بأنفسهم”، في إشارة إلى محاولات مزعومة من قبل مسؤولين في مراكز الاقتراع للتلاعب بسجلات الناخبين بعد الانتهاء من فرز الأصوات.

مواطن عربي إسرائيلي يصل محطة اقتراع للتصويت في انتخابات اسرائيل البرلمانية، في بلدة الطيبة بشمال اسرائيل، 9 ابريل 2019 (Ahmad Gharabli/AFP)

وفي حين أن الزميلة في معهد إسرائيل للديمقراطية أظهرت تشككا في مدى نجاعة الكاميرات في توثيق الاحتيال في الوقت الحقيقي، لكنها قالت إن هناك عددا أقل من المشكلات القانونية المتعلقة باستخدامها من قبل أعضاء لجنة محايدة أثناء فرز الأصوات، بعد مغادرة آخر ناخب لمركز الاقتراع.

وتسمح لوائح الانتخابات الإسرائيلية لأعضاء أحزاب منفصلة بوضع ثلاثة ممثلين من بين العاملين الأربعة في كل مركز اقتراع. ويمكن أيضا لشخص خامس أو سادس تابع لحزب إضافي أن يكون حاضرا كمراقب معين للعملية الإنتخابية.

إلا أن ألتشولر أقرت بأن توصياتها اعتمدت على التخمين إلى حد ما لأن ملتسر، رئيس لجنة الانتخابات، رفض الكشف عن المعلومات التي جمعها حزب الليكود في الإنتخابات الأخيرة. بدلا من ذلك، أعلن قاضي المحكمة العليا في جلسة الأسبوع الماضي إنه قام بتحويل الأدلة التي تم جمعها من كاميرات الحزب إلى الشرطة، التي تحقق في هذا الشأن.

منذ انتخابات أبريل، فتحت الشرطة تحقيقات بشأن شبهات بوجود تزوير في مركزي اقتراع: الأولى في مدينة العفولة والأخرى في بلدة كسرى- سميع الدرزية. ولم يكن أي من هذين المركزين هدفا لحزب الليكود في برنامج المراقبة الخاص به.

وانتقدت ألتشولر لجنة الإنتخابات بالقول “لجنة الإنتخابات المركزية لا تقول لنا ما هي أنواع التزوير التي تم ارتكابها ومدى نطاق المشكلة”، وأضافت “كيف يمكن تحديد ما هي الوسائل المبررة إذا كنا لا نعرف مدى جدية المشكلة؟”.

وقد حصل تايمز أوف إسرائيل على تسجيلات من أكثر من 100 مركز اقتراع، والتي عُثر فيها على نسب إقبال غير منتظمة للناخبين مقارنة بالمعطيات في المراكز المجاورة. وفي حين أن جزء من مراكز الاقتراع هذه كانت في البلدات العربية، إلا أن هذا الرقم لم يتجاوز ثلث العدد الإجمالي، الذي يشمل أيضا نسب إقبال غير منتظمة للناخبين في مستوطنتي موديعين عيليت وبيتار عيليت الحريديتين، وكذلك مدن بيتح تيكفا والعفولة ونتانيا وروش هعاين.

وفي حين أنها لم تقلل من مدى جدية الجرائم المزعومة، إلا أن ألتشولر وضحت أن جميع محاولات التزوير المزعومة لم تضف إلا بضعة آلاف من الأصوات.

مواطن عربي إسرائيلي يصل محطة اقتراع للتصويت في انتخابات اسرائيل البرلمانية، في بلدة الطيبة بشمال اسرائيل، 9 ابريل 2019 (Ahmad Gharabli/AFP)

ويمنح القانون اللجنة “صلاحيات خاصة” لاتخاذ قرارات غير ممنوحة صراحة في لوائح الانتخابات، لكن ألتشولر تقول إن السماح بالكاميرات خلال ساعات التصويت يتجاوز النطاق الذي قصده المشرعون الأصليون. بالإضافة إلى السؤال حول مدى نجاعة الكاميرات في منع التزوير في الانتخابات، هناك أيضا مسألة ما إذا كانت لجنة الانتخابات المركزية تتمتع بصلاحية الموافقة على استخدامها.

وشرحت قائلة “فكرة أنه من المفترض ان تكون مراكز الاقتراع منطقة ’معقمة’ هي الفكرة الأساسية وراء الانتخابات في إسرائيل”، في إشارة إلى لوائح تحظر على المسؤولين في مراكز الاقتراع تشغيل التلفزيون أو الراديو أن التحدث عبر الهاتف أثناء عملهم.

وقالت ألتشولر “المشرعون في وقت كتابة القانون [1959] لم يتوقعوا أن نصل إلى يوم يحمل فيه كل فرد هاتفا مجهزا بكاميرا. من وجهة نظري، لو توقعوا ذلك، لكانوا حظرا الكاميرات تماما مثلما قاموا بحظر أجهزة أخرى “.

هذا لا يعني أن المشرعين كانوا سيعارضون قيام مسؤول في مركز الاقتراع بتصوير حادثة تزوير تحدث أمام عينيه، كما قالت، “ولكن هذا بعيد كل البعد عن تشغيل الكاميرا طوال اليوم وتصوير كل شخص يدخل مركز الاقتراع كما يعتزم الليكود فعله”.

يزعم أن كاميرات خفية تسللت إلى مراكز اقتراع في بلدات عربية من قبل مراقبي الليكود خلال الانتخابات البرلمانية في 9 أبريل 2019. (Courtesy Hadash-Ta’al)

وماذا بشأن اعتبار أن الكاميرات تردع بطبيعتها التصويت، كما سأل بعض مؤيدي عملية المراقبة. ألتشولر أقرت بأنه لا توجد لديها إجابة محددة على هذا السؤال.

“لكن هذه هي النقطة بالضبط. لم يتم إجراء ما يكفي من الدراسات”، كما قالت، مؤكدة على أن ذلك ينبغي أن يقنع ملتسر أكثر بعدم السماح باستخدام الكاميرات في النطاق الذي سمح به في قراره في انتخابات 9 أبريل، قبل بحث المسألة بشكل صحيح.

وقال التشولر “القول بأن [الكاميرات] تتسبب قطعا في ردع الناخبين هو أمر غير صحيح، لكن القول بأنها لا تتسبب بذلك بكل تأكيد ليس صحيحا أيضا”. ومع ذلك، فقد أصرت ألتشولر على أن خفض نسبة المشاركة العربية كان هو الهدف من وراء عملية الليكود.

وفيما يتعلق بمسألة أسباب عدم إدخال تحديثات على لوائح الانتخابات في عصر الهواتف الذكية والكاميرات حتى الآن، عرضت ألتشور احتمالين. “إما أنه كان [للمشرعين] دوافع سياسية منعتهم من اتخاذ إجراءات أو أنهم لم ينجحوا في فعل ذلك”.

ورات الخبيرة إن الخيار الثاني هو الخيار الأكثر ترجيحا، لكنها أكدت على أن لجنة الإنتخابات لها الحق في منع محاولات أي حزب معين يسعى إلى استغلال هذه الثغرة.

وأشارت ألتشولر إلى أنه حتى مع تحذيرات أصدرها مراقب الدولة يسوف شابيرا، الذي فصل في تقارير تبعت انتخابات 2013 و2015 المشاكل في تزوير الانتخابات، لم تنجح السلطات في توجيه لائحة اتهام واحدة في ضوء ما تم نشره.

وقالت “حتى لو قمت بتغيير القانون، فأنت ما زلت بحاجة إلى نظام قانوني يكون مهتما بتطبيقه”.

تهيلا شفارتس ألتشولر (يسار) تدلي بشهادتها أمام لجنة الانتخابات المركزية في الكنيست، 8 أغسطس، 2019. (Screen capture/Facebook)

النظر إلى الشرق أم إلى الغرب؟

خلال الجلسة في الأسبوع الماضي التي شرحت فيها ألتشولر المخاطر المحتملة التي قد تنشأ إذا سمحت لجنة الانتخابات مرة اخرى لممثلي الليكود بتشغيل كاميرات مراقبة في مراكز الاقتراع، قام ملتسر بقطع حديثها للإشارة إلى أنه خلال الانتخابات العامة التي أجريت في وقت سابق من هذا العام في الهند، قامت السلطات بإجراء برنامج تجريبي ناجح استخدمت خلاله أساليب مراقبة مشابهة، وقال إن نسبة إقبال الناخبين ازداد ووصلت إلى 65.7%، وهي النسبة الأعلى على الإطلاق.

وردت ألتشولر “إن الهند هي ديمقراطية نامية، ولدينا الكثير لنتعلمه منها، ولكنني لست واثقة بأن علينا أن نقتدي بها في هذه المسألة بالذات. ربما سيكون من الأفضل النظر إلى ديمقراطيات أكثر تطورا مثل كندا وأستراليا وبريطانيا، حيث أن هذه الممارسات محظورة”.

خلال المقابلة معها يوم الإثنين، أقرت الزميلة في معهد إسرائيل للديمقراطية بأنها فوجئت بعض الشيء من اختيار قاضي المحكمة العليا للهند لوضع معيار في هذا الشأن.

وأشارت إلى أن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي لم تقم بوضع الكاميرات في مراكز الاقتراع لمنع التزوير، إنما لمنح العنف الذي ابتليت فيه العديد من مراكز الاقتراع في الانتخابات الأخيرة.

ساغي كايزلر وغادي دعي في صورة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزوجته سارة بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات في 9 ابريل 2019 (Kaizler-Inbar)

وقالت ألتشور متسائلة “بالطبع يمكننا أن نتعلم منهم حول كيفية قيام هيئة محايدة بوضع الكاميرات وتحت أي مبادئ توجيهية يمكن القيام بذلك، ولكن أن نستخلص من ذلك أن البرنامج التجريبي هناك هو مثال على أن الكاميرات لا تردع الناخبين؟”، وأشارت إلى أنه في الهند يُلزم كل ناخب بوضع أصبعه في الحبر لمنعه من التصويت مرتين.

وقالت “نحن لا نقوم بذلك لأننا نفترض أن هذا الإجراء بدائي، ولكنه قد يكون أكثر فعالية [في منع التزوير] من استخدام الكاميرات”.

وبينما أقرت بأن عدة ولايات في الولايات المتحدة امتنعت عن حظر الكاميرات بالكامل، إلا أنها أكدت على أنه بدلا من ذلك، سعى المشرعون المحليون إلى تشديد معايير هويات الناخبين في محاولة للقضاء على التزوير المزعوم. في ويسكونسين، ألقى المنتقدون باللوم على تشديد التشريعات في انخفاض نسبة إقبال الناخبين السود ب19% خلال الانتخابات الرئاسية في عام 2016.

وقالت ألتشولر “في حين أنه لا يمكننا أن نتعلم أي شيء من الولايات المتحدة فيما يتعلق بالكاميرات، يمكننا أن نتعلم أنه عندما تضع مبادئ توجيهية يزعم أنها محايدة، فإن تطبيق هذه المبادئ التوجيهية لا يكون محايدا ويمس بقطاعات معينة أكثر من غيرها”.

وانتقدت الباحثة ما اعتبرته ميل حزب الليكود مؤخرا إلى تقليد أساليب اتبعها الرئيس دونالد ترامب وساسة آخرون في الولايات المتحدة.

وقالت “أي شيء تم فعله هناك، يريدون اختباره هنا. ترامب انتقد السمات الشكلية لمنافسيه، فقرر الليكود الحديث عن الاستقرار العقلي لـ [رئيس حزب ’أزرق أبيض’ بيني] غانتس وتوجهه [المزعوم] لطبيب نفسي”، وأضافت “نرى ذلك من خلال الاستهداف المصغر لناخبين محددين”.

العيون على ملتسر

وقال متحدث باسم لجنة الانتخابات إن ملتسر سيتوصل إلى قرار في هذا الشأن في الأسبوع المقبل.

بالاستناد على تقييمها لقاضي المحكمة العليا من جلسة الأسبوع الماضي، توقعت ألتشولر أن يسمح ملتسر مرة أخرى باستخدام الكاميرات، ولكن إلى حد كبير خلال فرز الأصوات فقط وبعد انتهاء عملية التصويت، وفقط من قبل ممثل محايد، وأن لا يقتصر الأمر على مراكز الاقتراع الخاصة في قطاعات معينة من المجتمع الإسرائيلي.

مثل هذا القرار من شأنه أن يعكس أجزاء من القرار السريع الذي اتخذه ملتسر في يوم الانتخابات في أبريل، لكن الليكود يأمل، كما أشارت، بالحصول على تصريح للعودة إلى خطته الأصلية، بحيث يكون بإمكانه استخدام الكاميرات دون توقف طوال اليوم.

وقالت ألتشولر “آمل حقا أننا تجاوزنا هذه النقطة”.

قاضي المحكمة العليا حنان ملتسر (وسط) يصل إلى قاعة المحكمة العليا في القدس لجلسة حول المواصلات يوم السبت، 11 سبتبمر، 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)