إن الأنفاق ليست بمشروع سري قامت حماس بإدارته بعيدا عن عيون الجمهور الفلسطيني والجيش الإسرائيلي. يعرف كل طفل في غزة وكل ضابط صغير في الإستخبارات العسكرية أن تحت المدينة تدور شبكة أنفاق تم حفرها واستُثمرت فيها الملايين على مدى الأعوام الخمسة الأخيرة، أو بكلمات أخرى، غزة تحت الأرض. ومع ذلك يبدو أن الجمهور الإسرائيلي تفاجأ من مدى انتشار هذه الظاهرة. نع أن الإعلام تحدث عن هذا التهديد ولكن يبدو أنه على مدى الأعوام الخمسة، كان من المريح أكثر للقيادة السياسية في إسرائيل وبدرجة ما العسكرية أيضا، التقليل من مدى خطورتها. اليوم، بعد 16 يوما من بدء عملية “الجرف الصامد” بالإمكان الشعور بالتوافق بالآراء في الرأي العام وبين صناع القرار، بشأن الخطورة التي شكلتها هذه الأنفاق.

لم تنشأ هذه الصناعة كما ذكرنا سابقا بين ليلة وضحاها. يمكن الإفتراض أنه من أجل بناء 40 نفقا هجوميا (من الممكن أن الرقم أكبر بقليل)، كانت حماس بحاجة إلى مساعدات كبيرة، كما يبدو من منظمة كبيرة أو كيان سياسي. ولا يدور الحديث هنا عن التمويل، بل عن الإستشارة المهنية. هذا صحيح أنه كان بالإمكان حماس إستخدام مختصين من أنفاق التهريب في رفح، ولكن الأنفاق هناك كانت بسيطة أكثر، ولم تتطلب بذل جهود جبارة. في حالة الأنفاق إلى إسرائيل، فإن طولها كان (وما زال) إستثنائيا ومعظمها مبطنة وعالية بصورة تمكن مجموعة كبيرة من الإرهابيين العبور منها والهجوم على هدف في الأراضي الإسرائيلية. هناك احتمال أنه تمت الإستعانة كيان سياسي معين ليساعد في بناء هذه الأنفاق وتخطيطها بالأساس. من كانت هذه الدولة أو “الكيان السياسي”؟ إن عدد المشتبه بهم هنا قليل جدا. إن حزب الله وإيران هما الوحيدتان في المنطقة اللتان لديهما مصلحة بإلحاق الضرر بإسرائيل ولديهما أيضا القدرة على بناء أنفاق معقدة ومحصنة من الإنهيار.

تجدر الإشارة إلى ان الأنفاق الهجومية هي فقط جزء من صناعة الحفريات تحت غزة. جهزت حماس مسبقا أيضا أنفاقا ساعدت عناصر الجناح العسكري التنقل من من مكان إلى آخر في جميع أنحاء المدينة من دون مشكلة، وجهاز خنادق وُضعت فيها غرف القيادة والسيطرة التي لم يلحق بها أي ضرر. تجلس قيادة الجناج العسكري والسياسي التي لم تتضرر أبدا في خنادق أخرى. تقديرات الجيش عشية الجولة الأخيرة من القتال أن حماس تملك 15 نفقا هجوميا تقريبا. الرقم المعروف حاليا هو أكثر من الضعف، حوالي 40. هل يدور الحديث هنا عن فشل إستخباراتي؟ أنا لا أعتقد ذلك. بطبيعة الحال لا يمكن للمؤسسة الإستخبارتية أن تكون على علم بكل نفق.

إن الفشل هو فشل القيادة السياسية التي فضلت تجاهل هذا التهديد الذي ازداد تضخما حتى وصل إلى درجة تهدد حدود إسرائيل الجنوبية لعدة سنوات. كان صناع القرار على علم بوجود الأنفاق، وعلى وجود حوالي 9,000-10,000 صاروخ لدى حماس ولكن فضلوا تجاهل ذلك من أجل الراحة والهدوء. كان أسهل بالنسبة لهم مهاجمة أبو مازن بسبب مطالبته الخطيرة بالإنضمام إلى مؤسسات اليونسكو (التي يشكل خطرا كبيرا وفوريا على دولة إسرائيل)، بدلا من التعامل مع جيش ميليشيات مسلح وخطير حافظ على الهدوء طالما أن ذلك كان مريحا بالنسبة له. وبذلك نجحوا في الاستمرار ببناء مستوطنات من دون ازعاجهم بأفكار مثل “دولتين” أو انسحاب.

قبل أيام فقط من بداية الحملة العسكرية، تحولت الأنفاق فجأة إلى تهديد وجودي على دولة إسرائيل، بطريقة “تجبر” قوات الجيش الإسرائيلي العمل داخل الغزة والبقاء فيها الآن لفترة أطول. بعد سنوات من التجاهل، يتبين الآن، أن على الجيش الإسرائيلي البقاء حتى “ينهي عمله”. وإذا حدث ذلك بالفعل وقامت دولة إسرائيل بالإعلان عن أنها نجحت بتدمير كل الأنفاق الهجومية بين غزة وإسرائيل وسحب قواتها من القطاع بعد عدة أيام، فما معنى ذلك؟ إذ أنه من الواضح أن حماس ستعاود بناء هذه الأنفاق وبوتيرة أسرع. معنى ذلك أنه في الجولة القادمة من القتال لنقول بعد سنتين، لن تتعامل قوات الجيش الإسرائيلي مع 40 نفقا، بل مع ضعف أو ثلاثة أضعاف هذه العدد. سيضطر شرطي من حماس بطبيعة الحال الوقوف في المفترقات الرئسية للأنفاق وتوجيه السير أو بدلا من ذلك سيتم وضع إشارات ضوئية هناك. بإمكان أمرين منع مواجهة أخرى مع حماس أقوى في المستقبل: الأول، حل جذري للمنظمة يشمل احتلالا للقطاع وتصفية قيادة حماس. ستودي حملة كهذه بحياة مئات الجنود ولا توجد لأية سياسي كبير في إسرائيل رغبة في التورط بهذه الطريقة. الإمكانبة الثانية هي محاولة “الحفر في الذاكرة”-على غرار الضاحية في بيروت التي تحولت إلى ذاكرة مؤلمة لقيادة حزب الله. في هذه المرحلة نحن لسنا هنا ولا هناك. لا تعتزم إسرائيل إعطاء حل جذري لمشكلة حماس والعمل على نزع سلاحها، وفي المقابل هناك شك بشأن “الحفر في الذاكرة” المنظمة بشكل كاف لمنعها من الخروج بمغامرة عسكرية أخرى ضد إسرائيل في المستقبل. مع أن الجمهور الفلسطينيي سئم من القتال وتأثرت ذاكرته بما فيه الكفاية، ولكن السؤال هو إذا كانت قيادة الجناح العسكري التي تطلق الصواريخ من قلب أحياء سكنية، تهتم أصلا بالسكان الذين سيدفعون ثمنا باهظا كما حدث في الشجاعية، في الجولة القادمة من القتال.