ولكن بشكل غير رسمي بالإمكان سماع همهمات المسؤولين في فتح الذين يحاولون تنصيب أنفسهم كورثة محتملين لأبو مازن. لم يعد عباس شابًا وسيحتفل في الشهر القادم بعيد ميلاده التاسع والسبعين. إنه مدمن على التدخين وعانى من مشاكل صحية في الماضي. ولكن باستثناء المشاكل الصحية، هدد أبو مازن على مدار سنين بالاستقالة من منصبه أذا أدرك أنه لن يكون قادرًا على تعزيز فكرة إنشاء دولة فلسطينية.

مع أن هذا التهديد لم يُسمع منذ فترة طويلة، فإن هذا السيناريو لا يزال ممكنًا وخاصة مع عدم وجود انفراج سياسي في الأفق. وبما ان عملية السلام المتعثرة من جهة، بالاضافة الى الموعد القريب للمؤتمر السابع لفتح بعد حوالي نصف سنة (والذي سيتم خلاله انتخاب قيادة الحركة)، هي العوامل التي تسبب الضجيج حول هذه المسألة مؤخرًا- فالكل يريد أن يصبح الرئيس القادم لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وتجدر الإشارة أن احتمالات الجميع ضئيلة في هذه المرحلة، ولا سيما لعدم نجاح احدهم في البروز فوق الآخرين، ربما باستثناء مروان برغوثي، “السجين رقم واحد”، والذي يحظى بدعم شعبي واسع. ولكن وجوده في السجن في إسرائيل عبارة عن حجة لزملائه في فتح لتفسير عدم قدرته على أن يشغل منصب الرئيس القادم.

وهكذا تُسمع في الأشهر الأخيرة المزيد من التصريحات المتطرفة والنارية من جانب المسؤولين في فتح، والتي تنبع بالأساس من السعي نحو رس انفسهم بالوان “المحاربين” أو “الوطنيين”. ويقول عدد من المراقبين الفلسطينيين أن هذا يُعتبر من جانبهم استعدادًا للسباق الرئاسي. وان اخذنا بعين الاعتبار المؤتمر العام السابع لفتح، والذي من المقرر أن يعقد في أغسطس، “البروفة” قبل تحديد هوية الوريث. بالإمكان التوقع حتى انعقاد المؤتمر الكثير من ردود الفعل والتصريحات المتطرفة التي قد تجعل من قادة حماس يبدون كصهاينة متحمسين بالمقارنة.

عودة دحلان
يوم الثلاثاء عقدت مراسم زواج جماعي للعشرات من الأزواج الشابة الفلسطينية الذين احتفلوا بزواجهم بشكل جماعي. علقت في مكان الحفل صور لأبو مازن ولياسر عرفات. حتى أن رئيس السلطة الفلسطينية قام بتسجيل مباركة خاصة بمناسبة الاحتفال، الذي قامت السلطة بتمويله بالكامل. قبل أسبوع من هذا الحفل عُقدت مراسم احتفال مشابهة وهذه المرة ل-300 شاب وشابة، ومرة أخرى برعاية السلطة الفلسطينية ومحمود عباس.

في البداية كانت هذه الاحتفالات في أريحا وغزة تحت رعاية محمد دحلان، “أمير” فتح في غزة، والذي يعيش اليوم في المنفى في الإمارات والذي يُعتبر الرجل الوحيد الذي يجرؤ على تحدي قيادة عباس من داخل فتح. تحول دحلان في السنتين الأخيرتين لشخص غير مرغوب فيه في الأراضي الفلسطينية وذلك بسبب الانتقادات التي وجهها ضد أبو مازن وضد ابني الرئيس، ياسر وطارق. اتهم المقربون من الرئيس دحلان في ذلك الوقت بمحاولة انقلاب وحرصوا على أن يترك الأراضي الفلسطينية. منذ خروجه للمنفى أصبح هذا السر معلنًا. ليس فقط أن دحلان يسعى لتقويض قيادة أبو مازن، فهو يبذل جهودًا أيضًا لتحضير الأرضية ل”رجوعه” وامكانية أن يكون هو الوريث لأبو مازن.

ولد دحلان، 53 ، في مخيم اللاجئين خان يونس ولكنه يُعتبر اليوم رجلًا ثريًا جدًا، وحتى قد يكون مليارديرًا، وهو يتمتع بعلاقات قوية مع العائلة المالكة في الإمارات العربية المتحدة. قام هو وأتباعه بتجنيد الأموال لتمويل حفل الزواج الجماعي والمنحة التي كان من المفترض منحها لكل هؤلاء العرسان. لكن من اللحظة التي علم بها المقربون من عباس عن هذه الاحتفالات قرروا اعطاء الرعاية وتمويل هذه الاحتفالات وإعطاء منحة بقيمة 4 آلاف دولار لكل زوج شاب بأنفسهم.

هذا مثال صغير فقط على الحرب التي يديرها أبو مازن ضد محمد دحلان. لم يكتفي المقربون من الرئيس بطرد “أبو فادي”، الذي كان في الماضي رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة، فقد قاموا بملاحقته هو وأتباعه، أمثال سمير مشهراوي ورشيد أبو شبك (الذي قدم للمحاكمة قبل فترة قصيرة في محكمة فلسطينية بتهمة فساد على ما يبدو) والذين قاموا هم أيضًا بترك الأراضي الفلسطينية. حتى قادة الأجهزة في السابق، من المقربين لدحلان، تمت اقالتهم من مناصبهم ومن فتح. ووصلت حملة الملاحقة هذه إلى أبعد الحدود في شهر نوفمبر. حيث قام أحد المقربين من دحلان، وهو سفيان أبو زايدة، عضو في المجلس الثوري لحركة فتح ووزير سابق في الحكومة الفلسطينية، بالخروج من بيته في رام الله في صباح يوم ما، وصدم عندما اكتشف أنه تم رش سيارته بوابل من الرصاص. صرح أبو زايدة في حينها أنه يحمل الرئيس الفلسطيني مسؤولية هذا العمل بالكامل.

منذ ذلك الوقت بُذلت الكثير من المساعي للوساطة بين دحلان وأبو مازن، وقد فشلت معظمها. في الآونة الأخيرة فقط التقى مشهراوي مع اثنين من المقربين من عباس، وهم عزام الأحمد ورئيس جهاز الاستخبارات الفلسطيني ماجد فرج. وافق عباس في الأسابيع الأخيرة على عودة رجال دحلان إلى مناصبهم في فتح وفي مكاتب الحكومة المختلفة، ولكنه لا يزال يستبعد احتمال عودة دحلان بنفسه إلى الأراضي الفلسطينية.

يدّعي رجاله (وهم محقون على ما يبدو) أن دحلان تحول إلى “مخرب لا يعرف الكلل”. فالملياردير الفلسطيني يقوم من أبو ظبي بحملة منظمة لإضعاف أبو مازن. بحسب ادعائهم لديه تأثير كبير على الوضع في مخيمات اللاجئين في شمال الضفة والاضطرابات هناك ضد السلطة (منطقة جنين ونابلس). في المقابل، يستثمر دحلان الملايين، بمساعدة أصدقائه في الإمارات، لتشكيل قاعدة تأييد في مخيمات اللاجئين القديمة في لبنان، وفي تلك التي تم انشائها لاحقًا بعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا.

بالاضافة الى ذلك، فان الرجل (دحلان) منخرط في عمل دبلوماسي سياسي مثله مثل أي رئيس دولة. فلقد قام قبل أسبوعين فقط بزيارة إلى القاهرة والتقى مع الرجل الاقوى هناك، عبد الفتاح السيسي. بالإضافة إلى ذلك قام بزيارة رئيس المخابرات المصرية وحتى أنه قام بلقاء ممثل للأقباط في مصر. في الآونة الأخيرة التقى مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وألقى خطابًا أمام البرلمان الأوروبي. هذه اللقاءات ليست بلقاءات يقوم بها رجل أعمال ناجح، بل هي لقاءات يقوم بها انسان يطمح بأن يصبح رئيسًا في يوم من الأيام. “يريد المصريون عودة دحلان إلى الأراضي الفلسطينية”، ذكر لي عضو في فتح. “هم يعلمون أن لديه قدرة التأثير على غزة وهم بحاجة إليه لإسقاط حماس. لذلك فهم يقومون بالضغوطات على أبو مازن للتصالح مع دحلان.”

قد لا تكون طريق عودة دحلان إلى الأراضي الفلسطينية ليصبح في يوم من الأيام رئيسًا طريقًا سهلة، رغم كل الثروة التي يملكها، والسبب هو ليس فقط أبو مازن. يتمتع دحلان اليوم بقاعدة تأييد في فتح ولكنه يعاني من صورة عامة سيئة، ولم ينسى الشارع الفلسطيني له قضية الفساد في غزة وكونه قائد الأمن الوقائي السابق، والذي تعامل مع إسرائيل. لا يتم ذكره تقريبًا في استطلاعات الرأي التي تطرح أسماءً محتملة للانتخابات للرئاسة. وفوق كل ذلك من المتوقع أن يواجه معارضة قوية بين صفوف أعضاء اللجنة المركزية لفتح، وهي الهيئة التي من المتوقع أن تقوم بانتخاب وريث عباس في فتح وفي منظمة التحرير الفلسطينية. أحد أكبر منافسيه السياسيين في اللجنة المركزية هو نائب رئيس النائب العام للجنة، جبريل رجوب.

رجوب
“أبو رامي”، 62 عامًا تقريبًا، من مواليد بلدة درة في جنوب الخليل، وكان في الماضي صديقًا مقربًا لدحلان. سُجن في شبابه 17 سنة في السجون الإسرائيلية، وتماما مثل دحلان أنتقل إلى تونس وتقرب من ياسر عرفات. بعد عودته إلى الضفة، تم تعيينه قائدًا الأمن الوقائي نظيرًا لدحلان.

اعتبر الاثنان أصدقاء مقربين جدًا، على الأقل حتى حملة “الجدار الواقي” في أبريل 2002. فورًأ بعد أن قامت قوات الجيش الإسرائيلي باحتلال مقر الأمن الوقائي في بيتونيا، خرج دحلان لوسائل الأعلام ولمح أن رجوب سلم رجال حماس للإسرائيليين. لا يزال رجوب يتذكر السكين الذي طعنه دحلان في ظهره.

ومع مرور الوقت تزايدت شكوكه أن أبو فادي هو الرجل الذي أعطى الإسرائيليين معلومات عن مروان برغوثي، المطلوب رقم واحد في ذلك الوقت. في الواقع قبل اعتقاله بساعات قليلة، قام دحلان بإحضار البرغوثي إلى المقر التابع لرجوب، وطلب اخفاءه هناك. أمر رجوب بنقل برغوثي إلى خارج المقر.

مضى على ذلك 12 عامًا. لكن العلاقة السيئة بين الاثنين لا تزال قائمة. استقال رجوب من المناصب الأمنية ونجح بجمع الكثير من القوة والتأييد بواسطة الرياضة. تم تعيينه في منصب رئيسًا للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ورئيسًا لللجنة الأولمبية. في المقابل يقوم بإجراء مفاوضات مع حماس باسم أبو مازن للتوصل إلى مصالحة، وحتى أن الرئيس أرسله إلى طهران للبحث في العلاقات الحساسة بين إيران وحماس.

في السنين الأخيرة صعد رجوب من لهجته ضد إسرائيل وحرص على مهاجمتها في كل فرصة سانحة. النهج القومي الذي يتبعه إلى جانب نشاطه الرياضي جعلوا منه واحدًا من أبرز رجالات فتح. مع ذك فإن احتمالات أن يكون رجوب، “أبو رامي”، وريثًا لأبو مازن ضئيلة. فهو يعاني من مشاكل مشابهة لتلك التي يعاني منها دحلان: ومن المتوقع أن يقوم أعضاء اللجنة المركزية في فتح بإحباط انتخابه في المستقبل، والرأي العام كذلك لا ينسى له علاقته الأمنية مع إسرائيل.

السيسي الفلسطيني
وبالطبع لا بد من بعض الكلمات (مجددًا) عن المرشح الأكثر بروزًا، في رأيي على الأقل، لأن يكون الوريث لأبو مازن مروان برغوثي.

اعتقل مروان برغوثي في 2002 وحكم عليه بالسجن ستة مؤبدات. ليس من المتوقع أن يتم الإفراج عنه قريبًا. ولكن إذا قرر دخول المنافسة في أية انتخابات مستقبلية على منصب الرئيس، حتى مع تواجده في السجن، فمن المتوقع أن يفوز بسهولة. نشر هذا الأسبوع في رام الله استطلاع رأي آخر, يشير إلى أنه المرشح الرئيسي بفارق كبير عن كل المرشحين الآخرين من فتح ومن حماس.

يبلغ البرغوثي من العمر 55 عامُا وولد في قرية خوبر الصغيرة شمال رام الله، وهو غير محبوب في صفوف أعضاء اللجنة المركزية في فتح ولكن الجمهور يحبه في غزة وفي الضفة. لذلك وحتى وإن اختار زملائه في اللجنة المركزية في فتح مرشحًا آخر، فإن ذلك لن يضر في احتمالات فوزه. “إذا لم يحصل على تأييد أعضاء اللجنة المركزية”، وفقًا لما قاله لي ناصر اللحام، المحرر الرئيسي للموقع الإخباري الرائد في الأراضي الفلسطينية “معا”، “فإن هذا أمر ممتاز بالنسبة لمروان. سأعطيك مثالًا. في الانتخابات المحلية الأخيرة قررت اللجنة المركزية عدم السماح لغسان الشكعة التنافس باسم فتح في الانتخابات لرئاسة بلدية نابلس، فقرر المنافسة كمستقل وفاز طبعًا. إذا قاموا بدعم مروان فذلك لن يكون في مصلحته بسبب صورة فتح”. يبدو اللحام متأكدًا بالنسبة لهوية الوريث. “سيكون هناك الكثير من الذين سيحاولون. وهذا أمر جيد فليفعلوا ذلك. ولكن أنسى الأمر، فأنا أقول لك أن الجمهور الفلسطيني لن ينتخب أي شخص آخر من فتح باستثناء مروان. لا من القيادة القديمة ولا من القيادة الجديدة. مروان هو السيسي (عبد الفتاح السيسي، المرشح الرئيسي في انتخابات مصر الرئاسية) الفلسطيني. فمن الأفضل أن يكون لدينا سجينًا رئيسًا من أن يكون لدينا رئيسًا سجينًا”.

في هذه الأثناء تستمر التحضيرات للمؤتمر السابع. الحدث السياسي الأكثر أهمية في الأراضي الفلسطينية. في نهاية المطاف سيتم على ما يبدو اختيار الشخص الذي يريده عباس لقيادة فتح في هذا المؤتمر، بما في ذلك لمنصب “نائب عام اللجنة المركزية”، وهو منصب يُفترض أن يبين وريث عباس في فتح على الورق على الأقل. الضجة حول حملات المرشحين لقيادة فتح قد بدأت. قال عضو فريق المفاوضات السابق محمد اشتية هذا الأسبوع أن على السلطة الفلسطينية أن تتحول إلى “سلطة مقاومة”، في إشارة منه إلى ضرورة تجديد الصراع ضد إسرائيل. وقال زميله في اللجنة توفيق طيراوي أن الفتح يستطيع في كل لحظة العودة إلى “الصراع المسلح” والبندقية. عضو آخر في اللجنة، كبير المفاوضين صائب عريقات تحدث عن ضرورة التوجه إلى خطوات أحادية الجانب في الأمم المتحدة. (قد يكون عريقات مرشح تسوية بين أعضاء اللجنة المركزية في فتح كوريث محتمل لأنه لا يوجد لديه أي أعداء في الحركة). لا يتحدث أحد منهم عن السلام، ولا حتى عن الهدوء.