تلعق الكثير من المجموعات جراحها بعد الهزيمة التي ألحقها الليكود بالمعسكر الصهيوني بقيادة حزب العمل يوم الثلاثاء.

يجب التأكيد على أن اليسار الإسرائيلي فعل ما لم يفعله على مدى جيل تقريبا. لقد تجمع حول حزب العمل ونشّط قاعدته، وأرسل آلاف المتطوعين “لإخراج الأصوات”.

وهُزم، بشكل مذهل.

خلال العملية تعلم السياسيون والمراقبون وخبراء استطلاعات الرأي والمحللون بعض الدروس الهامة- ليس في التواضع فقط، ولكن أيضا في تغيير وجه الناخبين الإسرائيليين.

تعلم اليمين أن الليكود هو الحزب الذي لا غنى عنه، الخيمة الكبيرة التي يحتشد الجميع تحتها في وقت الخطر. إن روح الوحدة الضمنية بين فصائل تشهد الكثير من المشاحنات بينها عادة، شكلت يوم الثلاثاء أكبر تحد لليسار منذ عقدين تقريبا، ولن يُنسى ذلك في أي وقت قريب.

تعلمنا جميعا أن اليمين يدرك كيفية الخروج بالأصوات. أو على الأقل، أن رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يعرف فعل ذلك. طريقته كانت بسيطة: التحدث بإستمرار عن نسبة التصويت عند العدو – اليسار والعرب والتمويل الأجنبي الغامض الذي يقف وراء ذلك كله. لم تكن الأيام الأخيرة في الحملة الإنتخابية لحزب الليكود أياما فيها الكثير من الصدق والنبل، ولكنها نجحت.

زعيم معسكر الصهيوني اسحق هرتسوغ يتحدث في مقر الحزب في تل أبيب، بعد أن أعلنت استطلاعات الرأي في الانتخابات العامة الاسرائيلية للبرلمان ال20 في 17 مارس 2015  (فلاش 90)

زعيم معسكر الصهيوني اسحق هرتسوغ يتحدث في مقر الحزب في تل أبيب، بعد أن أعلنت استطلاعات الرأي في الانتخابات العامة الاسرائيلية للبرلمان ال20 في 17 مارس 2015 (فلاش 90)

ارتفعت نسبة التصويت الإجمالية في هذه الإنتخابات، واعتقدت الأموال الذكية أن هذا الإرتفاع سيكون في صالح اليسار. فبعد كل شيء، فإن اليساريون هم الذين كانوا مفقودين في الإنتخابات السابقة. ولكن في أعقاب الطفرة المذهلة لحزب الليكود في المحصلة النهائية، وهي طفرة لم يتوقعها أي أستطلاع رأي، فالحقيقة البسيطة هي: أتى اليمينيون للتصويت، اليمينيون الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التصويت في الإنتخابات الأخيرة، اليمينيون الذين لم يحبوا ولم يدعموا نتنياهو — شعروا جميعهم بضرورة انقاذ إسرائيل من فكرة انتصار اليسار. في الساعتين الأخيرتين من التصويت، ارتفعت القفزة بنقطتين في نسبة التصويت عن انتخابات 2013 إلى ارتفاع بخمس نقاط. هذا الاندفاع، من المنصف قول ذلك الآن، كان للناخبين من اليمين الذين جاءوا بأول مفاجئات اليمين.

حقق الليكود “مفاجئة الإنتخابات” الشهيرة. تشهد كل انتخابات في الذاكرة الحديثة مفاجئة في يوم الإنتخابات. حزب المتفاعدين حصل على 7 مقاعد في يوم الإنتخابات في 2006 بعد أن توقعت له استطلاعات الرأي مقعدين. يش عتيد وصل إلى 19 مقعدا في يوم الإنتخابات بعد أن توقعت له استطلاعات الرأي الحصول ربما على 14. ولكن هذه المفاجئات حدثت فقط في المركز واليسار. ليس بعد الآن. جاء الليكود بمفاجئته الخاصة به، وفعل ذلك من خلال الفوز بسباق نسبة التصويت.

لماذا ارتفعت نسبة التصويت بهذه الصورة الدراماتيكية؟ الجواب بسيط: غالبية الناخبين الإسرائيليين ما زالت لا تثق بحكم اليسار. إنه عجز في الثقة متجذر في عدم ثقة أكبر من النوايا الفلسطينية، ومن البيت الأبيض برئاسة أوباما ونقاط مرجعية في سياسة اليسار. في إدراك متأخر، قد تكون هذه واحدة من أكثر المفارقات مراراة في هذه الحملة الإنتخابية أن شعار حزب العمل، “نحن أو هم”، قد يكون ضمن فوز نتنياهو كأي شيء قد يكون نتنياهو فعله.

داعمو الليكود يحتفلون في مقر الحزب في تل ابيب، 18 مارس 2015 (Miriam Alster/FLASH90)

داعمو الليكود يحتفلون في مقر الحزب في تل ابيب، 18 مارس 2015 (Miriam Alster/FLASH90)

وهذا ينقلنا إلى ما يمكن لليسار تعلمه من هذا السباق. إن اليأس المنبثق من الناخبين والمعلقين من اليسار ليس في محله. لقد حقق اليسار في هذه الإنتخابات نتائج أفضل من تلك التي حققها منذ فترة طويلة. ولكن اليسار قضى عقدين في اعتبار جمهور الناخبين بأنه جاهل أو محاصر بالخوف أو الكراهية لدرجة لا تستحق القيام بحملة انتخابية حقيقية من أجلة. هذا على الأقل كان تفسير وسائل الإعلام اليسارية مثل “هآرتس” حول استمرار انتصارات بينيامين نتنياهو على مدى سنوات في صناديق الإقتراع. الطريق إلى الفوز بجمهور ناخبين سخرت منه واحتقرته هو طريق طويل وصعب. ولكن للأسف، فإن اليسار لن يقود إسرائيل في الواقع من دون دعم غالبية الإسرائيليين. إن يتسحاق هرتسوغ هو القائد الأول في اليسار منذ سنوات الذي يدرك ذلك كما يبدو.

لحسن حظ اليسار، ستشرق الشمس يوم الخميس، ويوم الجمعة أيضا، وكل يوم في الأسبوع القادم. وفي نهاية المطاف، وربما عاجلا وليس آجلا نظرا لتاريخ إسرائيل الحديث، هذه الحكومة الجديدة ستسقط. السياسة لا تنتهي في أية هزيمة كانت.

واحد من أكثر الأسئلة على المدى الطويل التي تُطرح من هذا السباق هو ما إذا كان اليسار سيكون قادرا على استخدام هذه الخسارة كحافز لإنتصار مستقبلي. إذا سقط اليسار مرة أخرى، كعادته، في الخطاب التقليدي الذي يصور إسرائيل يقيادة نتنياهو كدولة يدمرها المجاعة والفقر والحرب، وأنها تواجه انهيارا وشيكا، فهو يجهز نفسه مرة أخرى لفشل مستمر. من الصعب التعامل مع حديث كهذا بجدية عند خوض انتخابات؛ وسيكون من الخطر فعلا التعامل معه بجدية بعد خسارة حملة انتخابية. يحتاج اليسار الآن إلى بناء نجاحه الخاص به، وإيجاد دوائر انتخابية جديدة، وتطوير “لعبة ميدانية” ليس قبل شهرين فقط من الإنتخابات، ولكن في السنوات الثلاث التي تفصله عنها. الإحباط لن يوصل اليسار من الوضع الموجود فيه حاليا إلى الوضع الذي يحتاجه للإنتصار.

في النهاية، على مراقبي إسرائيل المهنيين والصحافيين ومراكز الأبحاث والمحللين في العالم (ولكنهم لن يفعلوا ذلك على الأرجح) تعلم درس هام من هذا السباق حول الإسرائيليين. واحدة من الأفكار التي تكررت على حسابات المراسلين الأجانب في تويتر – على الأقل الأغلبية الساحقة ممن لديهم آراء سلبية حول نتنياهو- أن نتنياهو فاز بهذه الإنتخابات من خلال “التخويف”.

صحيح أن نتنياهو استخدم “التخويف” صراحة، وأن ذلك منحه الصدارة الكبيرة يوم الثلاثاء. ولكن منتقدي نتنياهو في العالم يسيئون بشكل أساسي فهم جمهوره، جمهور ناخبيه، ولذلك يسيئون تفسير ما هو بالضبط الشيء الذي كان يقوم “بالتخويف” منه.

يصر منتقدو نتنياهو على أنه بث الرعب حول إيران والفلسطينيين. لكنه لم يقم بذلك- لأنه لا يحتاج لفعل ذلك. فالناخبون في إسرائيل يرون منذ فترة طويلة بأنه لا يمكن الوثوق بالسياسة الفلسطينية وبأنها غير قاردة على تحقيق السلام. وإيران، ليس نتنياهو، هي التي أقنعت جميع الإسرائيليين تقريبا من كل ألوان الطيف السياسي بأن إيران خطر حقيقي على إسرائيل.

بنت عربية في اسرائيل تضع صوت والدتها في صندوق الاقتراع في ام الفحم، 17 مارس 2015 (AFP / AHMAD GHARABLI)

بنت عربية في اسرائيل تضع صوت والدتها في صندوق الاقتراع في ام الفحم، 17 مارس 2015 (AFP / AHMAD GHARABLI)

كل ما كان على نتنياهو فعله هو التحذير، أحيانا باستخدام مصطلحات عنصرية بشكل صارخ، بأن اليسار والمصوتين العرب “قادمون بأعداد كبيرة”. التخويف الذي تم استخدامه لم يكن على جوهر الخلاف مع اليسار- فالناخب الإسرائيلي لا يثق أصلا بحكم اليسار في هذه المسائل – ولكن ليحذر ببساطة من أن اليسار قد يفوز. هذا بحد ذاته نجح برفع نسبة التصويت لليكود، حتى فى الساعات المتأخرة والباردة من ليلة يوم الإنتخابات.

إن الفرضية التي تقف وراء الإتهام بـ”التخويف”، هي أن نتنياهو هو السبب الذي لا يثق فيه الإسرائيليون بمبادرات السلام والصفقات مع إيران. هذه فكرة مريحة بأنه إذا كان بالامكان التخلص من نتنياهو فإن المشكلة ستُحل، ولكن هذا غير صحيح بالمرة. خلافات سياسة البيت الأبيض والإتحاد الأوروبي مع نتنياهو ليست فعلا مع نتنياهو، ولكن مع التيار السائد من الناخبين الإسرائيليين الذين ردوا بقوة يوم الثلاثاء عندما اقتنعوا في النهاية أن دولتهم قد تُجبر على تقديم تنازلات خطيرة في شرق أوسط محفوف بالمخاطر.

تحولت الإنتخابات من هزيمة وشيكة لليمين في استطلاعات الرأي إلى واحد من أكثر انتصارات اليمين دراماتيكية منذ عقود. الدروس كثيرة: التغيير في نسبة التصويت يعني أن الجغرافيا لم تلعب الدور المتوقع منها، تحول المستوطنون بشكل جماعي إلى الليكود على الرغم من اختفائهم كمجموعة ضغط في الإنتخابات التمهيدية للحزب، وحملة منظمة V15 كما يبدو انتهى بها الأمر بحشد يمينيين أكثر من اليساريين في يوم الإنتخابات.

ولكن الدرس الرئيسي هو أيضا الدرس الأكثر وضوحا. لقد حقق اليسار يوم الثلاثاء أفضل ما حققه في فترة طويلة. ولكن قام فقط بخطوته الأولى على الطريق الطويل إلى إعادة البناء والإنتصار.