عندما واجه المزاعم ضده بالفساد في البداية، اعتاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الإصرار بطريقة ساخرة، وحتى متعجرفة، على أنه “لن يكون هناك شيء لأنه لا يوجد هناك شيء”.

في الآونة الأخيرة، تغيرت لهجته بشكل كبير. لكن المزاعم التي يقوم بالدفع بها في الأسابيع الأخيرة ليست بالضرورة أكثر أهمية من شعاره السابق بشأن البراءة الكاملة، بحسب ما قاله خبراء قانونيون هذا الأسبوع.

بعد ظهور تقارير تحدثت عن أن النائب العام أفيحاي ماندلبليت سيقوم بالإعلان في شهر فبراير عن نيته توجيه تهم لرئيس الوزراء، في انتظار جلسة استماع، بدأ نتنياهو بالإدعاء بأنه لن يكون من المنصف الخروج بالإعلان قبل أن يقوم الإسرائيليون بالإدلاء بأصواتهم في الإنتخابات العامة المقررة في 9 أبريل.

في الواقع، سيكون الأمر أقرب إلى “سرقة الإنتخابات”، كما حذر مرارا وتكرارا. في مقطع فيديو قام بنشره على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي، قارن نفسه بالرجل الذي قُطعت يده بعد إدانته بسرقة على الفور قبل أن تتم تبرأته في وقت لاحق. وقال نتنياهو متسائلا، متحدثا للناخبين الإسرائيليين، “هل يمكن لأحد ما أن يرجع له يده؟ هل يمكن لأحد ما أن يرجع لكم الإنتخابات؟”

لقطة صورة من مقطع فيديو لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقول فيه إن الإنتخابات، مثل يد تم قطعها، لا يمكن إرجاعها، 5 يناير، 2019. (Screen grab via Facebook)

والآن بعد أن بدا مرجحا وبشكل متزايد بأن التحقيقات الجنائية الثلاثة ضده لن تكون عقيمة، أصبحت حجة رئيس الوزراء الرئيسية أنه لا ينبغي على ماندلبليت فتح جلسات استماع ما قبل المحاكمة لأن مثل هذا الإجراء لا يمكن استكماله قبل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع.

وقال نتنياهو في مقطع فيديو آخر: “إنهم يحاولون إجبار النائب العام على التدخل بشكل وقح في الإنتخابات من خلال إصدار أمر لي بعقد جلسة استماع، على الرغم من معرفة أنه لن يكون بالإمكان استكمال إجراءات جلسة الاستماع بحلول يوم الانتخابات”، مدعيا وجود ضغوط من “متظاهري اليسار ووسائل الإعلام” على النائب العام.

وتابع قائلا: “من غير المعقول البدء بعملية جلسات استماع قبل الانتخابات لا يمكن إنهاءها بحلول (يوم) الانتخابات”، متهما “اليسار” بـ”محاولة خلع رئيس وزراء من خلال محاكمة ميدانية لسرقة الإنتخابات منكم، مواطني دولة إسرائيل”.

كم يستغرق هذا من الوقت؟

في قضايا مشابهة في الماضي، استمرت جلسات الاستماع قبل المحاكمة بالفعل عدة أشهر. بعد إعلان النيابة العامة عن نيتها توجيه لائحة اتهام، تتفق عادة مع فريق الدفاع حول إطار زمني يسمح للأخير بالإستعداد بصورة مناسبة لجلسة الاستماع. ويتوقع البعض أن يحاول نتنياهو المماطلة في هذا الإجراء لمدة عام أو أكثر.

العديدة من الخبراء القانونيين قالوا لتايمز أوف إسرائيل إنه من الممكن من الناحية النظرية، وإن كان مستبعدا، انهاء العملية في غضون أسابيع عدة. لكنهم يرون أنه حتى وإن كانت جلسات الاستماع ستستغرق وقتا أطول من الأشهر الثلاثة المتبقية حتى يوم الإنتخابات، فإنه من المهم البدء بالعملية بأسرع وقت ممكن.

وقالت سوزي نافوت، أستاذة القانون الدستوري في “كلية الإدارة – المسار الأكاديمي” في ريشون لتسيون: “فور انتهاء النائب العام من عمله، هو ملزم بنشر قراره. لا يمكنه الاحتفاظ به لنفسه – ليس لشهر أو لشهرين أو ثلاثة – وخاصة عندما يتعلق الأمر بتحقيق استمر لمدة عامين”.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت في مؤتمر في القدس، 5 فبراير، 2018. (Yonatan Sindel/Flash90

في قضايا جنائية سابقة ضد مسؤولين رفيعي المستوى، استغرقت جلسات الاستماع قبل المحاكمة بضعة أشهر، ولكن من الناحية النظرية يمكن استكمال الإجراء في غضون أسابيع، بحسب أمير فوكس، خبير في القانون الجنائي.

وقال فوكس إن “الأمر منوط بالنائب العام. كما أنه يعتمد على القضية نفسها. إنها مسألة نسبية”، وراى أنه في حالة قضايا نتنياهو فإن “بضعة أسابيع” ستكون كافية.

هل يجب على النائب العام الانتظار؟

وقال فوكس، الذي يرأس برنامج “الدفاع عن القيم الديمقراطية” في “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”: “أنا لا أتفق من أولئك الذين يقولون إنه إذا كان من المستحيل إنهاء جلسات الاستماع قبل الإنتخابات، فلا يمكن البدء بها. العكس هو الصحيح في الواقع”.

وقال إنه سيكون من الظلم للجمهور بأن يحتفظ ماندلبليت بقراره سرا إلى ما بعد الإنتخابات.

وراى فوكس إنه سيكون من المقبول بان يقوم منادلببيت بالانتظار إذا لم يتمكن، لأسباب تقنية بحتة، من اختتام مداولاته قبل يوم الإنتخابات. ولا ينبغي على النائب العام أيضا نشر قراره قبل وقت قصير من يوم 9 أبريل مضيفا أنه ينبغي أن يكون أمام نتنياهو – والناخبين – شهرا على الأقل لدراسة خياراتهم.

لكن حجة نتنياهو بأن فتح إجراء جلسات استماع لا يمكن إنهاؤه قبل الانتخابات من شأنه تقويض الديمقراطية لأنه لن يكون قادرا على عرض جانبه من الرواية على الناخبين لا يبدو منطقيا.

وقال فوكس: “لنفترض أن هناك جلسة استماع، وفي نهايتها يقرر ماندلبليت تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو. لائحة الاتهام ليست نهاية اللعبة. بعد ذلك هناك المحاكمة. ولكن هذه لن تكون نهاية اللعبة أيضا، لأنه يمكن الطعن في الإدانة”.

وقال إن “الإجراءات القانونية لا تنتهي بجلسة الاستماع، وبالتالي لا بأس بالبدء بها حتى لو لم يكن بالإمكان إنهاءها قبل الإنتخابات. نحن، الجمهور، بحاجة إلى معرفة وضع التحقيق قبل أن نقوم بالتصويت”.

كما يرى العديد من الخبراء أيضا أن إصرار نتنياهو على ضرورة منحه الفرصة للدفاع عن نفسه ضد التهم غير معقول إلى حد ما. فبعد كل شيء، لا يوجد هناك ما يمنع رئيس الوزراء من عرض وجهة نظره على الرأي العام.

في الواقع، لقد قام بفعل ذلك في مناسبات عدة، بما في ذلك في “إعلان دراماتيكي” تم بثه في بث حي على جميع المحطات التلفزيونية والإذاعية الرئيسية في البلاد والذي أدلى به بالإدعاء المطعون فيه بأنه حُرم من فرصة مواجهة متهميه وأكد على أن ذلك يظهر أنه يتم التعامل معه بصورة غير منصفة وغير لائقة من قبل المحققين.

بالعكس، الطرف الآخر – النيابة العامة – هي التي لم تعرض بشكل رسمي حججها على الرأي العام بعد. حتى الآن، كانت الوثائق الرسمية الوحيدة التي تمكن الرأي العام من الإطلاع عليها هي توصيات الشرطة بتقديم لوائح اتهام في القضايا 1000، 2000 و3000.

الأساس القانوني لحق المشتبه به في جلسة استماع

تجدر الإشارة إلى أنه لن يتم “إصدار أمر (لنتنياهو) لعقد جلسة استماع”، كما زعم هو. جلسة الاستماع حول قرار تقديم أو عدم تقديم لائحة اتهام هي حق يُمنح له وله الحرية في الإستغناء عنه.

إن الحق في جلسة استماع منصوص عليه في قانون الإجراءات الجنائية الإسرائيلي، الذي ينص على أنه “يحق للمشتبه به تقديم طلب خطي لهيئة الإدعاء… وتقديم التماس منطقي للامتناع عن تقديم لائحة اتهام”.

بموجب القانون، يمكن تقديم هذا الطلب في غضون 30 يوما من إشعار المشتبه به بنية تقديم لائحة اتهام ضده.

وقال ميخائيل بارتم، وهو محام ونائب رئيس “الحركة من أجل جودة السلطة”، إنه “وفقا لصياغة نظام الأساس، فإن الحق في الرد على التهم خطيا لا يمكن الطعن فيه؛ إن وجود جلسة الاستماع هو أمر متروك لتقدير الإدعاء”.

في أمر توجيهي أصدر في عام 1991، وضح مكتب النائب العام أن الإدعاء هو الذي يحدد “طبيعة جلسة الاستماع”.

ويمكن أن تتم جلسة الإستماع بطريقة شفوية أو كتابية، طالما أنها تمنح المشتبه به “فرصة منصفة لعرض موقفه”، وفقا للأمر التوجيهي.

وينص الامر التوجيهي على أن “الهدف من جلسة الاستماع هو تمكين المشتبه به من عرض حججه والإقناع أن الأدلة أو المصلحة العامة، في رأيه، لا تبرر توجيه لائحة اتهام ضده. في إطار هذه العملية، لدى المشتبه به الفرصة في الإشارة إلى أخطاء الإدعاء، سواء من الناحية القانونية أو من ناحية الحقائق”.

ولا يحدد الأمر التوجيهي، الذي تم تعديله آخر مرة في عام 2008، إطارا زمنيا لجلسات الاستماع، ولكنه ينص على أن الإجراء يجب أن يركز على النقاط الرئيسية التي أثارها الإدعاء في مسودة لائحة الاتهام وأن يكون “قصيرا نسبيا” (جلسة واحدة بشكل عام).

ومن المرجح أن يتم عقد جلسة الاستماع في مكتب ماندلبليت في وزارة العدل في شارع “صلاح الدين” في القدس، ومن غير المرجح أن يكون نتنياهو حاضرا فيها.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت (من اليسار) والمدعي العام شاي نيتسان يشاركان في مؤتمر لوزارة العدل في تل أبيب، 21 ديسمبر، 2016. (Tomer Neuberg/Flash90)

سواء قرر النائب العام استدعاء نتنياهو إلى جلسة استماع قبل أو بعد الإنتخابات، فهناك احتمال أن يحاول محامو رئيس الوزراء المماطلة في الإجراءات لأطول فترة ممكنة، كما يقول خبراء قانونيون، لأنه بمجرد قيام ماندلبليت بتقديم لائحة الاتهام، قد يخسر رئيس الوزراء دعم شركائه في الإئتلاف الذين يحتاج أصواتهم من أجل البقاء في السلطة.

بعض المشتبه بهم الجنائيين نجحوا في استخدام جلسات الاستماع لتجنب تقديم لوائح اتهام ضدهم. في عام 2012، تمكن أفيغدور ليبرمان من تجنب توجيه تهمتي عرقلة العدالة وغسيل الأموال، بعد جلسات استماع استمرت لاكثر من عام وشملت عدة لقاءات بين محاميه والنائب العام حينذاك يهودا فاينشتين.

وفي حين أن معظم المشتبه بهم يفشلون في إقناع الإدعاء بإسقاط التهم بشكل كامل، يستخدم البعض إجراء جلسات الاستماع للتفاوض على صفقات مع الإدعاء. حدث ذلك على سبيل المثال في قضية الاغتصاب ضد رئيس الدولة الأسبق موشيه كتساف، إلا أنه تراجع عن الاتفاق خلال المحاكمة، قبل أن تتم إدانته في النهاية.

لو كان نتنياهو واثقا كل الثقة بقدرته على إقناع النائب العام بتبرأته خلال جلسة الاستماع، بشكل نهائي وسريع، فقد يحث مادنلبليت على اتخاذ قراره بأسرع وقت ممكن، حتى يتمكن من الوصول إلى يوم الإنتخابات مع تبرئه اسمه؛ ولكن مرة أخرى، قد يرى أن الإطار الزمني قصير جدا بالفعل بصورة لا تمكنه من تحقيق نجاح كهذا.

يتنازل الكثير من المشتبه بهم، وخاصة في القضايا غير البارزة، عن حقهم في جلسة استماع، وبالأخص أولئك الذين يدركون أنه سيتم توجيه لائحة اتهام ضدهم في نهاية المطاف، لرغبتهم في عدم الكشف عن أوراقهم قبل بدء المحاكمة.

وقال باترم، وهو أيضا مدعي سابق في وزارة البنى التحتية الوطنية، “إذا كانت في جعبتي بضع الأوراق الرابحة ، سأود الانتظار حتى المحاكمة للعب (هذه الأوراق)، حتى أفاجئ الإدعاء”.

ويرى باترم أن “نتنياهو يحاول كسب الوقت، لذلك فهو يطلب بأن تكون جلسة الاستماع في أبعد وقت ممكن. لكنه سيأتي إلى جلسة الإستماع بدون أي شيء [جديد]”.

في هذه المرحلة، يبدو أن هناك شيء واحد مؤكد: إذا ومتى أعلن النائب العام عن نيته تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو، في انتظار جلسة استماع، سيتعرض لهجوم من قبل مناصري رئيس الوزراء لمحاولته تقويض الديمقراطية الإسرائيلية.

وقالت نافوت، الأستاذة في القانون الدستوري، “لا يوجد هناك توقيت جيد لقرار تقديم رئيس وزراء للمحاكمة”.

“لا يوجد هناك توقيت مناسب لذلك أبدا – ليس قبل الإنتخابات، ليس خلال الإنتخابات، ليس بعد الإنتخابات، وكذلك ليس في منتصف ولايته”.

التهم المحتملة

تم التحقيق مع نتنياهو في ثلاث قضايا، والشرطة أوصت بتوجيه لوائح اتهام بتهمة الرشوة فيها جميعا. ومع ذلك، لا توجد قيمة قانونية لتوصيات الشرطة، والقرار النهائي يعود لماندلبليت.

وقد قال نتنياهو إنه لن يستقيل خلال إجراء جلسات الاستماع، وماندلبيلت أكد بأنه غير ملزم قانونيا بالقيام بذلك. في حال سعى إلى البقاء في منصبه إذا تم تقديم لوائح اتهام ضده، فمن المرجح ان يواجه حينها تحديات قانونية؛ القانون في هذه المسألة غير حاسم، وبعض الخبراء القانونيين يقولون إن بإمكان رئيس الوزراء البقاء في منصبه خلال فترة المحاكمة والإدانة حتى استنفاذ جميع الطعون.

في القضية 1000، يثشتبه بتلقي نتنياهو مزايا وهدايا بقيمة مليون شيكل (282,000 دولار) من مليارديرات، من بينهم المنتج الهوليوودي الإسرائيلي أرنون ميلتشان، مقابل المساعدة في مسائل مختلفة. بعض التقارير أشارت إلى أن ماندلبليت يميل إلى توجيه تهمة خيانة الأمانة في هذه القضية.

القضية 2000 تتعلق بصفقة مقايضة بين نتنياهو وناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أرنون موزيس، كان رئيس الوزراء سيقوم بموجبها بفرض قيود على صحيفة “يسرائيل هيوم” المنافسة مقابل الحصول على تغطية ودية من يديعووت. بعض التقارير تحدثت عن أن ماندلبليت قد يقوم بإغلاق هذه القضية؛ في المقابل، أكدت القناة 10 في الأسبوع الماضي أن النيابة العامة تميل إلى توجيه تهمة الرشوة لنتنياهو.

في القضية 4000، التي قالت تقارير إنها الأخطر من بين الثلاثة، يُشتبه بأن نتنياهو قام بالدفع بقرارات تنظيمية عندما كان وزيرا للاتصالات ورئيس وزراء بين العامين 2015 و2017 عادت بالفائدة على شاؤول إلوفيتش، المساهم المسيطرة في شركة “بيزك”، وهي أكبر شركة اتصالات في البلاد، مقابل الحصول على تغطية ايجابية من موقع “واللا” الإخباري الذي يملكه إلوفيتش.

وينفي نتنياهو من جهته ارتكابه لأي مخالفة، ويزعم أن التحقيقات هي جزء من عملية ثأر سياسي ومطاردة ساحرات تهدف إلى الإطاحة بها، ويشارك فيها اليسار السياسي والإعلام والشرطة.