حتى مساء يوم الأحد الأخير، حظي مقطع الفيديو الذي اعتبر فيه رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو تفكيك مستوطنات يهودية في الضفة الغربية في إطار إتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني بأنه بمثابة “تطهير عرقي” بحوالي مليون مشاهدة، 14,000 “اعجاب”، وعدد من الإدانات من سياسيين إسرائيليين وامتعاض شديد من الحكومة الأمريكية.

قال نتنياهو في نهاية مقطع الفيديو الذي طول مدته دقيقتان، “القيام بتطهير عرقي من أجل السلام هو أمر سخيف ومرفوض. آن الأوان لأحد أن يقول ذلك. وهذا ما قلته الآن”. لكن نتنياهو لم يخترع هذه المقارنة المثيرة للجدل مساء الجمعة، عندما ظهر الفيديو على مواقع التواصل الإجتماعي. فقد عرض هذه الفكرة، في طفرات مختلفة، خلال حياته السياسية. في نسخة عام 2000 من كتابه “سلام دائم”، الذي كُتب قبل خطابه في جامعة بار إيلان الذي أعلن فيه عن قبوله المشروط بحل الدولتنن، رفض نتنياهو رفضا قاطعا فكرة “دولة فلسطينية معادية ونظيفة من اليهود”. حتى لو أيد العالم بأسره ذلك، فإن الحملة من أجل ضفة غربية من دون يهود تستند “ليس على العدالة، ولكن على الظلم”، على حد تعبيره.

في يناير 2014، بعد أن وافق، مبدئيا، على فكرة الدولة الفلسطينية، قال لقناة CTV، وهي الشبكة التلفزيونية الرائدة في كندا، بأن الأقلية العربية في إسرائيل تتمتع بالحقوق الكاملة وغير مطالبة بتغيير دينها. وأضاف: “الآن في الدولة الفلسطينية، الطريقة التي يتم فيها التفكير في ذلك، إنهم يقولون: حسنا، لا يمكن ليهودي العيش هناك، يجب أن تكون خالية من اليهود – تطهير عرقي. حسنا، ماذا يُسمى ذلك؟ هنا يعيش عرب، لكنهم لا يستطيعون بالتفكير بيهود يعيشون هناك”.

بعد عشرة أشهر، في مقابلة له أجرها معه برنامج “فيس ذا نيشن” الذي تبثه قناة CBS الأمريكية، سعى إلى دحض نقد واشنطن المستمر للتوسع الإستيطاني الإسرائيلي مستخدما المنطق نفسه. “إنه يتنافي مع القيم الأمريكية. ولا يبشر بالخير بالنسبة لإتفاق السلام”، كما قال. “هذه الفكرة بأن يكون لدينا هذا التطهير العرقي كشرط للسلام، أعتقد بأنها معادية للسلام”.

مكتب رئيس الوزراء أشار مرة أخرى إلى تطهير عرقي ظاهري للمستوطنين اليهود في الشهر الماضي. ردا على إنتقادات وجهها مسؤول في الأمم المتحدة، ادعى المستشار الإعلامي لنتنياهو، ديفيد كيز – الذي يقف وراء فيديوهات نتنياهو على شبكة الإنترنت – بأن العقبة الحقيقية أمام السلام هي ليست الوجود اليهودي في الضفة الغربية ولكن الرفض الفلسطيني للإعتراف بالدولة اليهودية في إطار أي حدود.

وقال كيز إن “الإدعاء بأنه من غير القانوني لليهود البناء في القدس هو سخيف مثل القول أنه لا يمكن للأمريكيين البناء في واشنطن أو للفرنسيين البناء في باريس”. وأضاف أن “المطالبة الفلسطينية بالتطهير العرقي لدولتهم المستقبلية من اليهود هي أمر مشين وعلى الأمم المتحدة شجبه بدلا من تبنيه”.

وسط الإنتقادات الواسعة التي تم توجيهها لمقطع الفيديو الأخير لنتنياهو، تساءل الكثير من المنتقدين عن الدوافع الحقيقية التي تقف وراءه. يُعتبر “التطهير العرقي” جريمة ضد الإنسانية؛ بالتالي يمكن النظر إلى مقطع الفيديو على أنه بمثابة صفعة متعمدة في وجه الأمريكيين وفي الواقع في وجه المجتمع الدولي لمطالبته إسرائيل بالموافقة على هذه الخطوة، كما يرى بعض المراقبين.

آخرون يلقون باللوم على إستطلاعات الرأي. في نهاية الأسبوع، أظهر إستطلاع رأي ثان خلال أسبوع تخلف حزب (الليكود) الذي يرأسه نتنياهو وراء حزب (يش عتيد) الوسطي، ما يشير للمرة الأولى منذ عام 2012 إلى أن (الليكود) لن يكون الحزب الأكبر في البلاد إذا تم إجراء الإنتخابات اليوم. بعض المحللين يرون بأن نتنياهو أثار دراما التطهير العرقي لتفادي الإنتقادات بسبب طريقة تعامله في الأسبوع الماضي مع أزمة خطوط السكك الحديدية وحشد مؤيديه من اليمين، ولتذهب العلاقات مع الولايات المتحدة وبقية العالم إلى الجحيم.

ولكن حقيقة أن نتنياهو ومساعديه تحدثوا عن فكرة “التطهير العرقي” من قبل تضعف هذه النظرية كما يبدو. فمن المرجح أكثر أن نتنياهو وكيز – الذي، قبل دخوله مكتب رئيس الوزراء، عُرف عنه أسلوبه غير التقليدي في نشاطه السياسي – نشرا مقطع الفيديو كمجرد مقطع فيديو آخر ضمن سلسلة فيديوهات “الهسباراه” (الدبلوماسية العامة الإسرائيلية)، ولم يتوقعا بأنه سيؤدي إلى مثل هذا الغضب.

هدف هذه الفيديوهات، التي تضمنت إدعاء نتننياهو مؤخرا بأن إسرائيل تهمتم بالفلسطينيين أكثر من اهتمام قادتهم بهم، هو عرض الرواية الإسرائيلية مباشرة على الحشود عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وبالتالي الإلتفاف على إعلام التيار السائد المنحاز ظاهريا. وسط مفاوضات بالغة الأهمية حول المساعدات العسكرية الأمريكية، وقبيل فترة “البطة العرجاء” للرئيس أوباما في البيت الأبيض بعد الإنتخابات الأمريكية – التي يستطيع خلالها الرئيس إختيار دعم قرارات ضد إسرائيل في الأمم المتحدة – لم يكن نتنياهو على الأرجح سيختار بشكل متعمد حربا لا حاجة لها مع الإدارة الأمريكية.

هذا لا يعني أن الواقعة لا تحتوي على أية معلومات قيمة حول طريقة تفكير نتنياهو، خاصة في وقت تزداد فيه الأحاديث عن لقاء بينه وبين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في موسكو لإستئناف العملية السلمية.

نتنياهو يقول في الفيديو: “أعتقد أن ما يجعل السلام مستحيلا هو عدم قبول الآخرين. المجتمعات التي تحترم جميع الناس هي المجتمعات التي تسعى إلى السلام. المجتمعات التي تطالب بالتطهير العرقي لا تسعى إلى السلام”، موضحا بأنه لا يعتقد بأن الفلسطينيين مستعدين لإجراء محادثات جدية.

على أقل تقدير، رسالة نتنياهو تشكل تذكيرا للطريقة التي يرى فيها الحل المحتمل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: حديثه عن “التطهير العرقي” في سياق إنسحابات محتملة يسلط الضوء على رفضه المطلق لعملية إخلاء واسعة النطاق للمستوطنين.

في مقطع الفيديو يقول نتنياهو: “أنا أتخيل شرقا أوسط حيث يدرس شبان عرب وشبان يهود معا ويعملون معا ويعيشون معا جنبا إلى جنب بسلام”، ملمحا إلى عدم إيمانه بحل دولتين يفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل تام، ولكن بتسوية تسمح لمئات الآلاف من اليهود الذين يعيشون حاليا في الضفة الغربية بالبقاء في منازلهم، حتى لو كانت هذه المنازل تقع في أرض تابعة للدولة الفلسطينية.

هل يمكن وصف إخلاء المستوطنات بتطهير عرقي؟

على الرغم من العواطف التي أثارها إستخدام نتنياهو لمصطلح “التطهير العرقي” في نهاية الأسبوع، وحقيقة أن النشطاء الفلسطينيين يستخدمون المصطلح عادة لوصف الأنشطة  الإسرائيلية في عام 1948، هل هذا الوصف هو وصف واقعي؟

لا يوجد هناك تعريف قانوني واضح لـ”التطهير العرقي”. تعريف قاموس “كامبريدج” هو أنه “محاولة منظمة، وعنيفة عادة تضعها مجموعة ثقافية أو عرقية معينة للتخلص من جميع الأفراد من مجموعة أخرى من بلد أو منطقة بالكامل”.

لجنة من الخبراء التي درست الحرب في يوغوسلافيا في سنوات التسعين من القرن الماضي – عندما تم إختراع هذا المصطلح – عرفوا التطهير العرقي على أنه “سياسة هادفة تضعها مجموعة عرقية أو دينية واحدة للتخلص من السكان المدنيين من جماعة عرقية أو دينية أخرى من مناطق جغرافية معينة عن طريق العنف والوسائل المستلهمة من الإرهاب”.

على ظاهره، فإن الإخلاء القسري للمستوطنين اليهود من الضفة الغربية لصالح العرب الفلسطينيين يلائم هذا التعريف. الزعماء الفلسطينيون يصرون على أنه لن يتم قبول “إسرائيلي واحد” في دولتهم المستقبلية.

من جهة أخرى، مؤيدو الإنسحاب الإسرائيلي لا يدعون إلى إجلاء قسري للمستوطنين من قبل الفلسطينيين، ولكن إجلاء منسق للمستوطنات في إطار إتفاق سلام.

كما أظهرت إنسحابات سابقة من سيناء وغزة، سيتم إخلاء مجموعة من النشطاء الأيديولوجيين والمتدينين بالقوة على الأرجح – ولكن بالتأكيد ليس عن طريق “وسائل مستلهمة من الإرهاب”.

قد يحاول عدد من المستوطنين تحدي أوامر الإخلاء التي أصدرتها الحكومة وقد يحاول البعض تخريب خطط الإخلاء، ولكن تصور المجتمع الدولي لتطبيق سلمي لحل الدولتين لديه القليل من القواسم المشتركة مع حالات تاريخية من التطهير العرقي، التي شهدت دائما سفكا للدماء.

وبالحديث عن إنسحابات إسرائيلية سابقة، فورا بعد نشر رئيس الوزراء للفيديو الذي وصفها بـ”تطهير عرقي”، أشار المراقبون إلى حزبه الذي قام بإجلاء قسري للإسرائيليين أكثر من مرة – في عام 1982 من سيناء وفي عام 2005 من غزة. أحد أعضاء الكنيست من (الليكود) الذين صوتوا لصالح خطة أريئيل شارون لفك الإرتباط في عام 2005، ولو على مضض، كان بنيامين نتنياهو.