الحدود مع لبنان، في منتصف الأسبوع. من الجانب الإسرائيلي بالإمكان بسهولة ومن دون منظار أيضا رؤية مركبات تابعة لليونيفيل تسير برفقة عناصر في الجيش اللبناني على بعد بضعة مئات الأمتار من الحدود مع إسرائيل فقط.

هذه الجولة التي تختلط خلالها المركبات مع بعضها البعض تهدف إلى تنسيق النشاط ومنع سوء الفهم على الأرض، خاصة مع إسرائيل.

على بعد عشرات الأمتار من هناك فقط، في نقطة مرتفعة، هناك موقع عسكري يقوم من فيه بمتابعة التحركات في الجانب الإسرائيلي وكذلك تحركات مركبات الينونيفيل. يتمركز في هذا الموقع عناصر من حزب الله.

صحيح أن قرار مجلس الأمن 1701 الذي تم إقراره في نهاية حرب لبنان الثانية في عام 2006 يحظر تواجد حزب الله جنوب نهر الليطاني، ولكن مجلس الأمن لا يتواجد هنا. من يتواجد هنا في كل متر، في كل نقطة تقريبا، هو حزب الله.

تسيطر المنظمة على كل خط المواجهة ضد إسرائيل، من البحر المتوسط وحتى جبل الشيخ. هذه مملكتها. ولا يوجد هناك أي طرف، سواء اليونيفيل أو جيش لبنان، قادر على تغيير هذا الواقع الذي تشكل هناك في العقد الأخير.

دورية اممية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، نوفمبر 2016 (Doron Horowitz/FLASH90)

دورية اممية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، نوفمبر 2016 (Doron Horowitz/FLASH90)

على العكس من ذلك، في الجانب الإسرائيلي يراقبون بذهول تقريبا التعاون الآخذ بالإزدياد بين الجيش اللبناني وحزب الله.

لا يدور الحديث هنا عن حادث “محدد”، أي تعاون محلي أو مؤقت. إن التنسيق بين حزب الله والجيش اللبناني تحول إلى تطور إستراتيجي تقريبا سيكون على إسرائيل مع كثير من التفكير والطاقة أن تجد طريقة للتعامل مع الجيش اللبناني في الحرب المقبلة.

هل سيقوم الجيش اللبناني في الحرب المقبلة بمحاربة الجيش الإسرائيلي، وتحويل أسلحة لحزب الله. أو أنه سيقف جانبا خوفا من الضرر الهائل الذي قد يلحق به إذا قرر الدخول في مواجهة مع إسرائيل.

هذه أسئلة ليست بالسهلة، خاصة عندما يدور الحديث عن كيان عسكري عدو ولكن يحظى بدعم من حلفائنا في الغرب: الولايات وفرنسا طبعا وحتى من قوة عظمى مثل الصين.

ما الذي حدث مؤخرا عندما ازداد التعاون بين حزب الله والجيش اللبناني؟ بكلمات بسيطة، للمصالح المشتركة تأثيرها.

يعمل حزب الله مع الجيش اللبناني جنبا إلى جنب في منطقة القلمون والزبداني والبقاع.

يهدف التعاون هناك إلى مواجهة التهديد الذي يشكله تنظيم داعش على الجيش وحزب الله، وهنا في جنوب لبنان يتعاون الطرفان معا لمواجهة التهديد الإسرائيلي.

دورية اممية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، نوفمبر 2016 (Doron Horowitz/FLASH90)

دورية اممية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، نوفمبر 2016 (Doron Horowitz/FLASH90)

صحيح أن التواجد المرئي على طول الحدود مع إسرائيل هو عادة لعناصر الجيش اللبناني، لكن من الواضح أن عناصر من حزب الله ينضمون إليهم في كثير من الأحيان في دوريات بواسطة مركبات، أحيانا في زي مدني وفي بعض الحالات يقومون حتى بإرتداء الزي العسكري اللبناني.

هنا تجدر الإشارة إلى أن الجيش اللبناني يلعب دورا ثانويا هنا. لا يوجد اليوم في جنوب لبنان قرية (بإستثناء بعض القرى السنية ربما) التي لم تتحول إلى هدف حصين لحزب الله، يضم مجموعة كاملة من القيادة والسيطرة وأنظمة اتصالات وأسلحة متنوعة وصواريخ طبعا وأسلحة ضد صواريخ وأمور أخرى.

والجيش اللبناني لا يحرك ساكنا لتغيير هذا الواقع. وربما حقيقة أن حزب الله يصادق على تعيين هذا الشخص أو ذاك لمنصب قائد في الجيش ورئيس هيئة الأركان العامة يمكن أن تقول لنا الكثير عن العلاقة بين هذين اللاعبين.

ومع ذلك، قد يكون هناك تفسير آخر لهذا التعاون المتزايد. يواجه حزب الله اليوم تحديات عسكرية ليست بالبسيطة على أقل تقدير. خاصة في سوريا ولذلك هو يحتاج إلى دعم الجيش اللبناني، حتى لو كان هذا الدعم بسيطا، في منطقة الحدود مع إسرائيل.

التحديات التي يواجهها نصر الله 

حزب الله نسخة عام 2017 أبعد ما يكون عن المنظمة التي حاربت إسرائيل في عام 2006. فالحديث هنا يدور عن جيش بكل ما في الكلمة من معنى، صاحب قدرات مدفعية وطائرات بدون طيار وجمع معلومات إستخبارتية حربية (وغير حربية)، والذي يعمل بالتعاون مع جيوش أخرى وحتى مع سلاح الجو الروسي.

زعيم حزب الله حسن نصرالله يلقي خطاب متلفز، 17 فبراير 2016 (screen capture: YouTube)

زعيم حزب الله حسن نصرالله يلقي خطاب متلفز، 17 فبراير 2016 (screen capture: YouTube)

لحزب الله قدرات إطلاق صواريخ إستثنائية بكل المقاييس (أكثر من 100 ألف) مع وسائل قتال إستراتيجية وصواريخ شاطئ-بحر، مع احتياطي من قوات الكوماندوز المختارة وقدرة صواريخ مضادة للدبابات مميزة.

وعلى الرغم من ذلك فإن التحديات التي يواجهها حزب الله لا تشبه الواقع الذي كان قبل 11 عاما.

أولا، إسرائيل ليست على  رأس سلم أولويات المنظمة في الوقت الحالي، وهذا واضح أيضا في ما يبدو كحافز ضعيف في شن هجمات ضد إسرائيل في المستقبل القريب. إن المنظمة منتشرة في دولتين – سوريا ولبنان – وتدير اليوم حربا في كل منطقة معارك في سوريا تقريبا.

يخصص حزب الله لسوريا ثلث قوته المقاتلة على الأقل وخسر أكثر من 1,700 من عناصره هناك، وللمقارنة فقط في حرب لبنان الثانية قُدر عدد القتلى من عناصره بين 650-700. نحو 6,000 من مقاتلية أصيبوا في سوريا.

قوات حزب الله في مقبرة الشهداء بالضاحية الجنوبية في بيروت، 12 فبراير 2017 (AFP/ ANWAR AMRO)

قوات حزب الله في مقبرة الشهداء بالضاحية الجنوبية في بيروت، 12 فبراير 2017 (AFP/ ANWAR AMRO)

وبالإضافة إلى الضرر الذي لحق بصورته وبعض التوتر الذي سُجل في بداية الحرب الأهلية السورية، فالحديث هنا يدور عن اختبار إقتصادي ليس بالسهل. المنظمة التي طالما امتازت بنشاطها الإجتماعي في لبنان، ملزمة بالإهتمام بعائلات القتلى وكذلك بآلاف المصابين الذين يحتاجون الآن إلى المساعدة.

ويُعتبر ذلك عبئا ثقيلا لم تختبره ميزانية حزب الله من قبل. لمواجهة هذا التحدي، يقوم حزب الله بإجراء خطوات إعادة تنظيم مختلفة، أو بكلمات معروفة للإسرائيليين: تقليصات.

تقوم المنظمة في ضم وحدات وأطر عسكرية مختلفة معا، وتحاول التوفير في النفقات التشغيلية الهائلة الناتجة عن القتال في سوريا وتحاول  أحيانا التقليص أيضا في شروط الخدمة.

ومع ذلك، المنظمة بعيدة كل البعد عن إهمال إستعدادها لحرب أخرى مع إسرائيل، ولا تسارع أيضا إلى خفض حجم نشاطها في سوريا.

اعضاء تنظيم حزب الله الشيعي خلال تشييع جثمان مقاتل قُتل في الحرب في سوريا، 6 فبراير 2016 (AFP/Mahmoud Zayyat)

اعضاء تنظيم حزب الله الشيعي خلال تشييع جثمان مقاتل قُتل في الحرب في سوريا، 6 فبراير 2016 (AFP/Mahmoud Zayyat)

تتواجد قوات حزب الله في الوقت الحالي في منطقة حلب في شمال سوريا وفي هضبة الجولان في جنوب البلاد على الحدود مع إسرائيل. وهناك تطور آخر يسمح له بإلتقاط أنفاسها قليلا، وهو الهدوء النسبي في القتال مع المعارضة السورية والتراجع في قوة داعش.

الحملة الأمريكية التي قادها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ألحقت أضرارا كبيرة للعدو رقم واحد لحزب الله، وداعش خسر مساحات كبيرة من الأراضي التي كان مسيطرا عليها قبل وقت قصير في سوريا.

وإذا حاولنا دراسة الاتجاهات الإقليمية في المستقبل القريب، فالإستنتاج هو أن حزب الله سيسبب صداعا كبيرا لإسرائيل.

تراجع قوة داعش هو بشرى سارة لسكان ما كانت تُسمى في السابق سوريا وربما لكل إنسان في أنحاء العالم، لكن هذا التطور يعني أن المحور الشيعي يعمل على بسط سيطرته في سوريا وبما في ذلك في الجولان على الحدود مع إسرائيل.

وهذا هو عمليا التهديد الأكبر الذي يلوح في الأفق في “اليوم التالي”  بعد داعش: حزب الله، إلى جانب الحرس الثوري الإيراني وجيش بشار الأسد، ستشكل هذه القوى تحديا لأمن دولة إسرائيل سواء كان ذلك من لبنان أو من سوريا.