مع وصول الوفد الإسرائيلي إلى القاهرة يوم الإثنين للتفاوض على وقف إطلاق نار طويل الأمد بين إسرائيل وحماس، طالبت القدس بوقف كل الأعمال العدائية ونزع سلاح غزة. وهدد مسؤولون بأن “كل الاحتمالات على الطاولة” لتحقيق هذا الهدف، من دون إستثناء تجديد العملية البرية وتوسيعها في القطاع.

مع ذلك لا يزال من غير الواضح كيف ستحقق إسرائيل هذه الأهداف، لم ترضخ حماس لمطالب القدس خلال هدنة الثلاثة أيام الأخيرة في الأسبوع الماضي، مما يشير إلى أن الحرب المتواصلة منذ شهر لم تردع المنظمة وأن لها القدرة على مواصلة القتال حتى تتم تلبية مطالبها.

تعرف إسرائيل ذلك، إذاً ما الذي يتوقعه رئيس الوزراء “بينيامين نتنياهو” الخروج به حقاً من المحادثات بوساطة مصرية؟ يبدو نزع سلاح كامل عن غزة كما طالب مراراً وتكراراً حلماً غير واقعي، وحماس لن توافق أبداً التخلي عن سلاحها. (وإن لم يكن بسبب عدم المحاولة، والدليل على ذلك المحاولة الدبلوماسية التي أعلن عنها الوزير “يائير لابيد” مساء الإثنين).

علاوة على ذلك، تعهدت حماس بمواصلة مهاجمتها لإسرائيل حتى يتم رفع الحصار عن غزة بالكامل، وهو ما ترفضه إسرائيل بشدة. على ضوء هذه الحقائق، يتوقع البعض أنه مصير محادثات القاهرة سيكون الفشل، وأن إسرائيل ستجد نفسها غير قادرة على الهرب من دوامة الواحدة بواحدة، وستُجبر على حرب متواصلة ضد حماس.

في إسرائيل الرسمية، يسود التفاؤل الحذر، حيث قال مسؤول إسرائيلي بارز لتايمز أوف إسرائيل: أن “الحكم لم يصدر بعد، وكل الاحتمالات مطروحة على الطاولة”، مضيفا أن “الهدف الذي وضعناه في البداية – سلام مستدام وأمن – سيتم تحقيقه بطريقة أو بأخرى، من خلال الوسائل الدبلوماسية أو من خلال العمل العسكري، أو مزيج من كليهما”.

تدرك إسرائيل جيداً أن الهدنة لمدة 72 ساعة لن تتواصل بعد موعد إنتهائها في منتصف ليلة الأربعاء إذا صمدت إلى هذا الوقت أصلا، وفقا لما قاله المسؤول: “كانت هناك تسع هدنات وافقت عليها إسرائيل واحترمتها، وقامت حماس برفضها وخرقها جميعهاً. نحن واقعيين ونحافظ على يقظتنا، مع وجود الجيش على أهبة الإستعداد للعمل”.

مع الإصرار على أن الحكومة ستنجح بطريقة أو بأخرى بإستعادة الهدوء، يعترف المسؤول البارز أن إسرائيل قد تدخل جولة أخرى أو أكثر من العنف.

في القاهرة، ستحاول القدس العمل على صفقة تضمن فترة طويلة من الهدوء، وفقا لما قاله المسؤول الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: “من دون صواريخ، ومن دون أنفاق إرهاب”.

سيتحدث الوفد المكون من خمسة أشخاص “بالطبع” عن نزع السلاح، وفقا لما قاله المسؤول، معترفا أن نتنياهو لا يتصور تدمير أو إزالة كل الأسلحة غير المشروعة الموجودة حاليا في القطاع، ولكنه يهدف بدلا من ذلك إلى منع إعادة تسلح حماس وفصائل مسلحة أخرى، (ويضم الوفد المسؤول العسكري البارز عاموس غلعاد، ورئيس الشاباك يورام كوهين؛ ومساعد نتنياهو يتسحاق مالكو، والميجر جنرال نيمرود شيفير رئيس مديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي، ومنسق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية يوآف مردخاي).

وقال المسؤول البارز: “سنتحدث مع مصر عن عدم السماح لهم بإعادة التسلح – هذه المرحلة الأولى”، على المدى الطويل، تأمل إسرائيل بأن يتم نزع سلاح غزة بالكامل، بمساعدة المجتمع الدولي، كما أضاف: ولكنه رفض إعطاء تفاصيل إضافية.

وفقا لتقارير لم يتم تأكيدها على القناة الثانية مساء الإثنين، سيطالب الوفد الإسرائيلي في القاهرة في الأساس بالعودة إلى التفاهمات التي تمت الموافقة عليها مع نهاية عملية “عامود السحاب” في نوفمبر 2012.

توفر هذه التفاهمات نهاية للعنف، وتخفيف القيود على الوصول إلى غزة، ومن دون شك ستصورها حماس على أنها مكاسب كبيرة، وفقا لما جاء في التقرير. مع ذلك، في الممارسة العملية ستقوم إسرائيل بالإشراف على الوصول إلى غزة من جهتها، وستقوم مصر بالإشراف على أي وصول من جهتها، في الوقت الذي ستقوم فيه السلطة الفلسطينية بقيادة “محمود عباس” بنشر 1,000 من عناصر الأمن في معبر رفح الحدودي، وستعمل إسرائيل ومصر معا لمنع حماس من إعادة التسلح.

وجاء في التقرير أيضا أن إسرائيل على استعداد لمضاعفة عدد الشاحنات التي تجلب الإمدادات الإنسانية إلى غزة من خلال معبر “كيريم شالوم”، من 250 إلى 500 في اليوم. وإسرائيل مستعدة أيضا للسماح بإدخال مواد بناء إلى داخل القطاع، تحت إشراف دقيق، ولكن من دون مواد ذات “استخدام مزدوج” مثل الحديد والمواد الكيميائة المختلفة، التي قد يتم تحويلها إلى البنى التحتية الإرهابية لحماس، إذا ما سُمح بدخولها إلى غزة.

يوم الإثنين أعلن مكتب “لابيد” أنه سيعقد مؤتمرا دوليا حول نزع سلاح غزة وإعادة السيطرة للسطلة الفلسطينية، بمساعدة مصر وإسرائيل، الولايات المتحدة، السلطة الفلسطينية، الأردن، السعودية، دول الخليج، وممثلين عن اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط.

إسرائيل على إستعداد لإعطاء السلطة الفلسطينية دوراً رائداً في إعادة بناء القطاع، وفقا لما قاله نتنياهو في الأسبوع الماضي: “من المهم في إعادة بناء غزة، وفي ضمان المسعادات الإنسانية وكذلك الأسئلة الأمنية التي تُطرح، أن تكون لدينا هذه المناقشات والتنسيق معهم”.

بعد أسابيع قليلة من قيام إسرائيل بإدانة عباس لتشكيله حكومة توافق مدعومة من حماس، يبدو الآن أن عباس يُعتبر جيداً بما فيه الكفاية لكي تُمنح له الثقة بحراسة معبر رفح بين غزة ومصر.

قال المسؤول الإسرائيلي البارز: “لنكن صريحين، قوات أمن السلطة الفلسطينية مفضلة على حماس”.

ولكن رؤية نتنياهو بشأنه نهاية اللعبة في عملية “الجرف الصامد” رغم ضبابيتها، لا ترضي معظم أعضاء حكومته.

قال وزير الخارجية “أفيغدور ليبرمان” يوم الأحد: “من الواضح أن المطالب الدنيا لحماس أكثر بكثير من الحد الأقصى الذي بإمكان إسرائيل الموافقة عليه”، داعيا الحكومة إلى “هزم حماس، وتنظيف المنطقة، والخروج بأسرع وقت ممكن”. في الوقت الحاضر، يبدو هذا الخيار مستبعداً جداً، ويوم الإثنين أصر ليبرمان على أنه مهما كانت الظروف، لا يحب أن تنتهي الحرب الحالية “بترك حماس مع شعور بأن الإرهاب يعود بالفائدة”.

يوم الإثنين أيضا، قال وزير الأمن الداخلي “يتسحاق أهرونوفيتش” لموقع “واينت”: أن هناك “احتمال ضئيل بالتوصل إلى اتفاق بعد هدنة ال-72 ساعة، “سنعود إلى القتال وسنحتاج إلى التقدم إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة إتخاذ القرارت”، وفقا لما قاله.

من الجهة الأخرى، تعتقد وزيرة العدل تسيبي ليفني أن عملية “الجرف الصامد” قدمت لإسرائيل فرصة حقيقية لتغيير المنطقة إلى الأفضل. في وقت سابق من هذا الأسبوع، قدمت خطة تدعو إلى تبديل قيادة حماس في قطاع غزة بقيادة عباس، وإلى مبادرات دولية لنزع سلاح الفصائل المسلحة في غزة.

لا يتحدث أي شخص في الحكومة عن احتمال حرب استنزاف موسعة ومتكررة ياستمرار، تجد فيها حماس وإسرائيل نفسيهما غير قادرتين على التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، ولكن بعض المحليين الإسرائيليين يعتقدون أن هذا السيناريو هو أمر لا مفر منه.

يقول “إفرايم عنبار” مدير مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية في جامعة بار إيلان: “على الأرجح أن تكون لدينا حرب كهذه كل بضعة سنوات”، ويضيف: “علينا جز العشب، من الأساس. حيث أننا لا يمكننا أن نؤثر على دوافع حماس – منظمة متعصبة – بإمكاننا فقط إضعاق قدراتها. هذا ما نفعله”. مضيفا أنه خلال عملية “الجرف الصامد”، “لم نقم بما هو كاف ولذلك هم يواصلون إطلاق الصواريخ، لذلك على الأرجح أن علينا جز العشب أكثر”.

ويؤكد عنبار أن حماس ستواصل تهريب الأسلحة حتى لو سيطرت مصر وإسرائيل على كل المعابر الحدودية، ويضيف أنه من المستحيل هزم حماس مرة واحدة وإلى الأبد، كما يطالب بعض الوزراء الإسرائيليين. “يحب الفلسطينيون حماس، ما الذي نستطيع فعله؟ أنا لا أعتقد أن بإمكاننا نزع منظمة لديها دعم 35% من السكان من جذورها. على الأقل ليس في المدى القصير”.

لا يوافقه البعض على ذلك، ويقولون أنه بالإمكان التوصل إلى هدوء مستدام إذا توصلت إسرائيل والدول المعتدلة في الشرق الأوسط إلى اتفاق إقليمي من شأنه أن يعزل الإسلاميين المتطرفين. الإفتراض أن مصير إسرائيل هو حرب إستنزاف لا نهاية لها “لا أساس تجريبي له”، كما يقول “يحزقيل درور” أستاذ سابق للعلوم السياسية في الجامعة العبرية: “سأوافق على ذلك لو كانت إسرائيل بذلت جهودا جدية في التوصل إلى اتفاق سلم إقليمي معقول. ولكنها لم تحاول ذلك حتى”.

لا يوجد للفلسطينيين لوحدهم الكثير لعرضه على إسرائيل، لذلك على القدس أن تسعى إلى إطار أوسع، استنادا على مبادرة السلام العربية، كما يقترح درور من شأن خطوة كهذه تحسين موقف إسرائيل في المنطقة وفي العالم بشكل عام، ومن شأنها أيضا أن تكشف عن أولئك الغير راغبين بالإعتراف بوجود إسرائيل -حماس وحزب الله – بأنهم أعداء سلام، كما يقول. “بدلا من ذلك، تكرر إسرائيل نفس الأمور كل الوقت لا من جديد، يتعلق الأمر بإسرائيل في محالة كسر هذه الحلقة المفرغة”.