مع استمرار الأزمة الدبلوماسية بين بولندا وإسرائيل، صرح رئيس الوزراء البولندي، ماتيوس مورافسكي، في مقابلة نُشرت يوم الجمعة أنه في حين أنه يقر بأن الأمة البولندية تضم في صفوفها “مجرمين أفراد، كأي أمة أخرى”، إلا أنه لن يقبل بالتعميم حول دور بلاده في فظائع المحرقة.

وقال مورافسكي لصحيفة “هآرتس”: “ليس لدي أي مشكلة مع شخص يذكر حقيقة أنه خلال الحرب الوحشية والشريرة والغير انسانية كان هناك أفراد مجرمون في بلدي – ومن الواضح أنه كان هناك أشخاص كهؤلاء، كما هو الحال في أي دولة. ولكن عندما تقوم باستخدام هذه الصور النمطية بأن ’كل بولندي يرضع معاداة السامية من ثدي أمه’، فهذا ليس أقل من عنصرية”.

يوم الأحد ألغى مورافسكي مشاركة بلاده في قمة رفيعة المستوى في إسرائيل، مع استمرار الأزمة الدبلوماسية بسبب تصريحات أدلى بها القائم بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول التواطؤ البولندي مع النازيين. في وقت لاحق أصدر مكتب نتنياهو بيانا قال فيها إن الإعلام الإسرائيلي اقتبس خطأ التصريحات حول تواطؤ البولنديين مع النازيين.

وأدلى يسرائيل كاتس بهذا التصريح في مقابلة تلفزيونية أجريت معه الأحد، بعد تعيينه في وقت سابق من اليوم قائما بأعمال وزير الخارجية من قبل  نتنياهو.

وقال كاتس في مقابلة للقناة 13 يوم الأحد: “أنا ابن ناجين من المحرقة وحتى أنني وُلدت وترعرعت في مجتمع مكون من ناجين من المحرقة. إن ذكرى المحرقة هي أمر لا يمكننا المساومة عليه، إنه شيء واضح ولن ننساه أو نسامح (عليه)”.

رئيس الوزراء البولندي ماتيوس مورافسكي، من اليسار، ونظيره الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، في قمة حول السلام والأمن في الشرق الأوسط في واسو، بولندا، 14 فبراير، 2019. (AP/Michael Sohn)

وأضاف: “في الدبلوماسية تحاول ألا تسيء، ولكن لا يمكن لأحد تغيير الحقيقة التاريخية للقيام بشيء من هذا القبيل. لقد تواطأ البولنديون مع النازيين، بكل تأكيد. كما قال [رئيس الوزراء الأسبق] يتسحاق شمير، إنهم يرضعون معاداة السامية مع حليب أمهاتهم”.

يوم الاثنين قال كاتس للإذاعة الإسرائيلية إن “البولنديين شاركوا في إبادة اليهود في المحرقة. لقد أصبحت بولندا أكبر مقبرة للشعب اليهودي”.

وقال مورافسكي لـ”هآرتس” أنه مندهش من أن هذه التصريحات صدرت عن وزير خارجية.

وقال مورافسكي: “عندما سمعت لأول مرة عن [التصريحات] بدا ذلك غير قابل للتصديق تماما. هذه الكلمات يمكن أن تُستخدم من قبل متطرف راديكالي، ولكن ليس من قبل وزير خارجية. أنا أدرك أن بعض السياسيين يريدون تصدر عناوين الأخبار في سياق الحملة الانتخابية”.

ونفى القائد البولندي أن تكون لبلاده مشكلة تتعلق بالكراهية تجاه اليهود.

كاتس يحضر الجلسة الأسبوعية للحكومة في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 17 فبراير، 2019. (Sebastian Scheiner/Pool/AFP)

وأضاف: “علينا أيضا التعامل مع بعض معاداة السامية في بولندا، ولكن لحسن الحظ فإنها هامشية. إن بولندا هي واحدة من الدول القليلة في الاتحاد الأوروبي التي تشهد حوادث معاداة السامية فيها انخفاضا، بينما تشهد العديد من الدول الأخرى تطورات مقلقة”.

ليلة الخميس، أصر كاتس على عدم الاعتذار، مكررا أن “الكثير من البولنديين” تواطئوا مع النازيين في الحرب العالمية الثانية.

وقال مورافسكي خلال المقابلة التي أجرتها هآرتس معه: “نرفض التحركات التي تهدف إلى تحميل بولندا أو الأمة البولندية كاملة مسؤولية الجرائم التي ارتكبها النازيون والمتواطئون معهم من دول أخرى”.

وتابع قائلا أنه على الرغم من توضيحات نتنياهو، إلا أن كلمات القائد الإسرائيلي “لم تلق استحسانا في بولندا. ما يمكنني قوله هو أنه اذا قام شخص ما بنقل كلماتي خطأ، سأبذل كل الجهود لتوضيحها”.

وتشهد العلاقة بين البلدين توترا منذ أن قامت بولندا بتمرير تشريع يحظر تحميل بولندا مسؤولية الجرائم التي ارتكبها النازيون ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.

في البداية شجب مسؤولون إسرائيليون القانون البولندي معتبرين أنه تحريف للتاريخ. الإجراء أدى إلى أزمة دبلوماسية كبيرة عندما قام البرلمان البولندي بإعطاء الضوء الأخضر للتشريع في يناير 2018.

لكن بدا أنه تم التوصل إلى حل للخلاف حول القانون عندما قامت بولندا بالتخفيف من لغة التشريع، واتفق نتنياهو ونظيره البولندي على الخروج ببيان مشترك أكدا فيه على الدور الذي لعبته المقاومة البولندية في مساعدة اليهود.

الاتفاق اعتُبر نجاحا دبلوماسيا بالنسبة لبولندا، لكن نتنياهو واجه انتقادات من مؤرخين في إسرائيل، من ضمنهم متحف “ياد فاشيم”، لموافقته على البيان الذي راوا أنه يحرف التاريخ.

هذه الصورة من عام 1942 والتي تم الحصول عليها من مكتب المدعي العام في هامبورغ عبر المتحف لإحياء ذكرى المحرقة في الولايات المتحدة يظهر فيها هينريخ هيملر، وسط يسار الصورة، وهو يصافحي الحراس المجندين الجدد في معسكر الاعتقال ’ترافنيكي’ في بولندا. (public prosecutor’s office in Hamburg via the United States Holocaust Memorial Museum via AP)

وكرر مورافسكي الرواية التي تعفي بولندا من أي مزاعم ضدها بالتواطؤ مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

وقال إن “التعاون مع ألمانيا لم يكن يوما موقفا رسميا للدولة البولندية.لقد حاكمت الحكومة البولندية السرية خلال فترة الحرب كل أولئك الذين أبلغوا عن اليهود، وحكمت عليهم بالإعدام ونفذت الأحكام ضدهم، حتى خلال الحرب”.

وتابع مورافسكي: “لقد كانت بولندا المحتلة من بين الدول القليلة جدا التي لم تكن فيها حكومة دمى نازية. والدولة الوحيدة التي واجه فيها كل من يقوم بمساعدة اليهود عقوبة الاعدام بيد الألمان. وليس الأفراد [الذين قدموا المساعدة] فقط – بل عائلاتهم بأكملها أيضا”.

وتابع قائلا: “لقد كان القيام بذلك عملا شجاعا. ومع ذلك، ساعد عشرات آلاف البولنديين، وربما حتى أكثر، اخوتهم اليهود… نحن نتقاسم تاريخا مشتركا. لقد كان شعبينا من ضحايا ألمانيا النازية. لا يجب أن نسمح للمتطرفين بإعادة كتابة التاريخ وتدمير هذه الذكرى”.

ولكن على الرغم من الأزمة الدبلوماسية مع إسرائيل، قال مورافسكي إن العلاقات بين البلدين لا تزال قوية.

وقال: “لا أعتقد أن هناك أزمة عميقة بين بولندا وإسرائيل. أنا أدرك أنه في سياق الحملة الانخابية يريد بعض السياسيين تصدر عناوين الأخبار. ولكن بشكل عام، فإن حكومتي هي من بين أكثر الحكومات المؤيدة لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. إننا ننتقد علنا مبادرات الـ BDS (حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) الموجهة ضد إسرائيل”.